التراث الفكري الحضاري بين البينة الدينية والحجة العلمية والبرهان الفلسفي

■ حاول المأمون وهو يغير في «مفهوم الدولة» أن يجعل لها مشروعا فكريا ثابتا يتمتع باستمرارية سياسية، فسعى بجهد ملحوظ الى أن يبني «دولة الثقافة»، تلك التي تقبل الاختلاف والتعدد في ظل تجاذبات بدأت تنتشر في أيامه بين أصحاب الطرح الباطني العرفاني وبين دعاة «النصية» السلفية، التي وجدت في الحنبلية مستمسكها، وبين الفكر الاعتزالي- أهل الرأي والنظر العقلاني- الذي اختاره المأمون منهجا عقلانيا ورسخه مذهبا رسميا للدولة. ليتداخل حينئذ المشروع الفكري والثقافي في رحم المشروع السياسي، ويتم نقل علوم الأوائل إلى العربية، لحاجة فكرية ملحة ولمطلب اجتماعي متأكد، وفق حركة واعية نهض بها أفراد مخصوصون بحب المعرفة وزاولته عائلات معروفة بالدرس والتحصيل، ورسخته مؤسسات علمية رسمية (بيت الحكمة). ومن يتتبع فهرست ابن النديم- وهو من أصحاب المكتبات في أواخر القـرن 4 هـ/10 م- يقف على قائمة كاملة بكل الكتب الموجودة في بغداد حينها، تكشف مجتمعة عن التقاء الروافد الثقافية واندماجها في صلب الثقافة العربية الإسلامية، وتتماهى بكل مكوناتها إثراء وتأثيرا- تكوينا وتحصيلا.
والمدقق في التراث الفكري الحضاري في هذه الفترة يرصد ملامح حرص ملحوظ على ترسيم مطالب الدين بالدفاع عن بيانه وحكمته من دون أدنى تعارض مع الحجة العلمية أو البرهان الفلسفي، وهو دليل ساطع على أن الثقافة العربية الإسلامية بشتى روافدها كانت حينها نظاما فكريا متكاملا يسعى سعيا دؤوبا إلى التفكير والتماس الحلول بالبحث المسترسل عن الحكم الصائب والعمل الأجدى والأنفع والأصلح ماديا وروحيا، تفكيرا وسلوكا، في شيء من التسامح ومن دون رفض «الاجتهاد العقلي» دينا أو علما أو فلسفة أو أدبا.
وفي عهد المأمون نشطت حركة الترجمة نشاطا كبيرا، وشملت كتب المنطق والإلهيات والأخلاق والرياضيات والطبيعيات. ولعل ذلك الشغف يعود إلى رغبته الشديدة في العلم بما كان ينتحله كما يقول ابن خلدون، فانبعث لهذه العلوم حرصا وأوفد الرسل الى ملوك الروم في استخراج علوم اليونانيين ونسخها، بالخط العربي وبعث المترجمين لذلك، فأوعى منه واستوعب، وعكف عليها النظار من أهل الإسلام وحذقوا في فنونها وانتهت إلى الغاية أنظارهم فيها، وخالفوا كثيرا من آراء المعلم الأول واختصوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده (أي أرسطو) ودونوا في ذلك الدواوين وأربو على من تقدمهم في هذه العلوم.
ولولا قيام المأمون بتأسيس «بيت الحكمة» لظل نقل الكتب عملا فرديا مبددا، فعناية المأمون باستخراج الكتب اليونانية الفلسفية والعلمية وتوسعه في الإنفاق على المترجمين وميله إلى أهل العقل والبحث والنظر أدى إلى انبعاث علوم اليونانيين في البيئة الثقافية العربية الإسلامية، حتى استهوت الكثير من الناس بما قلدوه من معانيها وجنحوا إليه من طرقها وأساليبها.
إنه حينئذ الفهم الذي يحيل على ذلك الاستعداد الحضاري للارتقاء بالمشروع الثقافي العربي الإسلامي وإثرائه ماديا  وفكريا، ودفع الثقافة العربية والإسلامية إلى أن تكون من الثقافات العالمية، وإن عبر عن ذلك تعبيرا صادقا الخليفة المأمون في عنايته بنقل العلوم العقلية إلى اللغة العربية، رغبة في تحقيق الإبداع من داخل اللغة الأم. وفي هذا السياق الحضاري العام لم يكن العرب منغلقين ثقافيا أو جاهلين بإنتاج الآخرين المعرفي، بل كانوا متفاعلين مع غيرهم، ولعل إرثهم الشعري والنثري يشهد في عباراته وتراكيبه على ذلك الانفتاح والتأثر بالفارسيـة والبيزنطية والهندية .
وقد تأصـل في عهد المأمون سلوك معرفي من نوع خاص اشترك فيه الحاكم في الحياة الفكرية بالحضور وبالسؤال وبالمحاورة وبالمناظرة، وبدعوة أهــل الفكر والنظر إلى مناقشة الأجوبة وإلى المباحثة، وفي ذلك تجاوز المأمون عن قصد ودراية مرحلة اعتبار المعرفة ثقافة للسلوك القويم من داخل مطالب المركزية الثقافية والعربية الإسلامية إلى مرحلة اعتبرت المعرفة وسيلة إلى الاعتقاد ومسلكا إلى السلطة بمعناها الواسع، ونتج عن هـذا الاهتمام الواسع بالعلم، وبتركيز «ثقافة الدولة» توسيع حدود العلم ليهتم بنقل علوم الأوائل، وهو مطلب افترض الإلمام بالروافد المعرفية على اختلافها إن قليلا أو كثيرا. وهو فهم ساعد جيل الريادة والتأسيس في بناء المكون المعرفي وإنجاز وحدة النموذج الثقافي في تلك البيئة بتكوين جغرافية معرفية من سنن وتقاليد ثقافية كانت موحدة وموحِدة بين شتى الجهات ومختلف الأعراق في دار الإسلام على ما بينها- في المكان والزمان- من مظاهر تنوع واختلاف ودرجات تفاوت، على منوال ما اتصفت به أيضا وحدة النموذج السياسي ووحدة التجربة التاريخية عموما، ما من شأنه أن يسهم في إبراز قيمة التلاقح الفكري بين روافد الثقافة العربية الإسلامية الذاتية والموضوعية أو الداخلية والخارجية، وأن يوقفنا على مشاغل أهل العلم والنظر، لأن إنتاج المعرفة يظل مسلكا لاستمرار التواصل بين مراكز العلم المختلفة وعامل ترابط ثقافي بين أهل الفكر والنظر بصرف النظر عن المكان والزمان.

٭ باحث في الحضارة من تونس

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية