فاروق يوسفقالت: ‘كنتما تبكيان إذن’ قلت: ‘ونضحك أيضا’ كنت قد نمت في سرير الطفلة. حلمت بأننا جلسنا متعبين بعد أن كنا قد انتهينا من نقل الخشب عبر النهر. قالت: ‘رأيتكما جالسين وبيد كل واحد منكما كتاب وسمعت ما يشبه الترتيل’ قلت: ‘كنا نصلي’ كان الريفيون ينظرون إلينا من وراء النوافذ. كانوا يتمتمون بكلمات ولم نكن قادرين على قراءة الكلمات التي تنبعث من شفاههم المرتجفة. قالت: ‘كنتما أشبه بشبحين’ قلت: ‘اللذان رأيتهما كانا بالفعل شبحينا. اما نحن فلم نغادر سريرينا’ قالت: ‘كان ضوء القمر يخترق جسديكما اللذين كانا يشفان عن قلبيكما المذعورين’ كانت القرية كلها مستيقظة، كما لو أنها تستعد لاستقبال نبأ عودة ابنها الغائب. قال: ‘لقد التقيتها إذن من قبل’ قلت: ‘لم يكن لقاء. التقت عيوننا وذهب كل واحد منا في طريق’ قالت: ‘لقد كنت تكذب’ كان الفجر قد زحف لتوه على الغابة حين رأيتها. المرأة التي تسللت من وراء الشجرة. أوقفتني. كانت الشمس برتقالة في عينيها. قالت: ‘أشبه بثعلب كنتَ. لص دجاج يتسلل إلى المزارع خفية’ قال: ‘يمكنني أن أصدقك، غير أني أصدق حدسي أكثر’ قلت: ‘النبوءة تحضر ضعيفة إن لم تبتسم’ القى الكتاب وراءه. ذهبت نظرتي إلى الكتاب مفتوحا على العشب المبلل. هممت بأن أقوم لأجلبه. أمسك بيدي بقوة وأجلسني. كان مزاجه رماديا. بعينين باردتين أومأ لي. قالت: ‘كان سرير الطفلة ضيقا، ولكنه اتسع لكلينا’ كان هناك شبح عند النافذة. قلت: ‘سأغادر’ قالت: ‘مثلما تفعل الثعالب’ ضحكت. كنت خائفا. قال: ‘ولكنك أحببتها على الأقل’ قلت: ‘لم يتسع الوقت للحب’ قال: ‘دقيقتان للاعتراف. الثالثة للقتل’ قلت: ‘بماذا ينفعك الاعتراف إذا كنت جاهزا للقتل؟’ قالت: ‘ألم تكن خائقا إذن؟’ في غرفة الطفلة كنت ارتجف هلعا. كان الشبح قد غادر النافذة. أوهمت نفسي بأني قد تخيلته. ضحك وقال: ‘حين لا تعترف بالحقيقة أقتلك’ قلت: ‘ولكن الحقيقة بالنسبة لك هي ما تريد أن تسمعه’ قال: ‘أنت رأيتني’ قالت: ‘تطاردك الأشباح منذ أن غادرت بلدك. لكل واحد منكم أنتم اللاجئون شبحه الحارس’ لا تزال عيون المتلصصين تطبع نظراتها الزرقاء على زجاج النوافذ. لم ينم أحد في انتظار النهاية. كنت خصم بطل الفلم الذي لم يُقتل بعد. جان فالجان. قلت: ‘أنا لا أرى الطبيعة من غير نظارتي’ قال: ‘أنت ترى في نومك حتى’ قالت: ‘يخيل إلي أنك قد تخيلتني’ أسمعها تشوي الكلمات في اذني. من أين طلعت لي إيتها الساحرة. امتطي مكنستك لتحلق بي إلى بلادي. اعرف أن الوقت لا يزال مبكرا. قال: ‘إن لم تكن تحبها فسيكون قتلك واجبا’ قلت مبتسما بحزن: ‘ضع ما تشاء من الكلمات بين قوسين واقتلني’ هز رأسه. قال: ‘هل قلت أنك مؤلف؟’ قالت: ‘كان عليك أن تهزمه منذ اللحظة الأولى. ألم تهزمه على الفراش؟’ قلت: ‘لم أكن منتصرا. كنت أنا الآخر مهزوما. لم أفعل شيئا سوى الاستجابة لغوايتك’ قالت: ‘كان نهارا طويلا ذلك النهار الذي فصل بين وقتين الاهيين. الفجر حين طلعت علي مثل شيطان والليل حين أكسبت ذلك الشيطان قوة الوحش’ قلت: ‘إنها تستحق أن تحب. امرأة الفصول الاربعة أكثر سعة ومرحا من خريفي’ قالت: ‘سيقتلك’ كان هناك عصفور قد أضاع الطريق إلى بيته واقفا على الشجرة يزقزق بحثا عن الكلمة المناسبة التي ترشده إلى بلاده. فكرت في بلادي البعيدة وكنت في انتظار الرصاصة. قالت: ‘كم كنت مطمئنا إلى الموت’ قلت: ‘كنت أنوي القفز من الحافة إلى الهاوية في اية لحظة’ وقف ثم أمسك بيدي وأوقفني. نظر إلي بعينين دامعتين وأحتضنني. رأي الريفيون صبيين يرقصان. شعروا بالغيظ فناموا. قالت: ‘كم تمنيت أن أرقص بينكما عارية’ في لحظة الرقص تلك لم أنتبه إلى أن كتابي بسبب ضربة كان الآخر قد وجهها إلي قد قفز إلى النهر. قالت: ‘رأيته وحزنت من أجله’ قال: ‘سنعود إلى البيت مثل أخوين’ كانت النافذة مفتوحة وكان الفجر قد مد أجنحته على بساط العشب الأخضر حين استيقظت من النوم. قالت على مائدة الافطار: ‘تركناك تنام ليلتين’ ابتسم لها وهي يدهن قطعة الخبز السمراء بالزبد.أمشي في دروب القرية بيدين بريئتين. أترك الثعلب نائما بعيدا عن المراعي وأغادر ممتطيا حصانا وهميا. جعلتني الصدفة أقضي ليلة في بيت مسكون بالأرواح التي لا تنام. المرأة تملك على الأقل مفتاحا من مفاتيح الغيب. تدخل إلى حلمي بقوة سحرها وتحصي كلماتي، حتى تلك التي خيل إلي أنني فكرت بها ولم أقلها. الرجل يزيح عن عيني الدمع القديم ليسكب فيهما دمعا جديدا، يقول ان زوجته كانت ملهمته. ملهمة الدمع. هو وهي. اثنان ضد واحد أو ضد شبح لواحد لم يعد قادرا على تلمس جسده. هي التي انبثقت من الشجرة واستولت على شمس الفجر جربت أن تصف المتاهة التي مشيت في دروبها وأنا نائم على سرير الطفلة وأقنعتني بان ملاكا طيبا هو الذي حملني إليها في تلك الليلة التي قررت فيها الانتحار. هو الذي لا يزال شبحه يرعى سمكة لم تخرج رأسها من الماء جعلني أشعر بالذنب لأني خنته من غير أن يقول كلمة جارحة واحدة. كان يود لو أني بقيت لأكون عبدا للندم في ما تبقى لي من الأيام. هو وهي، سواءا اتفقا أم لم يتكلما في الأمر في أوقات سابقة كانا قد خططا لاستقبال ضيف تربكه ذكرى حياة لم يعشها وتوهم أنه عاشها. هل رأتني هي وأنا اتلفت باحثا في غبش الفجر عن ضربة عصفور بري؟ هل رآني هو وأنا أتلفت باحثا عن قفص لحمامتين ضائعتين؟ بعد أن مشيت أكثر من ساعتين صرت متأكدا من أنهما لن يصلا إلي فجلست على العشب الأخضر وصرت أنادي الله.تنبعث الموسيقى من بين ساقي. أنظر إلى قدمي. مشيتا، تسلقتا، تألمتا، تورمتا، تساءلتا، ثرثرتا، كبرتا في عتمة أحذية ضيقة ولا تزالان قادرتين على حملي. أأنتما تمشيان بي أم أنا مَن يمشى بكما؟ تعلمت أن لا أصل وكنت أسمع هذيانكما. كل خطوة لها معنى. كل طريق له هدف. معي لن يكون الأمر كذلك. سنتكلم قليلا عن الشعر. كان موسى كريدي ينعتني بالسريالي. ولم أكن سرياليا. كنت التقط الجملة في لحظة اغماء متخيل. تحضر كاملة مثل صورة. تحضر صورتها ويثيرني بعدها الشخصي. لقد سبقت الجميع إلى التقاط جملة سائبة ونادرة من نوعها كان من الممكن أن يلتقطها أحد غيري لو انه سبقني اليها. صارت تلك الجملة ملكي وبها ومن خلالها صار في إمكاني أن أتسلى، لاعبا باللغة. هي ذي جملة منك لكنها لا تشبهك. حين استخرجتها لم أكن واعيا لتقنياتك المتقلبة. كنت ميتا في لحظة ذهاب إلى مستقبل يغلب عليه الغموض.