سليم مطرجنيف ـ من سليم مطر: ان (موضوع التاريخ) من اكثر المجالات المعرفية تسيسا وخطورة في حياة الاوطان والشعوب.ان التاريخ مثل السلاح، ان لم تستعمله لحماية نفسك، فان خصومك سيستعملونه ضدك. ان الشعب الذي لا يكت ب تاريخه بما يلائم مصالحه ووحدته واستقراره، فأنه يترك تاريخه الوطني بيد اعداء الوطن الذين سيكتبونه بما يلائم مصالحهم.يكفي التذكير بمثال فلسطين. فأن اسرائيل تمكنت من الغاء الوطن الفلسطيني وطرد الشعب وتكوين وطن ودولة وشعب جديد بعد ان نجحت بكتابة تاريخ توارتي صهيوني يبرر كل ذلك باسم(الارض الموعودة من قبل الرب يهوى).هذا التشويه التاريخي المقصود تعرض له العراق حيث اعيد كتابة تاريخه في العصر الحديث بصورة عنصرية وتقسيمية. فان المعضلة الكبرى التي يعاني منها هذا الوطن منذ تأسيس الدولة الحديثة عام (1921) وحتى الآن، انه لم يكتب له حتى الآن تاريخ وطني مشترك تتفق عليه جميع مكونات (الامة العراقية) القومية والدينية والمذهبية، وتشعر بالانتماء اليه وتفتخر به. ان جريمة النخب العراقية بجميع تياراتها واصولها، انها تعيش في دولة واحدة بلا تاريخ ولا هوية موحدة. فهذه النخب المشهوة حداثيا وقوميا ودينيا، لم تمنح أي اهتمام لكتابة تاريخ وطني مشترك يكون اساس هوية وطنية جامعة لكل العراقيين. بل ان هذه النخب عملت العكس تماما، اذ هي حسب آيدلوجياتها، الاممية والقومية والدينية، دمرت التاريخ العراقي الموحد واشاعت تواريخ متعددة ومتنافسة قومية وطائفية ودينية: اممية طبقية وعروبية وكردوية وتركمانوية وآشوروية، ثم شيعوية وسنوية… وكل هذه التواريخ رغم صراعها الحاد بينها فانها جميعها متفقة على نقطة مشتركة: معادات التاريخ العراقي الوطني المشترك. والنتيجة ان الشعب العراقي منذ اكثر من قرن وحتى الآن حاله حال الانسان المريض الثمل التائه الممزق الذي يعاني من انفصام الشخصية لانه يحمل في داخلة عدة شخصيات متنافسة متصارعة. لو تمعنا بجميع الكتب والطروحات اللتي اشيعت رسميا وشعبيا ودراسيا وسياسيا في هذا القرن عن تاريخ العراق لوجدنا التشويهات التالية: اولا، التشويه العنصري القومي ـ الديني: (التوراتي ـ العروبي ـ الكردوي ـ الديني)، الذي لا زال منذ مطلع العصر الحديث وحتى الآن سائدا والقائم على فكرة ساذجة وعنصرية تعتبر: ‘ان تغيير لغة وديانة الشعب في مرحلة ما، تعني بكل يقين تغيره ـ العرقي القومي ـ واحلال شعب جديد محله حمل الديانة واللغة الجديدة.’وقد تم فرض هذا التشويه على جميع مراحل التاريخ. فلو اخذنا التاريخ القديم (النهريني)، فأننا نلاحظ الحديث عن (شعوب وحضارات عديدة: سومرية وأكدية وامورية وبابلية وآشورية وكلدانية.. الخ). بينما التمعن الموضوعي يكشف لنا الحقيقة التالية: ان غالبية هذه الجماعات، لم تكن شعوب بل عشائر عراقية من نفس الاصل الوطني تمكنت من السيطرة على الدولة وخلق سلالات حاكمة. والدليل على ذلك ان العراق ظل خلال حوالي 3 آلاف عام يتكلم بنفس اللغة الفصحى(الاكدية) مع لهجتيها (الشمالية الآشورية) و(البابلية الجنوبية)، وتسود فيه نفس الالهة والدين والحضارة بالاضافة الى اللغة السومرية كلغة دينية. وهذا الامر شبيه بالفرق بين (الامويين) و(العباسيين)، فهم ليسوا بشعبين مختلفين، بل سلالتين مختلفتين لشعب وحضارة عربية اسلامية واحدة.ان انتقال العراقيين من اللغة السومرية الى الاكدية (البابلية ـ الآشورية)، ثم الى اللغة ألآرامية ـ السريانية والديانة المسيحية، ثم الى اللغة العربية والديانة الاسلامية. كل هذه التغيرات اللغوية ـ الدينية، لا تعني ابدا التغيير الفعلي البدني والروحي للعراقيين الاصليين، بل كل ما في الامر، انهم غيروا ديانتهم ولغتهم مثل كل شعوب الارض، ولكــنــهم بقوا هـم انفـسـهم روحيا وبدنيا.ان الفتح العربي الاسلامي، لم يغير سكان العراق ليحل محلهم العرب المسلمين، بل كل ما في الامر ان العراقيين الاصليين قد اعتنقوا الاسلام وتبنوا العربية وامتزجوا مع الاقلية المسيطرة من الفاتحين العرب المسلمين وحملوا القابهم واسمائهم.وهذ الامر ينطبق على جميع الشعوب العربية الحالية، فهم نفس السكان الاصليين (بربر واقباط آراميون كنعانيون وافارقة .. الخ) ولكنهم تبنوا العربية والاسلام بعد الامتزاج بالاقلية من الفاتحين العرب المسلمين.وهذا امر حصل في تاريخ جميع شعوب الارض. فهنالك حالات نادرة جدا ادت الى انقراض الشعب من قبل الفاتحين الجدد، مثل حالة انقراض غالبية الهنود الحمر في امريكا الشمالية، بتأثير الاسلحة النارية والامراض الجديدة الفتاكة التي نقلها اليهم المستعمر الاوربي.ولهذا فقد عملنا نحن في بحوثنا التاريخية على تقسيم تاريخ العراق الى خمس مراحل متداخلة وطنيا وانسانيا، حسب تغيير الحضارات(اللغة والدين وعموم الثقافة): 1ـ النهرينية. 2ـ الآرامية المسيحية.3ـ العربية الاسلامية. 4ـ الآسيوية(المغولية ـ التركمانية ـ الايرانية ـ العثمانية). 5 ـ الحديثة.ثانيا ـ التشويه القومي العروبي الذي يصر على تعريب العراقيين القدماء(الساميين) واعتبارهم مهاجرين من الجزيرة العربية. اما نحن فمع الفرضية التاريخية التي تقول ان العراق هو الموطن الاصلي للناطقين بالسومرية (الذين امتزجت فيهم مختلف الجماعات القادمة من البلدان المحيطة). كذلك ان العراق(مع منطقة الشام) موطن الشعوب السامية وليست الجزيرة العربية.ثالثا ـ التشويه (الديني) الذي يتجاهل المرحلة (الآرامية المسيحية) السابقة للاسلام، ويعتبرها مراحل مختلفة حسب القوى الاجنبية الحاكمة: اخمين ويونان وفرث وساسان. اما نحن فاعتبرناها مرحلة واحدة اعقبت المرحلة النهرينية، حيث استبدل العراقيون لغتهم الاكدية باللغة الآرامية ـ السريانية مع الديانة المسيحية التي حلت محل عبادة الكواكب.رابعاـ التشويه (القومي ـ السرياني المسيحي) السائد بين النخب المسيحية العراقية الذين يعتبرون انفسهم هم وحدهم سكان العراق الاصليين، وان العرب المسلمين غزاة اجانب قدموا مع الفتح العربي الاسلامي. ووضحنا بأن المسلمين هم ايضا سكان العراق الاصليين الذين اعتنقوا الاسلام واستعربوا بعد الفتح.خامسا ـ التشويه (القومي العروبي) الذي يتجاهل ادوار الجماعات العراقية غير العربية:(اكراد وتركمان وسريان، وصابئة ويزيدية وشبك.. وغيرهم) في صناعة التاريخ العراقي. اما المطلوب فهو ابراز ادوار وتواريخ هذه الجماعات(غير العربية وغير المسلمة) ومساهماتها في صنع التاريخ العراقي الوطني المشترك.سادسا ـ التشويه (القومي الكردوي) الذي يصر على (تكريد) تاريخ شمال العراق، وفرض تفسير صبياني مضحك عن كردية (ميزوبوتاميا والسومريين والآشوريين، وكلكامش، والنبي ابراهيم..ووو الخ).والمطلوب هو التوضيح بان سكان المناطق الكردية الحالية واسلاف اكراد العراق انفسهم قد ساهموا بصورة فعالة في صنع التاريخ العراقي، ولكن ليسوا كأكراد بل كعراقيين. وان دماء غالبية العراقيين بمن فيهم العرب وقبلهم الآراميون والاكديون والسومريون، تحمل الكثير من الدماء الكردية العراقية.سابعا ـ تصحيح التشوية (الطائفي السني ـ القومي) الذي باسم (الخوف من الشيعة والفرس.) و(النقاء القومي العروبي وفضح الشعوبية والتفريس) يصر على عزل و(تفريس) الجزء الاعظم من التاريخي الاسلامي العراقي، والعصر العباسي خصوصا. ووضحنا كيف ان الغالبية الساحقة من المبدعين والابداعات التي احتسبت على (الفرس) كانت عراقية صميمة.ثامناـ تصحيح التشويه (الطائفي الشيعي) الذي باسم الحديث عن (مظالم اهل البيت) يصر على اختصار التاريخ الحضاري العباسي العراقي (وكذلك الاموي) الى مجموعة مذابح ومظالم ضد الأئمة الكرام. ووضحنا ان الشيعة انفسهم لعبوا ادوارا حاسما في الابداع الحضاري العراقي والاسلامي خلال القرون الستة من الحضارة العربية ـ الاسلامية.نعم اننا في جميع كتاباتنا نعمل على تقديم تاريخ العراق برؤية (وطنية ـ انسانية) تحترم الارض والانتماء اليها وتتجنب التعصب الاممي والعرقي والديني، وتعترف بدور الانسان العراقي مهما كانت ديانته ولغته واصوله. فمن دون توحيد الماضي يستحيل توحيد الحاضر والمستقبل.