عناية جابرهل أخطأت حسابات الحقل الاميركية في الشرق الأوسط أم أنها تتطابق تماما مع نظرية الفوضى التي سمعنا عنها طويلا ؟ سؤالان يقفزان الى الذهن ما أن نتطلع الى ما يجري حولنا في بلاد الربيع العربي. وسواء كان الاميركيون وراء الربيع العربي نظرية المؤامرة- أو تأقلموا وتكيفوا معه نظرية الداخل- فالنتيجة واحدة. الرهان على حصان ‘الإخوان المسلمين’ لمتابعة السياسة القديمة قد يكون خاسرا بعد أن بدأت موجة الربيع الإخواني تنحسر بسرعة مذهلة.تكفي جردة حساب خاطفة لكي نصل الى نتيجة مفادها عدم قدرة أي طرف سياسي على احتكار السلطة لوحده حاليا حتى ولو كان ‘الإخوان المسلمون’ أنفسهم، التنظيم الإسلامي المؤهل مبدئيا لكي يلعب هذا الدور. حتى في بلد كمصر نسيجه الإجتماعي أقرب إلى الإندماج من بقية المجتمعات والدول العربية الأخرى يصعب التوهم بأن قوة سياسية واحدة مهما بلغت قوتها قادرة على اختصار المشهد السياسي بمجمله. وصل ‘الإخوان المسلمون’ في مصر الى السلطة في عملية سلق سياسية لا سابق لها. وبالرغم من ذلك لم ينجحوا في الحصول على أصوات تمكنهم من الاستئثار بالحكم . وجدوا أنفسهم محاصرين على مستوى السلطة بالجيش، القوة السياسية المضمرة والإقتصادية الصريحة، وبالإدارة والقضاء ، وعلى المستوى السياسي العام بالسلفيين والقوميين واليساريين والليبراليين والمؤسسة الدينية التقليدية والأقباط. وكان لا بد من إقامة تحالفات تتيح لهم الحكم وتطبيق برنامجهم غير المعلن مسبقاً. وهنا كانت الطامة الكبرى وعقدة العقد إذ كان عليهم للنجاح في تطبيق رؤيتهم الإقتصادية المبنية على ليبرالية مفرطة في الإقتصاد أن يجدوا حلفاء سياسيين يشتركون معهم في الرؤية فلم يكن في الميدان إلا السلفيون. صحيح أن الإخوان نجحوا في تحييد الجيش مقابل عدم المحاسبة على ما سبق لكن الصحيح ايضا أن هذا التحييد لم يكن إلا مؤقتا. فالجيش الذي يسيطر على قسم كبير من القطاعات الإقتصادية المحمية بقوانين لن يقبل عندما تدق الساعة بعملية تحرير السوق الغالية على قلب الإخوان. فالتحالف بين الطرفين غير ممكن من الناحية الموضوعية لأن المصالح متناقضة بين الرؤيتين. فجأة تبين للإخوان أنهم في عزلة وانهم أقلية رغم الظفر في الإنتخابات الرئاسية. ولو كانت اللعبة السياسية ديمقراطية فعلا لكان على الإخوان في هذه الحالة أن يتركوا الحكم لغيرهم لتعذر إيجاد الإئتلاف القادر على تطبيق سياسته أو على الأقل لكانوا خاضوا الإنتخابات أساساً بناء على برنامج معلن وصريح يتيح مسبقا فرز القوى والتحالفات بناء عليه وبما يقود ديمقراطياً الى تشكيل الاكثرية القادرة. لكن عدم القيام بإعلان ما يريدون مسبقا، مخافة مصارحة المصريين ربما بعواقب إتباع السياسة التي يدعون إليها، لم يكن يمكن أن يوصل إلا الى لعبة القمع من جديد. الولع بالسلطة دفعهم الى ركوب المركب الخشن فقرروا الإسراع في الخطوات والتدابير الدستورية والإدارية والقضائية التي تمكنهم من الحكم عنوة. الوقت ليس في صالح الإخوان بالحقيقة. وأما نقص الحلفاء في الداخل فلم يثنهم عن لعبة قديمة تقوم على الإستنجاد بالخارج. وفي هذا السياق جاءت حرب غزة رمية من غير رام لتمنح الرئيس محمد مرسي خشبة ظنها خلاصاً. والحقيقة أن الدور الذي لعبه في ‘تدجين’ حماس الفلسطينية وإقناعها بتغيير تحالفاتها الإقليمية والتوصل الى اتفاق سريع مع الإسرائيليين منحه هالة مطمئنة للأطراف الغربية لا سيما بعد قيامه بالإبتعاد عن سياسة إيران الإقليمية وحلفائها في المنطقة وخصوصا نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. غير أن الإخوان يحملون برنامجاً إقتصاديا ليبرالياً يسعى الى تحرير الإقتصاد ورفع القيود عن حرية السوق وفتح المنافسة في الداخل أمام المنافسة العالمية والى رفع الحماية عن بعض السلع الأساسية إنسجاماً مع الإتفاق الذي وقعته الحكومة المصرية، بكل قناعة وتأييد، مع صندوق النقد الدولي مؤخرا. ومما لا شك فيه أن كلفة هذا البرنامج الإجتماعية، وبمعزل عن صحته الإقتصادية من عدمها، ستكون باهظة الى حد إجبار الحكومة على فرضه بالقوة والقهر. لكن الجيش لن يقبل هنا أغلب الظن بمشاركة السلطة القمع من أجل برنامج تتناقض بنوده مع القيود الحمائية التي تتمتع بها قطاعاته الإقتصادية. وها نحن نعود الى عقدة العقد. الحكم موجود في زاوية لا يعرف الخروج منها الا بالهروب الى الأمام. يريد أن يطبق برنامجاً لا يمكن أن يحظى بموافقة الأغلبية الساحقة من القوى السياسية والإجتماعية في مصر. من الصعب حسد الإخوان على ما هم فيه اليوم. فلكي يطبقوا برنامج حكمهم، غير الشعبي بالضرورة، لا حل أمامهم إلا القمع والإستبداد ومن أجل ذلك هم بحاجة الى الجيش الذي لا تتوافق مصالحه مع هذا البرنامج. وإذا تحالفوا مع السلفيين وقدموا لهم تنازلات في السلوك اليومي للناس اصطدموا بالأقباط والنساء والليبراليين وغيرهم طبعا. وإذا حافظوا على برنامجهم لا يستطيعون استمالة القوميين واليساريين اليهم لتوسيع قاعدة حكمهم. وإذا تجمدوا في ارضهم فقدوا ما تبقى من القاعدة الشعبية التي كانت لديهم قبل الوصول الى السلطة.بالمختصر ‘الإخوان المسلمون’ في مصر وفي بقية دول الربيع العربي حيث تسلموا السلطة أيضا بحاجة الى توسيع تحالفاتهم وقاعدة حكمهم إذا ارادوا الخروج من المأزق الفعلي الذي أوصلوا أنفسهم اليه. لكن برامجهم تمنعهم من ذلك. الإعتماد على الخارج لم يعد ينفع ربما بوجود شارع مستعد للدفاع عن مصالحه وآماله.