أصبح عندي الآن قضية

حجم الخط
0

عمرو جودة يدعي كل جيل أنه الأتعس حظاً، وأن زمن الأجيال السابقة أو اللاحقة أكثر إشراقاً وانصافاً، لكني أستطيع أن أجزم أن جيلي ـالذي نشأ وتعلَّم وتكوَّن في عصر مبارك ـ كان أتعس الأجيال حظاً، وأن جيلاً لم يظلم ـ منذ بناء مصر الحديثة على يد محمد علي ـ مثلما ظلم هذا الجيل، فرغم القدرات الهائلة التي أتاحتها له ثورة الاتصالات والمعلومات إلا أنه لم يعرف ماذا يُمكن فعله بهذا السلاح الرهيب، فقد كان جيلاً بلا قضية، كقطيع من الخراف الضالة، يقتات السراب، ويلتحف المجهول، ويجري لاهثاً كي يطارد ظله.جرت العادة أن يسلم كل جيل الراية إلى الجيل التالي، وكثيراً ما كانت تحدث مشاكل في عملية التسليم والتسلم، قد تكون الراية منكسة في بعض الأحيان، إلا أنها موجودة دائماً كي تورَّث، إلا نحن، لم يكن ثمة راية لنرثها مثل كل سابقينا، لم يكن هناك مشروع أوهدف عام يلتف حوله الجميع، فأجيال ما قبل الثورة كانت لديها قضية التحرر من المُحتل الغربي المتفوق وبناء دولة حديثة، وبعدها كان جيل الخمسينيات والستينيات ينعم بالحلم الناصري الجميل، حتى وإن انتهى إلى كابوس، وجيل السبعينات كانت لديه قضية تحرير سيناء والحفاظ على مكتسبات الفقراء، والانطلاق بقوة دفع انتصار أكتوبر إلى صف دول أقل منا في الامكانات واكبر منا في القيمة.وعندما جاء دورنا، مددنا أيدينا لتسلم شعلة تنير مسيرتنا العسيرة، فلم نجد غير الفراغ والحيرة، فتحنا أعيننا، كان هناك ألف سبيل لهدف واحد مجهول، فتجمَّد ‘الجيل الضائع’ في مكانه يتلقى هجمات كاسحة تشنها مؤسسات الدولة عبر سنوات، لتجرف وعيه بثقافة وفنون كل السموم، وتدمر بدنه بسرطان مستورد من أخطر أعدائنا، وتوأد أحلامه وطموحاته في وحل مستقبل اسود حتى لا يمثل تهديداً على السلطة الحاكمة، مثلما فعلت أجيال كانت مسلحة بأحلام حقيقية وراية واضحة المعالم.هكذا كُتب علينا الضياع، واشتبهت علينا السبل، وتمزقت إرادتا بين السراب والمجهول، حتى جاء هذا الجيل، وأدرك في لحظة تاريخية أن القضايا لا تورث كاللغة، ولا تحتاج لآلهة كي تخلق من عدم، فقرر أن يقول للثورة كوني .. فكانت .. وبعدها هتف: ‘أصبح عندي الآن قضية’، ثم استراح.’ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية