إبداع الشعر وفقهه: لقاء مع الشاعر صلاح بوسريف

حجم الخط
0

الرباط ـ ‘القدس العربي’:ضمن برنامج ‘ملتقيات الإبداع العربي’، أقام مركز أجيال 21 للموطنة والديمقراطية، لقاءً مع الشاعر صلاح بوسريف، حول كتابه ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’، بمشاركة كل من الناقد الأستاذ نجيب العوفي، والباحث محد طواع، والشاعر عمر العسري. بعد تقديم كلمة المركز، من طرف الباحث محمد خفيفي، التي نوَّه فيها بدور الشاعر صلاح بوسريف في الكتابة والبحث، وفي ما عرف به من اهتمامات تصب في الشأن الشعري، وفي المعرفة الشعرية، التي كان هذا العمل أحد ثمارها، جاءت مداخلة الناقد الأستاذ نجيب العوفي التي عنونها بـ ‘صلاح بوسريف، نشيد الحداثة’، و اعتبر فيها أن تجربة بوسريف، باعتباره شاعراً ثمانينياً، بدأت برهانات صعبة، واستمرت في هذا الإطار، مخلصةً، بشكل خاص للشعر. فهو كان في مقدمة الشعراء الذين اتجهوا بالشعر صوب التحديث والتجديد، إبداعاً ونقداً وتنظيراً، مشتغلاً، ومأخوذاً بـ ‘القيمة الشعرية’ و ‘الوعد الشعري’، والأسئلة القلقة المتوثرة. فهو معروف بدفاعه المستميت عن الشعر. وبما أن الثمانينيات، كانت انعطافةً جديدةً، بتعبير العوفي، في مسار الشعر المغربي، تحررت من إلزامات المرحلة الآنفة، واتسعت فسحة الشعر فيها، فهو كان بين الذين ساهموا في هذا التحرر، و في بنائه، وتكريسه. ويرى الأستاذ نجيب العوفي، أن اللغة كانت هي الشغل الشاغل، للشاعر صلاح بوسريف، وكانت نصوصه الشعرية، بلغتها الأنيقة، والمسبوكة، تعيد للغةِ الشعر، في سياق شحوب كثير من الشعر الصادر خلال هذه المرحلة، من حيث قيمته الشعرية، بعض روائها، وكانت تجربته ‘غرفة إنعاش شعرية’، جمع فيها بين ‘إبداع الشعر وفقهه’. واعتبر العوفي أن الاشتغال النظري لصلاح بوسريف، وهو ما ينعكس على تجربته الشعرية، مبنية على كلمات مفاتيح في كتاباته، من مثل الحداثة، والمغايرة، والاختلاف، والتقليد، والكتابي والشفاهيô وهي ما سيؤطر كتاب بوسريف، في كتابه ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’. فهذا الكتاب، يقول العوفي، ليس كتاباً عادياً، ومألوفاً عن الحداثة، بل هو سفر باذخ، ومتميز عن الحداثة، بل إنه منذ مدة لم يصدر كتاب عن الحداثة بهذه الأهمية، من العمق والإحاطة، والأناقة ، كذلك. فهذا الكتاب يحرك السواكن، ويعيد للحداثة دماء جديدة، فهو بناء نظري جديد حول حداثة الشعر. فبوسريف مجترح قضايا فكرية جريئة، موضع جدال ونقاش، وهو بهذا المعنى ‘مناضل ثقافي’، لا يتوقف عن إعادة النظر في كل شيء. وفي هذا الكتاب فهو يعيد النظر في كثير من المسلمات والمعطيات، نابشاً في كثير مما لم يُفَكر فيه. فالباحث يختار مفهوم الكتابة باستراتيجية واعية بمقاصده، فهو شعري المنزع، وبارثي الهوى، فهو كتاب نظري وتطبيقي، جريء في نظريته ومنهجه، وتطبيقاته. في الكتاب تبرز بشكل لافت شخصية الباحث وبصمته الدالة عليه، فهو جمع، في عمله هذا، بين ما هو غربي، من حيث المرجع، وما هو عربي قديم، وحديث، وهذه ميزة تحسب له، في اشتغالاته المختلفة، فهو في كتاباته يحقق لنا متعة البحث، إلى جانب متعة النص. وختم الأستاذ نجيب العوفي بالقول ‘إن صلاح الباحث ساكن في صلاح الشاعر’. المداخلة الثانية، كانت لمحمد طواع، المعروف باشتغاله في حقلي الفلسفة والشعر، وهو بين القلائل الذين يعملون بنفس ذائب على هايدغر، الذي انجز عنه أكثر من كتاب. كانت مداخلة طواع بعنوان ‘من أجل إقامة شعرية أرحب’، ورأى أن قراءته ستقوم على فرضية أن النص نقص، والقراءة هي تعاون لسد النقص. وكان سؤاله عن منظور الكتاب الإبستمولوجي المعرفي، ومن أي أرض يتحدث الكتاب، أو المدخل لهذا العمل. يقول طواع، لاحظتُ أن الشاعر مثل المفكر، يجد نفسه رهيناً بإعادة النظر في ماهية الشعر، أو في ماهية الفكر، وهذه الدراسة، يمكن إدراجها ضمن أدب المجاوزة، كما هو معروف في الفكر الغربي بالخصوص. ويذهب طواع، إلى أن من يصاحب دراسة بوسريف، يجد أن الشعر في وضع حرج، وهو الوضع الذي يطرح التساؤل، هل هذه القصائد المنتشرة بعيدة عن الشعر؟ فالشعر العربي عرف محاولات عديدة لتحديثه، لكنها ظلت في إطار ضيق، وهو ما اصطلح عليه صلاح بوسريف بـ ‘حداثة القصيدة’، والانتقال، هو ما يصطلح عليه بـ ‘حداثة الكتابة’، كمرحلة أخرى في هذا الشعر الذي خرج من الشفاهة إلى الكتابة. بوسريف شاعر، ويظهر في هذه الدراسة إبستمولوجياً، يقول طواع، فهو أنجز هذا العمل، ليس باعتباره ناقداً، فعمله صادر عن كاتب يذهب لفكر الحداثة. والشعر لن ينهض دون فكر حداثة. فصلاح بوسريف أعاد النظر في الأصول، وهو ما جعل كثير من الأسئلة تتوالد وتتناسل في هذا العمل النظري، الذي كشف عن عثرات مفهوم القراءة. أما مداخلة عمر العسري، فهي كانت عبارة عن ‘ظلال’، كما يقول العسري. وهذا الكتاب الذي نقرأه اليوم، هو كتاب مائز وفارق، يقول، وفيه يبدو صلاح بحَّار بمجدافين، مجداف الشعر، ومجداف النقد. فإذا كان الشعراء، هم دائماً من يقرأون الشعر بعمق، فصلاح بوسريف ثبَّت هذه الفكرة وعمّقها، وهو صاحب مشروع نقدي، وشعري. فالدراسة موجهة إلى مفهوم الكتابة، التي أظهرت انحسار القصيدة، التي لم تعد قادرة على الاستمرار والمواكبة. وما يميز هذا العمل هو حرصه على مفهوم المراجعة، مراجعة المفاهيم والتصورات القديمة والحديثة حول الشعر، مما أصبح من المسلمات، وبينها مفهوم القصيدة، بشكل خاص. فهذا الكتاب، يقول العسري، يؤكد انفصاله عن الشعرية العربية المتداولة. كانت كلمة صلاح بوسريف في ختام اللقاء موجزة، رأى فيها أن ما جاء في كلام المتدخلين، هو سبر للكتاب، واقتراب منه بمعرفة وعمق، وأن هذه القراءة فرضت علي، كما يقول، أن أعود لقراءة الكتاب، باعتباري قارئاً لا كاتباً، كون ما قيل عنه أغراني بالعودة لقراءته، من منظورات أخرى، رغم أنني لا أعود لقراءة أعمالي بعد نشرها. وقد انتهى اللقاء بتوقيع كتاب ‘حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر’، الذي كان موضوع هذا اللقاء، الذي جرى بدار الشباب ابن خلدون بالمحمدية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية