باولو كوأيلهو، كاتب عالمي تجاوزت كتبه عشرات الملايين من النسخ، وترجمت لأكثر من 64 لغة في العالم، وفي مقدّمة كتابه ‘الكيميائي’ وهو الأشهر فيها، يقول: ‘كلّ ما أعرف، أننا جميعاً بحاجة، لإن نكون مثل سانتياغو الراعي الشاب في هذا الكتاب على درجة من الوعي، لنداءاتنا الذاتيّة’. أقتطف مغامرة لسانتياغو الراعي من هذا الكتاب، لعلّها تصيب حكمة ما، فينا، فإنّها، إذا ما خبت، تُطلب دائماً، ولو من البرازيل، ويكتب.أرسل صاحب متجر إبنه إلى العالم، ليتعلّم سرّ السعادة، من الرجل الأوّل في الحكمة، فجاب الولد الصحراء أربعين يوماً، حتى اهتدى إلى القلعة الجميلة على رأس الجبل العالي، حيث يقطن الرجل الحكيم. ولمّا دخلها، وعلى خلاف ما توقّع، لم يجد فيها راهبا مستكينا، بل كانت كلّها حركة كاملة، تجّار يأتون ويذهبون، ورجال يتباحثون في الزوايا، وفرقة موسيقى تعزف بهدوء، وطاولة عليها أطيب ما يؤكل في هذا الجزء من العالم، و’الحكيم’ الذي يبتغيه مشغول بين هذا وذاك، فكان على سانتياغو الراعي أن ينتظر ساعتين قبل أن يحظى بإهتمام الحكيم.أخيراً، وبعد أن سمع الحكيم لإسباب مجيئ سانتياغو الراعي ورغبته في معرفة سر السعادة، أخبره بأنّه يتعذّر عليه شرح السر في هذه اللحظة، واقترح عليه أن يتجوّل في القصر ساعتين ليرى ما يحتويه. وإستسمح الحكيم سانتياغو الراعي، بعد أن ناوله ملعقة صغيرة، عليها قطرتان من زيت، أن يحافظ على الزيت، وهو يتجوّل في القصر الرحب، صعوداً ونزولاً فيه وعلى أدراجه وفي باحاته.ساعتان، ورجع سانتياغو الراعي، فسأله الحكيم عن رأيه في السجّاد الفارسي المفروش في القصر، وعن الحديقة التي إستغرقت، كبار الجناينين عنده، عشر سنوات لإتمامها، وعن الخصوصيّات الجميلة للمكتبة الرئيسيّة، فكان الحرج كبيرا’لسانتياغو الراعي، واعترف للحكيم عن عدم إنتباهه لها ولغيرهم، حيث أنّه ركّز على الزيت في الملعقة، نزولاً عند رغبة الحكيم.إذاً.. عاوِدْ الكرَّه.. قال الحكيم له، وانظر بإنتباه إلى حجارة عالمي، فإنّك لا تستطيع أن تثق برجل إذ أنّك لم تعرف بيته.بإرتياح.. أخذ سانتياغو الراعي الملعقة وعليها نقطتا الزيت، وخرج على القصر يتذوّقه، بلمساته الفنيّة في السقوف والجدران، والحديقة والجبال من حوله والأزهار، والأذواق الحاضرة، ورجع إلى الحكيم، في دهشة عظيمة، يصف له، فسأله الحكيم بعدها، وماذا تقول في الزيت الذي إستأمنتك عليه؟ نظر سانتياغو الراعي إلى الملعقة وهي خاوية، وقبل أن يجيب، قال الحكيم: هي نصيحة واحدة أعطيك اياها! إنّ سرّ السعادة يكمن في رؤية حجارة العالم، على أن لا تخسر نقطتي الزيت في الملعقة!في صمت مدو، فهم سانتياغو الراعي، وإستحضر في نفسه قصّة، كان قد أخبر بها’قديماً ولم يفهمها، مفادها، أنّه يمكن أن يحلو للراعي السفر إلاّ أنّه يجب عليه، وعلى أيّة حال، أن لا ينسى غنمه!وأقول.. يا حبّذا لو حفظنا الله في هذه الغنم الكثيرة وهي تُذبح، ونحن نظن أننا نحفظ زيت الشريعة، بالملعقة التي تُذبح بها، ثمّ ننام ببساطة، فرحين بالشهداء والشهادة، وعدو الله، ليس بين الجثث! طلال محمود شعبان