منصف الوهايبي1ـ أبو الطيب المتنبّي لا يفهم عربيّتنا،ونحن نفهم عربيّته: قضّــيت يومين في صـــحبة المتنبّي، وأنا أتهيّا لكتابة مقال عن العاطـفــة الدينيّة عند شعراء العرب القدماء.وأكاد أقرّر أنّ أكثرهم لم يُعنَ بهذا الجانب إلاّ في الندرة والفرط من القصائد؛لأسباب هنا مجال شرحها.وهذا موضوع قد أعود إليه بشيء من التفصيل في عدد قادم. إنّما يعنيني في هذه الورقة أنّ العربيّة التي نحتفل يوم 18 ديسمبر بها أو عربيّتنا نحن عصيّة على شاعر مثل أبي الطيّب،وشعره على ما يتهيّأ لي وربّما لغيري،قد يكون خير أنموذج لتمثّل خصائص الشعر العربي في طوريه الكبيرين:الجاهلي والمحدث. والشعر معين اللغة الذي لا ينضب،وأظنّ أنّ اللغة هي التي تحتاج إليه أكثر ممّا يحتاج إليه الناس.يكون أوّل ما أُبادر به المتنبّي وأنا أرحّب به في تونس الجديدة:ـ أحبّ قبل أن أصحبك إلى المقهى وأسقيك قهوة، أن تلبس بذلة مثل التي ألبس..ورباط عنق(علما أنّ رئيس تونس منصف المرزوقي لا يضعه تأسّيا بالسيّد راشد الغنّوشي)..وساعة يدويّة..وحذاء وجوربينويحملق المتنبّي فيّ دهشا وهو يقول: اللبن أم الخمر؟ وأقول: لا هذا ولا ذاك.. أعرف أنّ القهوة من أسماء اللبن المحض عندكم معشر الأسلاف..وأنّها من أسماء الخمر.. وقيل سُمّيت بذلك لأنّ شاربها يُقهى عن الطعام أي تقلّ شهوته له. ولكنّي رأيت من يشرب ويكاد يلتهم خروفا بأكمله..وأعرف أيضا أنّ القهوة هي الشبعة المحكمة.. ولا أستطيع أن أُفهم المتنبّي أنّنا نحن العرب اللاحقين أو المتأخّرين، نسمّي شراب البنّ بالقهوة..ونطلق اسم[القهوة] على الموضع الذي يكثر فيه شربها..كما هو الشأن في تونس..حيث يكسب أرباب المقاهي رزقهم من العاطلين بشتّى أصنافهم:حملة الشهادات العليا.. وحثالة النخبة.. ونخبة الحثالة..وأقول له إنّ المقهى هو المكان الذي تُشرب فيه القهوة.. وأضيف أنّ لرباط العنق أو ربطة العنق حكايةً عجيبة،فتاريخ الكارفتّة يرجع إلى بدايات القرن 17 عشر. وهي عبارة عن شال يلفّ فوق القميص استخدمه ،الجنود الكرواتيون أثاء الحرب. وقيل أيضا إنّ أصل الكلمة[كرافات] محرّف أو هومشتقّ من الكلمة ‘كروات’. وقد كانت حروبهم من الشدّة والعنف حتّى أنّ طريقة إعدام الكرواتيين كانت بتعليقهم بربطات العنق التي يرتدونها. ومن هنا جاء أصل الكلمة الإنجليزية نيك تاي والتي تعني بالعربية ربطة عنق. .أمّا الجورب فجمع جوارب وهو لفافة الرّجل..وبعضنا يسمّيها[الكلاست] وفي الشرق[الكلسة ]و[القلشينة].. وأمّا الساعة فآلة يُعرف بها الوقت،وهي ليست السائع ج.ساعة أي الهالك.. ولا هي بالساعة الرمليّة.. أو الساعة الشمسيّة.والمتنبّي المسكين يحملق ويضرب يدا بيد،وكأنّي أكلّمه بالصينيّة أو اليابانيّة.وإذْ يرنّ المحمول،يقفز أبوالطيب فزعا؛ فأقول له مهدّئا من روعه: هذه آلة نسمّيها الهاتف..والهاتف وأنت سيّد العارفين،هو من يُسمع صوته ولا يُرى شخصه. ونحن العرب نستعمل هذه الكلمة للتلفون،إذ لم نجد لها مقابلا إلاّ في أساطيركم عن الجنّ وهواتف الصحراء.وإذ أحدس أنّه لم يفهم شيئا،أو ظن بي مسّا؛أقرأ عليه قصيدة نزار قبّاني:رباط العنق. وهذا يا أباالطيب شاعر شاميّ اُشتُهِر مثلك.. وشغل الدنيا والناس:مِنْهَا .. رِبَاطُ العُنُقِ فيا ضُلُوعي أَوْرِقي أولى هداياها فما أسلم ذوق المنتقى سَيِّدتي فَضْلُكِ لا فضل الربيع المونقِ أسْعَى بهِ وبي غُرُورُ الطائر المزوّقِ فيا رياح صفّقى ويا نُجُومُ حَدِّقي ما دامَ مَشْدُوداً إلى صدري فماذا أتقى ؟ طوْقى حريرها فيا لي من طليقٍ مُوثَقِ ولا أستطيع أن أواصل فقد انتابته نوبة من الضحك،وهو يقول: هذه أرجوزة لم أسمع مثلها قط..كلام عربيّ لا ريب؛ ولكنّني لا أفهمه.. فلعلّ هذا من أثر الطائي[أبوتمّام]. وقد قلت لي إنّ صاحبكم هذا شامي..وهل لأسلافنا أن يفهموا هذه الاستعمالات والمفردات الحديثة من قبيل: إضراب عام.. وإطلاق رشّ أو نار.. وانتخابات ديمقراطيّة.. ومصارف.. وبورصة.. وتضخّم… وإقلاع طائرة… وسيّارة رباعيّة الدفع.. والسيارة في عرف أسلافنا: مؤنث سيّار، وهو القافلة،وكلّ كوكب يسير حول الشمس.. وأنترنيت وفايسبوك.. وبرلمان.. ونشرة أخبار..أو:رمت الطائرة بقنابلها من علوّ شاهق، فالقنابل ج.قنبل وقنبلة،هي في عرف أسلافنا:الطائفة من الناس أو من الخيل والإبل..وماذا لوقلت لهم: قنبلة حارقة وقنبلة جرثوميّة وقنبلة ذرية…أو قلت لهم: سأنشر هذا المقال في جريدة القدس العربي،والجريدة عندهم:جماعة الخيل لا رجّالة فيها.. والبقيّة من المال.وربّما عنت عندهم الصحيفة يكتب عليها،ولكنها لا تعني أبدا المعنى المعاصر أو المستحدث… من نافل القول أن نذكّر بأنّ اللّغة تتطوّر وأنّ العلامة أو الكلمة لا تمضي على ثبات وديمومة واطّراد. بل أنّ تطوّر العلامة يمكن أن يفضي عبر تحوّلات وتناسخات لغويّة كثيرة لا إلى تغيّرها فحسب، وإنّما إلى زوالها أيضا. ولعلّنا لا نملك،تلقاء مسألة كهذه، سوى إجابتين ممكنتين:ـ أولاهما أنّ الكلمة تغيّر ما بها من المعنى أكثر ممّا هي تضمحلّ أو تتلاشى .ويتّخذ هذا التّغيّر ثلاث طرائق هي:أـ توسّع المدلول الذي يتولّد منه توسيع في المعنى.ب ـ التّقييد؛ فقد تتّسع الكلمة في حقبة لجملة من المعاني، ثمّ تقصر في أخرى على معنى واحد، وقد تمرّ الكلمة بالطّورين معا: انتشار يعقبه انحسار.ج ـ تحوّل الكلمة كلّما تنقّل المعنى من شىء إلى آخرـ وثانيتهما أنّ الكلمة تضمحلّ باضمحلال الشّيء الذي تسمّيه. وهذا لا يحدث عادة إلاّ بعد حقب متطاولة، فلا يعود للكلمة من وجود سوى الوجود الأدبيّ، ومن وظيفة سوى الوظيفة الأدبيّة أوالشّعريّة.غير أنّ الكلمة تثوي في ‘مقبرة اللّسان ‘ قبل أن تضمحلّ،أشبه ماتكون بشاهدة القبر.والحقّ أنّ كثيرا ممّا نسمعه في خطب السلفيّة وتلفزيزناتهم،ليس إلاّ مظهرا لهذه العربيّة ‘الميّتة’ التي ولّى زمانها.وهي من هذا الجانب دليل على أنّ عربيّة هؤلاء هي عربيّة السلطة بالمعنى الواسع للكلمة أي عربيّة النقل والحفظ والذاكرة والسمع والطاعة.. أو ما نسمّيه ثقافة الأذن..وأحبّ أن أسمّيها:اللغة الأب.والحقّ أنّ حبّنا لأسلافنا واعتزازنا بالانتماء إليهم،لايحول دون القول إنّهم لا يمكن أن يتحكّموا في واقعنا أو أن يكون خطابهم رؤية من رؤى عالمنا الحديث المعقّد،مهما تكن القداسة التي نسبغها عليهم.فقد نسخ الزمان لغتهم وتصوّراتهم.. وآن لنا نحن العرب المعاصرين أن نلتفت إلى واقعنا ونبحث فيه عن حلول لفضايانا ومشاكلنا.. بعربيّتنا نحن لا هذه العربيّة الميّتة التي تكاد تكون صورة من لاتينيّة العصور الوسطى.2ـ العربيّة لغتنا الأبإنّ تاريخ العربيّة الفصحى،كان في جانب كبير منه،من أثر احتدام المعارك اللّغوية بين الشّعراء واللّغويّين، وبين اللّغويين أنفسهم،إذ سيطر مبدأ ‘ تهذيب اللّغة ‘ ممّا شابها من لحن ودخيل،على الحياة الأدبيّة منذ عهد هارون الرّشيد.وكان للعلماء فيه، أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد والفرّاء والكسائي وغيرهم من اللاّحقين عليهم، منادح واسعة. فقد جمع الأصمعي الثّروة اللّغوية عند البدو ورتّبها وشرع في تقعيد الإستعمال اللّغوي الدّقيق للكلمات. وخالفه ابن الأعرابي في كثير أو قليل منها. وأنحى البطليوسي باللاّئمة على ابن قتييبه، لأنّه أخذ بمذهب الأصعمي المتشدّد في ‘تهذيب اللّغة’ ولم يعن بمذاهب علماء اللّغة الآخرين من الثّقات. وكان للكسائي موقف من نحو سيبويه والخليل، وهو الذي فسح في العربيّة للغات (اللّهجات) الشاذّة أوالنّادرة، وتوسّع في قواعد النّحو والصّرف حتّى تشمل القراءات جميعها، معتمدا مبدأ الإتّساع في الرّواية والقياس ومخالفة البصريّين، وما إلى ذلك من المسائل الخلافيّة. ولكنّها تعزّز من وجاهة القول بأنّ دراسة المادّة اللّغويّة العربيّة دراسة وصفيّة تحليليّة شاملة، لم يكن بميسورها أن تصدر عن تمييز دقيق بين لغة حديثة ولغة قديمة أو بين لغة الشّعر ولغة النّثر، في تقعيد القواعد. فقد خلط اللّغويّون بينهما، وأدّى هذا الخلط إلى اضطراب غير يسير في أحكامهم.أمّا أسباب هذا القصور،فتعزى إلى اتّساع الرّقعة المكانيّة وما أدّى إليه من اضطراب في تحديد اللّهجة الفصيحة، وآختلاف المادّة اللّغويّة وتشعّبها وتشتّتها، وانصراف النّحاة عن العامل الزّمنيّ في تطّور اللّغة. فلم يقسّموا مثلا لغة الشّعر تقسيما زمنيّا، واكتفوا بتقسيمها تقسيما مكانيّا في الأغلب الأعمّ، فجمعوا لغة جرير والفرزدق إلى لغة زهير والأعشى، وفرّقوا بين لغات القبائل بحسب قربها من نجد وبعدها عنها. وربّما كانت لغة القرآن أهمّ هذه الأسباب.وللقرآن فضل كبير في تطوّر المباحث اللّغويّة عند العرب، ولم يحدث حدث في تاريخ العربيّة أشدّ أثرا منه .ونستطيع أن نتلمّح ذلك في سائر مصنّفات اللّغة وهي التي تدور كلّها على حفظ ‘النّص’ وحياطة اللّسان الذي نزل به وتأديته كما لو أن اللّغة قانون نافذ على الدّهر؛ فلا ينبغي لعصر يآتي إلاّ أن يكون من جنس زمن الوحي والقرن الأوّل. فلعلّ هذه القداسة المثيرة التي أسبغوها على القرآن ـ وهم الذين جرّدوه من رقّ الزّمان والمكان ـ كانت من أهمّ الأسباب التي صرفتهم عن العامل الزّمنيّ في تطوّر اللّغة بل ربّما حجبت عليهم ما تعكسه لغة القرآن نفسها، من مراحل متفاوته في تطوّر العربيّة اللّغويّ ومن فروق شتّى بين أداء شفهيّ وأداء كتابيّ. بل أنّ حرصهم على مبدأ ‘ تهذيب اللّغة’ وعلى عربيّة البدو كان من حرصهم على القرآن حتّى يظلّ مقروءا أبدا مفهموما أبدا.و كان من أثر ذلك ‘ أن صارت عربيّة البدو تعدّ القدوة المثلى،والمثل الأعلى من جميع الوجوه،وأن احتذاها المثقّفون في الكلام الشّفويّ والتّحرير الكتابيّ جميعا.’وفي آستطرادات الجاحظ الكثيرة التي تحتاج إلى التّرتيب والتنظيم، ما يدّل على أنّ آحتذاء طائفة من العلماء والكتّاب والشّعراء وغيرهم لغة الأعراب يرجع إلى أنّ هذه اللّغة كانت تعدّ حتّى هذا العصر نموذج الفصاحة والبلاغة. فلم يكن بالمستغرب أن يحتذيها هؤلاء الحضريّون حتّى في غريب ألفاظها وحوشيّه، وأن يتسنّموا فيها وبها مقاما أعلى وقيمة أسمى. على أنّ التّطوّح في الكلام على هذه اللّغة بصيغة المفرد، لا يلبث أن يصطدم بحقائق من تاريخ العربيّة، إن لم تنقضه فليس أقلّ من أن تستدعي مراجعته وتدقيقه. ولا سبيل إلى إنكار أنّ هذه اللّغة كانت مجموع لغات سالفة وأنّ التّجديد بدأ يطولها منذ أواخر القرن الثّاني للهجرة. بل أنّ جمعها لم يقم كلّه على التّمحيص التّاريخيّ وتوخّي الأسلوب العلميّ وتدقيق الرّوايات.ووضع قواعدها لم يجر عند جميعهم على أصول من الاستقراء الخالص والملاحظة الدّقيقة. بل أنّ بعضهم كان أوفر حرّية من بعض في ضبط اللّغة ومقاييسها. ولا ننسى أنّ الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة بدأ يحتدم ناشئة القرن الثّالث أوقبله بقليل، ويضطلع به أئمّة اللّغة والنّحو من الفريقين. ويزعم البعض أنّ البصرييّن أخذوا اللّغة عن البدو الخلّص، على حين أخذها الكوفيّون عن أنصاف الأعراب من أهل السّواد.فلم يكن المحصول اللّغويّ الغزير الذي تحصّل من الأعراب أو البدو، ليخلو من خلط وآنتحال ومن خلاف بحكم آختلاف مصادره وتنوّعها، سواء تعلّق الأمر بكتب النّحو وما آتّصل منها بقواعد اللّغة وبناء الألفاظ أو تعلّق بكتب اللّغة،ومااتّصل منهاب’القراءات’و’غريب القرآن’و’معاني القرآنفقد جرت هذه الكتب على نسق واحد يكاد لا يختلف في الجملة. فهي أخبار وأشعار ولغة وجمع وتحقيق. وربّما تفاوتت بآلزيادة والنّقص والاختصار والتّبسّط ونحو ذلك ممّا هو في الموضوع لا في الوضع.فهي تتطابق كلّها في وصف لغة ‘ ثابتة ‘ تكاد لا تتغيّر معالمها ولا تخلق أبنيتها.فلا غرابة أن صارت اللّغة الفحصى هي لغة البدو، ولغة القرآن هي الحكم بيين اللّغات.أنّ تصنيف الظّواهر اللّغويّة في القرنين الثّاني والثّالث للهجرة كان أساسه المعياريّة وتقويم اللّسان والمحافظة على فصيح الكلام. ولم يكن الهدف منه وصف قدرة المتكلّم أو كفايته اللّغويّة، أومجرّد الكشف عن مجاري الكلام وملاحظة ما يقال وما لا يقال، وإنّما صوغ الأحكام التقويميّة، وتحرّى الصّواب من الخطأ والموضوع من الصّحيح، وتسويغ ألفاظ وتراكيب والاعتراض على أخرى.ولم يكن بميسور الدّراسات اللّغويّة والنّحويّة في هذين القرنين أن تتخلّص من حبائل المعياريّة ولا هي كانت تنشد ذلك، وهي التي خضعت لمقتضيات استعمال لغويّ مخصوص كانت تحكمه قيود دينيّة وأوضاع اجتماعيّة وثقافيّة شتّى.وكان غرضها أوّل الأمر،خدمة التّفسير القرآنيّ، ثم جنحت عن هذا القصد إلى ‘التّهذيب اللّغويّ ‘ والإسراف في تحصيل الغريب، وتعدّت الوصف والاستقراء والكشف عن القوانين والقواعد التي تحكم الكلام، إلى الجانب المعياريّ منها وإلى اطّراح ألفاظ وتراكيب لا توافق لغة القرآن وعربيّة البدو،فقد كانت عندهم من العربيّة المولّدة أو من الشّاذّ الذي ‘فارق ما عليه بقية بابه وانفرد عن ذلك غيره.’ فسبيلها أن تطرح أو أن تصلح أو أن تقصر في أحسن الحالات على السّماع فتحفظ ولا يقاس عليها. والكتب المؤلّفة في لحن العامّة تؤكد هذا المنحى. فقد كان غرضها إثبات الصّواب اللّغويّ وليس وصف لهجة البدو أو هذه العربيّة المولّدة. وربمّا زكّى هذا الوصف أنّ كثيرا من المصنّفات في اللّغة والنّحو والبلاغة خلال القرنين الثّاني والثاّلث للهجرة، كان دافعها نزعة تعليميّة واضحة تنشد من جملة ما تنشده، تمهيد طرائق تعليم الكتّاب أساليب الكتابة وتجويدها، أو تمكين الكاتب الناشئ من أسرار اللّغة وتطويعها له ومن الاقتدار على ضروب الكتابة ولتصّرف في فنونها. وكان المتقدّمون يسمّون هذه الكتب أدبا، فقد كان ذلك هو رسم الأدب في عصرهم. فكان من البديهيّ أن ‘تفرض’ هذه المصنّفات الاستعمال الذي تعدّه أنموذجا للّغة المثال.ولكنّ تعليلهم ظاهرة الأضداد والاختلاف في المدلول وفي اللّفظ، باختلاف اللّهجات بين القبائل وتغايرها يوقفنا على ظاهرة في الشّعر العربيّ، قديمه ومحدثه، جديرة بالتّسجيل فقد عمل هذا الشّعر منذ الجاهليّة على امتصاص اللّهجات العربيّة ‘المتنافرة’ في شبه الجزيرة العربيّة، وساعد على تنمية المخزون في الذّاكرة المعجميّة وعلى فهم المفردات ومعانيها وتنقّلها من قبيلة إلى أخرى، وأتاح إمكان التّصرّف بالمفردات، بإحلال مفردة وإغفال أخرى،ونشرهاعبر المكان والزّمان دونما استبدال في الأعمّ الأغلب. وبسبب من ذلك تحوّلت العربيّة إلى لغة فنّية.. أو لغة عليا. ولعلّ هذا ممّا يجعل العربيّة الفصحى المعربة لغة الأب أكثر منها لغتنا الأمّ بالمعنى الدقيق للكلمة،فنحن لانتكلّمها إلاّ في أفضية(ج.فضاء) مغلقة،ولو فعلنا خارجها لغدونا أضحوكة الناس.. ونحن لا نعيشها ولا نحلم بها..ولا نقضي بها حوائجنا في الحياة العامة..وهذا جانب من مأساة العربيّة..أعني مأساتنا نحن عرب اليوم الذين لم نتحرّر من سلطان عرب الأمس.. ‘ شاعر من تونس