فضيحة التحرش الجنسي: من يجرؤ على الحقيقة؟

■ لا شيء يمكن ان يبرر جريمة التحرش المقززة التي شهدها ميدان التحرير في ليلة الاحتفال بتنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي. ولا بديل عن تطبيق القانون على المتهمين، لكن الاكتفاء بهذا مع «زفة الاحتفال» بتكريم ضابط الشرطة الذي قام بواجبه في انقاذها، يمثل دفنا للرؤوس في الرمال، وغضا للطرف عن مشكلة اجتماعية وسياسية واقتصادية اكبر واعمق كثيرا، ولا يمثل التحرش الجنسي الا قمة جبل الجليد منها.
وبداية لابد من ملاحظة ان قيام السيسي بزيارة الضحية والاعتذار العلني لها، لا يمكن الا ان يكون مبادرة نبيلة تعيد الاعتبار الى ثقافة الاعتذار، التي يجب ان تتسع لتشمل الالاف من ضحايا الاعتقالات العشوائية والافراط في العنف من جانب الدولة، وغيرهم.
الا ان ثمة اسئلة صعبة عمدت وسائل الاعلام الى التشويش عليها، وهي تمارس عادتها في التطبيل لدور الدولة بدلا من الاستكشاف والمحاسبة عن التقصير الامني الفادح المسؤول عن هذه الفضيحة.
اولا: ان وزارة الداخلية لا تتحمل مسؤولية الفشل الامني فحسب، بل انها مارست الخداع عندما شجعت المواطنين على النزول والمشاركة بالاحتفالات، مؤكدة أن «الأمن متوفر على اعلى مستوى في الميدان»، ثم تركت عشرات، بل مئات الفتيات والسيدات تحت رحمة المتحرشين، سواء كانوا فرادى او جماعات. وكان الاولى محاسبة القيادات الامنية المسؤولة عن الميدان بدلا من الامعان في «الخطاب الفاشي الديماغوجي»، تملقا للنظام الجديد، بل ان رئيس الجمهورية كان عليه ان يحاسب وزير الداخلية شخصيا عن هذه الحوادث، حيث ان اولئك المتحرشين كان يمكن ان يكونوا ارهابيين وان تلك الاسلحة البيضاء التي نجحوا في ادخالها الى الميدان، كان يمكن ان تكون قنابل او اسلحة نارية ما كان يمكن ان يؤدي الى كارثة امنية كبرى، في ظل وجود الالاف في الميدان.
ثانيا: ان المسارعة الى اتهام «جماعة او تيار سياسي معين» بتنظيم حوادث التحرش التي كانت بالعشرات في تلك الليلة، ولم تقتصر على التحرير، بل شملت اغلب التجمعات المماثلة في الاتحادية وغيرها، تمثل اهانة لعقل الجمهور، وتهربا من مشكلة لها جذور قديمة في المجتمع، جعلت مصر الثانية في العالم (بعد افغانستان) في نسب انتشار التحرش الجنسي. كما تمثل محاولات رخيصة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب اعراض الفتيات من الضحايات التي هي اعراض المصريين جميعا. وهي على اي حال تتناسى ان حوادث التحرش حصلت في كافة العهود، بما في ذلك عهد الدكتور محمد مرسي، وان مواجهتها بالتشديد الامني او القوانين الصارمة وحدها لن يكفي. اذ ان المطلوب مقاربة شاملة مفتاحها التعليم والتربية والثقافة.
ثالثا: ان تصاعد حوادث التحرش الجنسي لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تفاقم الازمة الاقتصادية والاجتماعية، خاصة ارتفاع نسب البطالة، واشتداد ازمة السكن، ما ادى الى تأخر عمر الزواج عند الجنسين، وبالتالي تعقيد ازمة الكبت الجنسي، التي اخدت تعبر عن نفسها بصور شتى، تبدأ بتوالي الفضائح الاخلاقية والاجتماعية، واخرها تلك المعروفة بـ»نكاح الكاراتيه» في نادي بلدية المحلة، او فضيحة محافظة البحيرة (شمال مصر)، وهما تكشفان الاتساع الصادم لممارسة العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج، وهي ظاهرة لا تقتصر على شريحة عمرية او اجتماعية محددة، كما اشارت التحقيقات في هويات اللاتي ظهرن في تسجيلات فضيحة نادي المحلة او «افلام العنتيل» كما تعرف في الانترنت. كما تعري حالة من النفاق الاجتماعي ظاهرها اقوال مثل «الشعب المتدين بطبعه»، وحقيقتها المرة فيديوهات التحرش والعنتيل التي ليست سوى قليل جدا مما لا يجرؤ احد على مجرد الحديث فيه.
رابعا – ان الرادع العقابي الذي تم تشديده قبل ايام قليلة من حادثة التحرير مطلوب، الا انه كان دائما موجودا، وفشل وحده في مواجهة هذا المرض الاجتماعي والفعل الاجرامي المركب. ولن تكون النتيجة مختلفة اذا اصرت الدولة على المقاربة الامنية كعلاج وحيد لكافة مشاكل البلاد، كما تشي اللهجة الرسمية للعهد الجديد.
اما ان يدعو الرئيس السيسي الجنود والضباط مباشرة الى التصدي للتحرش، من دون التشديد على التزام القانون، ومن دون محاسبة سياسية للحكومة على تقصيرها في تطبيق القانون فعلا. فان هذا يفتح الباب امام عودة الممارسات والانتهاكات الامنية بدعوى مكافحة التحرش او مكافحة التظاهر او الارهاب. وليست فيديوهات التعذيب والتحرش وهتك الاعراض في اقسام الشرطة، ايام حكم المخلوع ببعيدة عن ذاكرة المصريين، وضمائرهم. وبالمصادفة فقد مرت قبل ايام الذكرى الرابعة لاستشهاد خالد سعيد متأثرا بالضرب والتعذيب على ايدي مخبري شرطة، الذي شكل نقطة تحول تاريخية اسهمت في اشعال الثورة.
واخيرا فان التحرش الحقيقي هو الذي تمارسه الدولة ضد الشباب الذين يمثلون نحو نصف سكانها، عندما تجعل حقهم الانساني في ممارسة حياتهم الطبيعية اقرب الى المستحيل، ثم تتجاهل الاثار الاجتماعية المدمرة لفشلها.

٭ كاتب مصري من اسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية