محمد عبد الحكم ديابما دام الشعب يعاني ممن قسمه إلى فسطاطين، فسطاط للإيمان والآخر للكفر، وما دامت المعارضة متآمرة وعميلة وفلولية، وما دام الإعلام يحرض على الفتنة، وموصوف بإعلام ‘الخنازير’ في صحف وفضائيات الحلف الطائفي والمذهبي الحاكم، وما دام القضاء محكوما عليه بالفساد والانحياز والظلم، وما دام الأزهر عصيا على الترويض والرضوخ لأئمة الفتنة، وما زالت الشرطة متهمة بالبلطجة والتلفيق، والقوات المسلحة تحولت إلى مشجب يعلق عليه بلاء البلاد والعباد، وتقاطعها صحيفة ‘الحرية والعدالة’ الإخوانية، بعد أن عادت القوات إلى ثكناتها معلنة الولاء للشعب ومتعهدة بحماية أرضه والدفاع عن دولته، أما الاستفتاء فنظيف وعفيف ولم تشبه شائبة حسب ما أعلنت عنه اللجنة العليا، وهو ما أكد عليه الدكتور محمد مرسي في خطابه مساء الأربعاء الماضي.وما دام كل ذلك وغيره كذلك إذن فما هو الواجب فعله إزاءه؟الخطاب الرسمي وضع الجميع أمام خيار واحد، تعددت وجوهه، وفيه التسليم بفتاوى التكفير وإهدار دماء الشعب، إذا ما رأى رأيا مخالفا لحاكمه، وإهدار الدم من مستلزمات العنف والقتل على الهوية، فالقاتل يثاب على قتل أخيه، وإنه لا يصح بمنطقهم إلا بتوفر شرط الاستتابة، ولما لم يكن في مقدور القتلة ‘الشرعيين’ – نسبة إلى ما يعتبرونه شرع الله – تطبيق شرط الاستتابة على جموع الشعب، يبقى الأيسر هو اعتبار مصر ‘دار حرب’ لكونها تعيش جاهلية قالوا عنها في ستينات القرن الماضي ‘جاهلية القرن العشرين’، وإذا كانت مواجهة جاهلية القرن الأول الهجري -السابع الميلادي – قد قامت على الحكمة والموعظة الحسنة، فإن جاهلية القرن العشرين وما بعده المفترضة تقاوم بالعنف، وعلى المرء أن يختار بين أن يكون مسلما على طريقتهم وبين الموت، وهو ما استُغِل في تصفية العرب والمسلمين لبعضهم البعض، بشباب عربي ومسلم، وإشراف وتدريب مستشارين أمريكان، واندلعت حروب الجاهلية المعاصرة على رقعة عربية وإسلامية واسعة.ومن بين فسطاط الكفر من يصلي في نفس المسجد الذي يقصده المنتمون لفسطاط الإيمان، وقد يتزاملون في الحج، ويدفع كل من الفسطاطين نصيبه من الزكاة.والمعارضة المتهمة بالتآمر العمالة مرشحة لإقامة الحد عليها أو النفي من الأرض. والإعلام، غير الخاضع لـ’القواعد الشرعية’ المزعومة، يخضع هو الآخر لتطبيق الحدود، ومعه أصحاب الرأي والكلمة والمثقفون والفنانون والأدباء والشعراء والرسامون، يكفيهم الاعتكاف وقراءة الأوراد والأدعية، وأخذ العظة والعبرة من كتاب مثل ‘قرة العيون ومفرح القلب المحزون’ لأبي الليث السمرقندي، بما يحوي من أهوال ورعب، وصور عن عذاب القبر يشيب لها الوليد، وطريقة استقبال ‘الثعبان الأقرع’ للميت في قبره.وعوضا عن أن تكون الثقافة والآداب والفنون طريقا لأنسنة البشر، وصقل مواهبهم، وتوسيع مداركهم، وزيادة وعيهم وإهتمامهم بالبحث في شؤون الكون والتعرف على أسراره، وكشف مكنوناته، وفحص خبرة السابقين وفتح الآفاق أمام اللاحقين، كل هذا لا قيمة له، إذا ما تم الاعتماد على الترويع والتخويف والأذى البدني والمعنوي للمخالف في الرأي والعقيدة والمعرفة.وقد أحكي يوما ما أصابني من رعب أطار النوم من عيني بعد قراءة ذلك الكتاب حين كنت في سن الخامسة عشرة.والقضاء المدموغ بالفساد والانحياز، وتعميم هذا الوصف متعمد ليحول دون كشف الفساد والفاسدين والمفسدين ومحاسبتهم بالقرائن والبراهين والشهود، ومن ثَم ترويعه (أي القضاء) وإضعافه وإطلاق رصاصة الرحمة عليه، والخطوة الأولى نقلت تبعية القضاء لرئاسة الدولة، وانتهى بذلك استقلاله، وحصار المحكمة الدستورية العليا جاء إمعانا في التركيع، ومعها تولى رئيس الدولة إقالة النائب العام السابق المعين من مجلس القضاء الأعلى، ولم يجد حرجا في تعيين نائب عام جديد، وكي يأمن المرء مكر الماكرين عليه الإذعان لمنطق ‘الرئاسة الموازية’ المحرضة على مزيد من الحصارات، وعلى تأييد أتباعها الاعتداء على رئيس نادي القضاة ومحاولة اغتياله!و’الرئاسة الموازية’ التي يمثلها مكتب الإرشاد، حركت خلاياها النائمة، ودفعت بجماعة ‘قضاة من أجل مصر’، بجانب خلايا أخرى تعمل تحت غطاء ‘تيار الاستقلال’ وذلك للتغلب على أزمة الإشراف على الاستفتاء، ومواجهة الإجماع القضائي، الذي زاد عن 90 في المئة، رفضا للإشراف عليه، ودُمجت اللجان وأُجرِي الاستفتاء على يومين يفصل بينهما اسبوع كامل، وفي ذلك رسالة واضحة تقول: أن ‘الرئاسة الموازية’ ضد القضاء المستقل، ومن يريد أن يستقر في سلك القضاة عليه القبول بإرادة ‘الرئاسة الموازية’.ونجاح الاستفتاء جاء بطعم الهزيمة، التي تحوطها طعون بالتزوير، وتوجيه الناخبين من قبل رؤساء لجان وقضاة للتصويت بنعم، ودور المليشيات الإخوانية في منع قرى بأكملها في الصعيد بسبب أغلبيتها المسيحية والخوف من تصويتها بـ’لا’.وهناك ما يشبه الإجماع بأن النتيجة جاءت مقلوبة وعكس ما أعلن، لتكون 36.2′ قالوا نعم، و63.8′ قالوا لا، من نسبة 33′ أدلوا بأصواتهم، وإحجام 67′ عن المشاركة، وهناك أسباب أدت إلى ذلك منها بطء الإجراءات وحشد غرباء للوقوف في طوابير بهدف تعطيل حركة الدخول والخروج من اللجان مما اصاب كثير من الناخبين بالتعب والملل من الانتظار لساعات طويلة، فاضطروا للعودة دون الإدلاء بأصواتهم، هذا بجانب غياب المندوبين داخل اللجان لمتابعة العملية الانتخابية، وكان هناك مراقبون تابعون لمنظمات أهلية يُعَرفها القاموس الغربي بـ’منظمات المجتمع المدني’، وهؤلاء يتفقدون اللجان ولا يشاركون في ضبط سير العمل داخلها.ومر الاستفتاء، وفور إعلان النتيجة تم عزل سبعة من قضاة المحكمة الدستورية، ومنصب نائب رئيس الجمهورية برسم الإلغاء عمدا وليس سهوا، وكان نائب الرئيس قد قدم استقالته في بداية تشرين ثاني (نوفمبر) الماضي، وبدلا من قبول الاستقالة ألغي المنصب وحذف من مسودة الدستور في صياغتها النهائية، لتنفرد ‘الرئاسة الموازية’ بالحكم، وبعدها تورثها لمن تريد، واستقال مساعدو ومستشارو الدكتور مرسي، المعينون من خارج التحالف الإخواني السلفي!أما الأزهر، الجامع والجامعة، يواجه حربا ضارية لأنه استعصى على التطرف، ويواجه غزوا من خطباء التحالف الإخواني السلفي حتى ‘يتوهبن’ (من الوهابية)، ويجري الزحف على منشآته وأصوله وجامعته وكلياته الدينية والإنسانية والعلمية.والشرطة لم يشفع لها إدلاء وزير الداخلية بأحاديث وتصريحات مطولة معلنا فيها تغيير ‘عقيدة الشرطة’، التي تعلمت الدرس، ولن تعود إلى حالها فيما قبل 25 كانون الثاني (يناير) 2011، وانتقد ما كان يحدث وأدانه، متعهدا ببذل أقصى الجهود لإعادة تأهيل ضباطها وأمنائها ومندوبيها وأفرادها للتكيف والتعامل مع الأوضاع الجديدة.أما القوات المسلحة وقد ابتعدت عن شؤون الحكم والسياسة، وشاغلها الآن هو الاستعداد لمواجهة مخاطر متوقعة بتأثير اضطرابات المنطقة، التي تبدو مقدمة على تسوية نهائية في فلسطين وحولها، تضمن أمن وبقاء الدولة الصهيونية، وتستمر بمصر محصورة داخل حدودها الجغرافية، وهناك جهد كبير لتمكين التحالف الإخواني السلفي منها، وقد ينتهي بالصدام معها والعمل على إضعافها.والخلاصة أن الكل مستهدف، ومهدد في يومه ومستقبله، ومهمة الحكم الرشيد نشر الشعور بالأمان، والاهتمام بشأن الدولة وإصلاح حالها، دون العمل على تفكيكها، أو يضعها على حافة السكين كما هو الحال الآن، ويحاسب المخطئ على أن يبدأ بنفسه وأهله وعشيرته، ويتخلى عن الانتقام، ولا يمارس الخطايا، ولا يسمح بالفحش أو قول العيب أو استباحة الأعراض، ويغل أيدي المليشيات عن الأذى والتعذيب والتنصت، ومعاملة المواطن بالصدق في القول والوفاء بالوعد. وكل هذه السوءات المفترضة في كل الأفراد والقوى والمؤسسات والسلطات أفقدت الثقة في الحكم، وضاعفت الاحتقان، وزادت من التربص، وما قد لا يعلمه البعيدون عن جحيم الحكم الطائفي والمذهبي أن الثورة ما زالت مصرة على سلمية العمل والحركة، ولن تتوقف حتى تحقيق كامل أهدافها، وأعد الثوار أنفسهم لمواجهة كل الاحتمالات، ودفع الثمن المطلوب، مع علمهم أن الأيام القادمة ستشهد كثيرا من الضنك والعنف والتوحش غير المسبوق في تاريخ الشعب، وكل ثائر تهيأ واستعد للشهادة، ومن يدفع هذا الثمن الغالي لا يهزمه تزوير ولا يخيفه جبروت أو أذى مليشيات غاشمة، وصار الدفاع عن الثورة ‘فرض عين’ على كل المنتمين لها، وكل منا أعد كفنه وأوصى أهله، ومنهم من يودعهم يوميا، لأنه يخرج لا يضمن أن يعود إلى بيته.وكتاب وصحافيو وإعلاميو مصر من الشباب والمخضرمين يعلقون الآمال على زملائهم في الوطن العربي وخارجه لمواجهة مذبحة متوقعة ضدهم، وكما استبسلوا في الماضي وانتزعوا الحرية لهم ولغيرهم فلن يتراجعوا أو يستسلموا، فهم آخر خط دفاع عن الثورة والثوار.و’الرئاسة الموازية’ يقلقها الإعلام المدافع عن الثورة، ولا تقلق من الفلول، وتحسب حسابهم، واستثنت كثيرا منهم من تطبيق المادة 232 في الدستور الجديد المتعلقة بالعزل السياسي، وعينت خمسة منهم بمجلس الشورى وهم: أيمن عبد الحليم هيبة، رقم 10 بقائمة المعينين، تقدم للمجمع الانتخابي للحزب الوطني المنحل عام 2010 بكفر الدوار بمحافظة البحيرة، والشيخ عبد الهادي القصبي، رقم 41 في قائمة المعينين، وكان نائبا بمجلس الشورى عن الحزب الوطني المنحل 2007 عن دائرة طنطا أول، والشيخ على فريج راشد سلام، رقم 48 بقائمة المعينين، ورأس مجلس محافظة شمال سيناء لمدة 18 عاما متواصلة عن الحزب الوطني المنحل، فضلا عن المحامية فضية سالم عبيد الله المزيني، نائبة بمجلس الشعب المنحل، وشغلت عضوية المجلس المحلي للمحافظة عن الحزب الوطني المنحل، وخامسهم محمد بدوي دسوقي، رقم 65 في قائمة المعينين، رجل أعمال من فلول الوطني المنحل، ومرشح سابق عن الحزب في انتخابات مجلس الشعب بالجيزة. ومن غرائب ‘الرئاسة الموازية’ هو سعيها لشراء شهداء تنسبهم إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولنا في ذلك مثلان: الأول هو ما عرض على أسرة الشهيد محمد السنوسي، ابن الإثنين والعشرين عاما، الذي أصيب بطلق ناري في محيط القصر الجمهوري في الخامس من هذا الشهر، قال أخوه العامل البسيط وهو يبكي والله لو أعطونا أموال الدنيا أو وضعوني مكان مرسي لن نقبل، ورفض أهل الصحافي الشهيد الحسيني أبو ضيف ضم الفقيد إلى قائمة الإخوان وزادوا بأنهم لن يتقبلوا العزاء فيه حتى القصاص أو الثأر.’ كاتب من مصر يقيم في لندن