محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: اختارت جماعة ‘العدل والاحسان’ الشيخ محمد العبادي امينا عاما وفتح الله ارسلان نائبا له فيما ابقت لقب المرشد لمؤسسها الراحل عبد السلام ياسين الذي وافاه الاجل منتصف كانون الاول (ديسمبر) الجاري.واعلنت اقوى التيارات المغربية ذات المرجعية الاسلامية ان مجلس شورى الجماعة عقد نهاية الاسبوع الماضي دورة استثنائية بمدينة سلا تحت شعار: ‘دورة الثبات والوفاء’ لانتخاب المسؤول الأول لجماعة العدل والإحسان، على إثر الموت الذي غيب مرشد ومؤسس الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين الذي وصفته بـ’الأستاذ العالم الرباني والإمام المجدد’.واكد مجلس شورى الجماعة في بيان تلي في ندوة صحافية الاثنين ‘التمسك والوفاء للمبادئ التي قامت وتأسست عليها والسعي الموصول لتكون الجماعة ملاذا سياسيا وأخلاقيا، وعامل استقرار لهذا البلد الكريم، مع الاعتقاد الراسخ أن التغيير مبدأه ومنتهاه الإنسان’ و’التمسك بخيار المقاربة الجماعية مدخلا لتغيير الأوضاع المتردية بالبلد’. ودعا إلى تضافر جهود كل القوى الحية والمخلصة في هذا الوطن الحبيب من أجل التأسيس الجماعي لمغرب جديد، مغرب الحرية والكرامة والعدل والاختيار الحر للحاكمين ومحاسبتهم، والتداول الحقيقي على الحكم، والفصل بين السلط. كما دعا ‘كافة القوى الفاعلة إلى فتح نقاش وحوار مجتمعي مسؤول واستثمار أجواء الربيع العربي التي منَّ الله بها على أمتنا من أجل رسم خارطة طريق لمناهضة الاستبداد ومحاربة الفساد، وبناء مغرب الكرامة والحرية والعدالة’.وقال البيان ان مجلس شورى الجماعة قرر ‘الاحتفاظ بلقب المرشد العام للأستاذ المؤسس رحمه الله.’ واختيار لقب: ‘الأمين العام لجماعة العدل والإحسان’ للمسؤول الأول في الجماعة بدل ‘المرشد العام’ وانه انتخب ‘الأستاذ المجاهد والداعية إلى الله الأستاذ محمد عبادي أمينا عاما لجماعة العدل والإحسان، والأستاذ المجاهد فتح الله أرسلان نائبا له.’وحسب الورقة التعريفية التي قدمتها الجماعة لأمينها العام، فإن محمد بن عبد السلام عبادي، مولود 1949 ، بمدينة الحسيمة- منطقة الريف- شمال المغرب وأتم حفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز سنه الثانية عشر من عمره وأنهى دراسته الثانوية سنة 1970 وتخصص في الدراسة الشرعية لمدة خمس سنوات وبدأ سنة 1975 تدريس العلوم الشرعية واستمر لمدة سنتين قبل ان يلتحق سنة 1977 بمعهد تكوين الأساتذة، حيث تخرج أستاذا في مواد اللغة العربية وحصل سنة 1982 على شهادة الإجازة من كلية أصول الدين بمدينة تطوان التابعة لجامعة القرويين وعمل أستاذا لمواد العلوم الإسلامية بمدينة وجدة لسنوات قبل أن يتقاعد حيث عمل واعظا وخطيبا لمدة 15 سنة وتعرض للتوقيف مرارا قبل أن يمنع نهائيا سنة 1989 وحوكم عدة مرات وسجن سنة 1990 لمدة سنتين مع أعضاء مجلس الإرشاد للجماعة وتم توقيفه عن التدريس لمدة 8 سنوات كما سجن أيضا سنة 2000 وحوكم بثلاثة أشهر موقوفة على إثر مشاركته في مظاهرات سلمية في اليوم العالمي لحقوق الإنسان وحوكم بسنتين سجنا 2003 بسبب حوارات صحفية، قبل أن تحكم محكمة الاستيناف ببراءته في اذار/ مارس 2004 وقامت السلطات بتشميع بيته 2006 ولا يزال البيت رهن الأسر والإغلاق إلى الآن.والعبادي عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ويعتبر إلى جانب عبد السلام ياسين من المؤسسين لجماعة العدل والإحسان سنة 1981 وكان قبل انتخابه امينا عاما عضوا في مجلس الإرشاد والمسؤول القطري عن قسم التربية في الجماعة.وقال محمد العبادي في الندوة الصحافية ان الإمام (عبد السلام ياسين) كرس حياته لقضيتين عظيمتين هما قضية العدل وقضية الإحسان، وبذل كل جهده لبناء أفواج من المؤمنين والمؤمنات، وعاش مبغضا للظلم كارها للفساد والاستبداد، وحمل رسالة الرحمة للبشرية جمعاء ان مصير الجماعة بعد غيابه ‘هو إلى القوة والرشد والعزة والتمكين، لأن مشروع العدل والإحسان تحمله الجماعة بنواظمها الثلاث: بالحب في الله وبالشورى والنصيحة وبالطاعة. وقال انه مجرد عنصر في الجماعة وأي عنصر بجماعته لا يمكن أن يسير حركة فقط وإنما يقدر على تسيير دولة. واوضح أن كل عناصر الجماعة تمت تربيتهم على الصدق والإخلاص وتحمل المسؤولية وحفظ الأمانة وخدمة المصلحة العامة، مشيرا إلى أن الأمور التدبيرية تكتسب وأن أكبر رئيس دولة في العالم لا يمكن أن يكون بوابا في الدولة التي تنشدها الجماعة.وألح على أن الجماعة ستحرص على لاءاتها الثلاث: لا للعنف بأنواعه اللفظي والفكري والفعلي وذلك بالتدافع السلمي، ولا للسرية وذلك بالوضوح والمسؤولية ولا للتبعية الخارجية وذلك بالاستقلالية في التصور والمنهج والأسلوب والتدبير والموقف السياسي.’، وأن جماعته تسعى إلى التغيير بشكل سلمي في المجتمع، إلا أنه أوضح ألأن ذلك لا يعني أنهم سيهادنون الظلم والإستبداد، وإنما سيواجهونه بمقاومة سلمية.وأكد استعداد الجماعة للحوار حول مستقبل البلاد وقال انها ‘تمد أيديها وقلوبها للتعاون مع كل الفضلاء والغيورين على البلد والهيئات للتعاون لصياغة ميثاق تسطر فيه الأهداف والوسائل لمناهضة الظلم والفساد والاستبداد لبناء مغرب العدل والأخوة والحرية والوئام.’ وانتقد استحواذ من وصفهم بـ ‘البعض’ على أغلب ثروات البلاد، بينما البقية، والتي تشكل الأغلبية يفترشون الثرى مضيفا ‘لابد أن يسود العدل في قسمة الأرزاق’.وقال العبادي حول الموقف من النظام الملكي ومؤسسة امير المؤمنين إن جماعته تريد حكما راشدا، وأن العبرة عندهم بالمضمون، ولا يهم تحت أي مسمى يكون. واكد أن الخلافة آتية لا ريب فيها، كما كان يبشر بذلك مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين، لانها حكم شرعي، ويجب أن تؤسس على مستوى الأمة عندما تتحرر جميع الدول الإسلامية من الطغيان والفساد، مضيفا بأن إقامتها موكولة للأمة جمعاء عندما تتحرر.واوضح مسؤولون بالجماعة خلال الندوة الصحفية مرجعية اختيار صفة ‘الأمين العام’ بدل المرشد العام، وقال عبد الكريم العلمي بأن لفظة ‘الأمين’ هي من المشترك بين الهيئات والمنظمات والأحزاب، وهي أكثر من هذا لفظة قرآنية نبوية: ‘إن خير من استأجرت القوي الأمين’. وعن تركيبة مجلس الشورى وسيره قال العلمي بأن هذا المجلس أسس قبل عشرين عاما إبان خروج مجلس الإرشاد من الاعتقال عام 1992. وقال بأن هذه الدورة الاستثنائية عرفت حضور 98 بالمائة من أعضاء المجلس الذي تمثل فيه النساء بـ26 بالمائة، كما أنه يضم تمثيليات لكل المجالس المركزية للجماعة. وحول صلاحيات الأمين العام للجماعة مقارنة بصلاحيات المرشد المؤسس قال فتح الله أرسلان بأن المرشد كان يفوض في كثير من صلاحياته بحيث لم يكن يمارس سوى 10 بالمائة منها، وأن صلاحيات الأمين العام للجماعة لا تختلف عن الصلاحيات المتعارف عليها لدى الأمناء العامين للهيئات المختلفة واضاف انه من المفروض أن تتسم قرارات الأمين العام باللين، إلا أن صلاحياته من الناحية القانونية تماثل تلك التي تخولها القوانين الأساسية للأحزاب لأمنائها العامين.واكد عبد الواحد المتوكل رئيس الدائرة السياسية حول إمكانية طلب الجماعة تأسيس حزب، أن الجماعة قانونية والمحاكم المغربية المختلفة حكمت بقانونيتها، وأن الدولة التي تمنع من حجز قبر من العبث الحديث معها عما هو أكبر كتأسيس حزب في اشارة لرفض السلطات طلب زوجة عبد السلام ياسين بدفنها حين وفاتها الى جوار زوجها.وقال المتوكل إن السلطات لم ترخص لهم لحجز قبر لأرملة مرشد الجماعة عبد السلام ياسين، لتدفن إلى جانب زوجها حسب رغبتها، فكيف لهم أن يرخصوا للجماعة أن تؤسس حزبا. واضاف ‘كيف تطلبون منا أن نقوم بأمر عبث، فنحن نتعامل مع أناس عابثين (يقصد السلطة) ولن نوافق عل مشاركتهم في عبثهم’.وقال المتوكل إن السلطة التي سنطلب منها الترخيص بتأسيس حزب سياسي، هي نفسها التي ما زالت تتعامل مع جماعته كمنظمة محظورة. وتساءل ‘كيف لمن لم يسمح بالترخيص بقبر لا يتعدى عرضه شبرا أن يرخص ببناء حزب؟’.واعتبر مراقبون ان استحداث مهمة الامين العام وابقاء صفة المرشد لمؤسس الجماعة يهدف رفع القيمة الروحية لمؤسسها عبد السلام ياسين وتخصه بمنصب ولقب المرشد العام في حين أن خلفه يكتفي بمنصب الأمين العام للجماعة، وان هذا في تقاليد الجماعات الدينية أو السياسية التي يتم رفعها الى مستوى المعتقد أن التراث الفكري والروحي للمؤسس هو السقف الأعلى وأن كل اجتهاد مستقبلي سيكون اجتهادا وليس مرجعا، فالمرجع الرئيسي هو أفكار وأطروحات المؤسس واستحداث منصب ‘الامين العام’ شارة الى التخفيف من الثقل الديني في منصب المسؤول الأول عن التنظيم.واعتبر ان اختيار العبادي امينا عاما وليس الأسماء السياسية المعروفة مثل فتح الله أرسلان هو تأكيد على استمرار الخط الرئيسي للجماعة من خلال تغليب الدعوة على السياسة كما كان يشدد على ذلك عبد السلام ياسين لان العبادي هو رجل دعوة أكثر منه رجل سياسة عكس ما يعرف عن باقي الأعضاء مثل فتح الله أرسلان الذي يمكن تفسير اختياره بالاهتمام الكبير الذي ستبديه الجماعة بالقضايا السياسية والرفع من اهتمامها بما هو سياسي لكن دون الدخول في اللعبة السياسية الحالية التي لا توفر شروط المشاركة النزيهة.