«القفص» للكاتبة الفلسطينية فدى جريس: الانحياز إلى الوجع الوطني والإنساني

حجم الخط
0

■ تقدم المجموعة القصصية «القفص» للكاتبة فدى جريس إبداعا لافتا يؤهلها لمنافسة وتصدر أي قائمة لمجموعات قصصية حديثة الصدور، من ناحية تنوع الموضوعات، واللغة والسرد، والحبكة الفنية والشخوص، والرسالة الإنسانية والوطنية، التي تحملها القصص. الذي يدفعني إلى هذا الرأي وبقوة هو التفصيل في تأمل تلك جوانب الإبداع في المجموعة كما يلي:
موضوعات «القفص» تتولد من الواقع الفلسطيني الراهن، بمراراته وتحدياته ومقاومته، وصور اليأس والإحباط التي تضرب في أوساط شرائح عديدة من الشعب، جراء استمرار الاحتلال وما ينتج عنه من تراكمات وضغوطات نفسية، تنعكس في سلوكيات الناس العاديين وتتسرب إلى اللاوعي في مجابهتهم لليومي والعادي من حيواتهم. لكنّ كثيرا من التفاصيل الاجتماعية والسلوكية للحكايات تحدث في أي سياق عربي آخر.
قصة «القفص» تتصدر المجموعة وهي تصف حياة الفلسطينيين في قفص الاحتلال الإسرائيلي، وهو الاحتلال الذي يتحكم في تفاصيل حياتهم، ويقمع حرياتهم، ويصطدمون به في كل صعد معاشهم. تصدّر هذه القصة للمجموعة يقول لنا بشكل مباشر أو غير مباشر إن كل ما يليها من قصص ومرارات هو نتاج بشكل أو بآخر للحالة القفصية التي يحياها الفلسطينيون. وانعكاسات هذه الحالة الاحتلالية وتسرباتها هي الخيط الواصل، الواضح حينا والخفي حينا، الذي يربط بين حكايات وشخوص القصص الاثنتي عشرة. في هذه القصص نشاهد مقاطع حية من حياة شرائح متعددة: زملاء وزميلات في مكان العمل الحكومي مشطورين بين الكسل والعبث وفقدان المعنى، وركاب سيارات الأجرة (التاكسي) الواقعين تحت رحمة سائقين يحاولون تخطي حواجز التفتيش التي يضعها الاحتلال، ويتسابقون لإيصال أكبر عدد من الركاب، فيسوقون بسرعات عالية تؤدي إلى حوادث قاتلة (تحت الاحتلال إما أن نموت برصاص الاحتلال، أو برعونة السائقين، كما تقول إحدى الشخصيات)، ونشاهد عائلات عادية وشبان وشابات يتوقون لعلاقات عاطفية أو زواج، تتحطم على صخور التقاليد والمحافظة، ونتابع «الخبراء الأجانب» وهم يلقون محاضراتهم التي لا تدل على خبرة مميزة، لكن يأتون تباعا يريدون تطوير الشعب الواقع تحت الاحتلال من دون الحديث، أو المساس بوطأة الاحتلال نفسه.

ترصد الكاتبة صور الفقر المدقع الذي يضرب الشرائح المعوزة التي لا ترى اللحم إلا في المناسبات، تنهكها الديون، ويتساقط أرباب البيوت، مجروحو الرجولة أمام ذل الحياة.

ترصد الكاتبة صور الفقر المدقع الذي يضرب الشرائح المعوزة التي لا ترى اللحم إلا في المناسبات، تنهكها الديون، ويتساقط أرباب البيوت، مجروحو الرجولة أمام ذل الحياة. لا تقع فدى جريس موضوعيا في أي اعتذارية جماعية تحيل كل المآسي إلى الاحتلال، رغم وضوح ترتيب القصص التي نستوحي منها ترتيب مسببات المأساة الفلسطينية، بل يظل قلمها ناقدا وكاشفا للعورات الاجتماعية ولا يهادنها، وهو ما يُحسب لها.
لغة وسرد مجموعة «القفص» سهلة ممتنعة في آن معا. مباشرة لا تستهدف افتعال الصور ولا الإبهار اللغوي والمجازي، بل تعتمد على الغوص في مرارات الواقع، مُحيلة الإبهار الحقيقي على الواقع ذاته. تستخدم جريس لغة فصيحة وسيطة لا تقعر فيها، ولا تتردد في تطعيمها بالعامية الفلسطينية خلال بعض الحوارات، وهو ما عمق حيوية وواقعية القصص التي بدت وكأنها مشاهد سينمائية لأناس حقيقيين يتحركون ويتحدثون أمامنا. عبر هذه اللغة تمرر الكاتبة للقارئ تعقلها لواقع مرير بمجمله، تنسجه بسرد واضح ومباشر يعكس فاجعة الحياة ومباشرتها، وفي الآن ذاته يحافظ السرد على حيوية وسخرية لاذعة باقتدار. توفر ذلك كله قراءة تمتزج فيها متعة القراءة مع المرارة والابتسامة الحزينة في آن معا. تتنوع صنعة السرد أيضا لتتضمن تداخلا مثيرا في أصوات الساردين، حيث يتداخل، مثلا، صوت المذياع وهو ينقل خطابات وأخبارا جافة، مع كلام ساخر لأمهات حول الطبخ والبيت ومشاكل الحياة، أو يتداخل صوت داخلي لأحد الشخوص مع الأصوات الصادرة عن آخرين في اللحظة المكانية والزمانية ذاتها، بما يضفي حسا تناقضيا من السخرية وتعدد مستويات السرد.
يمتد إبداع جريس في مجموعتها إلى الحبكة الفنية، حيث تنهج في معظم قصص المجموعة نهجا جريئا تبدأ به بتصوير نهاية الحكاية في الفقرة الأولى من القصة، ثم تنتقل بعدها إلى سرد القصة من أولها صاعدة تدريجيا نحو النهاية، التي أخبرتنا بها منذ السطور الأولى. يحتاج هذا الأسلوب إلى براعة وثقة كبيرتين، عند الكاتب أو الكاتبة، فهذا الأسلوب يُغامر في البوح بوصف النهاية منذ الابتداء وبهذا يتم التخلي عن مسألة الإبقاء على التشويق. والتحدي الكبير في مثل هذا الأسلوب هو إبقاء القارئ مهتما وشغوفا بإكمال القصة، رغم معرفة نهايتها، الأمر الذي إن نجح (كما حدث في مجموعة «القفص») يدفع القارئ إلى الغوص في تفاصيل الحكاية والانخراط في مستوياتها ومحايثة شخوصها والذهاب معها ومعهم إلى أبعد نقطة. وهكذا وعوضا عن النهاية المشوقة، المتوقعة او غير المتوقعة، فإن الكاتبة هنا استطاعت ان تحافظ على شغف قرائها لمتابعة تفاصيل الحكاية ذاتها.
شخوص «القفص» أناس عاديون وأهميتهم تكمن في تلك العادية بالضبط، التي يحس بها القارئ حية وواقعية ومقنعة. هؤلاء الشخوص يراهم القارئ حوله، في مكان العمل، والشارع، والبيت، والجامعة، وليس فيها افتعال، ورغم أن شخوص حكايات «القفص» سريعة الظهور بحكم أنهم أبطال قصص قصيرة وليست روايات طويلة، إلا أن براعة وإبداع الكاتبة أنتجتهم على شكل حي وواقعي، وكأنها رسمتهم في روايات طويلة احتاجت أن تبني الشخصيات فيها بدقة وبطء على مدار فصول الرواية. يمكن القول أيضا إن عددا من قصص المجموعة فيها طاقة رواية كاملة بأحداثها وشخوصها ووقائعها.
ليست هناك خطابية ولا ادعاءات مُفتعلة في موضوعات المجموعة أو السرد، لكن هناك رسالة خفية وغير مباشرة أيضا منحازة إلى الوجع الإنساني والوطني، تلامسه وتعالجة بقدرة فنية رهيفة.
ويتضاعف ذلك الانحياز بكون حكايات المجموعة تتجاوز مكانها الجغرافي الفلسطيني، فلئن كان عامل الاحتلال الإسرائيلي قد اشتغل بشكل بارز في تشكيل أمزجة الناس وحياتهم وما يواجهونه، فإن كثيرا من تلك الحكايات (الفقر، الرواتب، ضغوط الحياة، الحب، الخداع، وسوى ذلك مما هو مقدود من الواقع الأليم والبائس) يمكن أن تحدث في أي واقع عربي آخر يقع تحت نوع آخر من الأقفاص.

٭ كاتب فلسطيني يقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية