فيلم «أمّ» للامريكي دارين أرنوفسكي… قصة الخلق والنهايات الواحدة

من النادرِ مشاهدة فيلم سينمائي، يتكئ على محاور متعددة ذات حمولات ثقافية ومرجعيات معرفية متنوعة لقرون من الزمن، ومن ثم يجسدها، مثل فيلم mother من إنتاج سنة 2017، فيلمٌ فيه من كل جانب إبداعي بصمة، يشبه قصيدة شعرية طويلة، تستعرضُ تفاصيلُه الكثيرة، البدايةَ والنهايةَ المألوفتين، قبالة ما بينهما من تفاصيل مصاغة بشكل غرائبي مُنتَشل من الغرائبيات المكرورة، فتحشيدُ الأضداد وتعشيق الأدوار بطريقة نافرة، تظهر معها الشخصيات في إطار من الفرادة، تأبى أن تفُهمَ بشكلٍ كلي، يجعلها مستلبة، وهي حالة إيجابية إذا لم تكن طاغية على الحدث النهائي الكلي .
تدور أحداث الفيلم بين الزوجة التي تقوم بدورها الممثلة الشابة جنيفر لورانس، في منزل منعزل مع الزوج الشاعر الذي يكبرها، ويقوم بدوره هافيير باردِم، حيث تعمل الزوجة على ترميم المنزل الذي نشاهده يحترق بداية الفيلم، وتظهر هناك أيضا امرأة يبتلعها الحريق، لكنها ليست الزوجة التي يعتمدها السيناريو في ما بعد. تتعاقب الأحداث مع وصول ضيوف غير مرغوب فيهم إلى المنزل، ما يثير القلق والريبة لدى الزوجة، تشمل محاولات غير ناجحة في الحفاظ على بيتها وزوجها من هؤلاء المتطفلين، المعجبين بقصيدة الزوج .


هناك الكثير من التفسيرات التي يستدعيها الفيلم، من خلال ترميزاته الواضحة، والإشارات التي وجدت لها جذورا في النصوص المقدسة، خصوصا في كل من المسيحية واليهودية والإسلامية، فهناك مرموزات مشتركة، وهناك أخرى مختلفة حسب الشرائع والمفسرين.

وقع الفيلم بين التوظيف والإضافة، وهو ما يثير الكثير من المشكلات، على اعتبار أن هذه الإشارات الرمزية ترتبط بكتب سماوية من جهة، وترتبط بكونها حدثا تاريخيا قابلا للتعديل من جهة أخرى.

ومن أبرز الإشارات التي سيلاحظها المشاهد المختص وغير المختص، رمزية الزوجةُ / الأم ـ في ما بعد ـ ترمز إلى الطبيعة، والزوج/ الإله، والضيوف الذين جاؤوا في المرة الأولى إد هارِس وميشيل فايفر، كان من الواضح أنهم استدعاء لقصة آدم وحواء، والاقتتال الذي حدث بين ولديهما، وانتصار أحدهما على الآخر، هو استدعاء للصراع بين هابيل وقابيل وانتصار قابيل. أما ترميم الأم/ الطبيعة، للبيت، رغم قِدمه فهو العناية المستمرة بنفسها، أشبه بعمل الطبيعة الهادئ الذي نجهل أغلبه، لكن المخرج دارين آرونوفسكي يصر على إظهاره وتجسيده عبر شخصية الزوجة، ثم هناك الجرح الذي يعاني منه الضيف الأول/ آدم في منطقة الضلوع كإشارة الى ولادة حواء من ضلعه، الغريب في الأمر، الذي لم يتساءل بخصوصه أحد، رغم أن الفيلم كله مرتبط بالغرابة، لماذا بقيَ الرجلُ متألما وعليلا طوال فترة ظهوره، بينما كانت حواء تبدو بخير تماما وبصحة جيدة؟ هناك تدخل شخصي من الكاتب والمخرج في اجتراح تصورات جديدة على الشخصية تختلف عن السائد المشاع، لكنّها من الناحية المنطقية والواقعية غير دقيقة، هل كان القصد هو التعبير عن حالة الذنب من خلال الشعور بالمرض مثلا؟ إذ أن هذه الجزئية غير موفقة، ومشتتة إلى حد ما، بين أن تكون رمزية الضلع الذي ولدت منه حواء، وبقائه متألما كشخص مصاب تعرض لطعنة أو رصاصة، كما يبدو على الشاشة ما يجعل الأمر ثقيلا على الدور وضعيفا لا يمتلك المقومات ولا الطاقة اللازمة للتعبير عن تلك الرمزية، فهو افتعال للحيرة أكثر مما هي حيرة ناتجة عن افتعال بديهي عن القصة. ولماذا كان آدم وحواء كبيرين في السن الى هذه الدرجة؟ خاصة أننا لا نعلم متى تصارع كل من هابيل وقابيل، وفي أي سن من حياتيهما.
وقع الفيلم بين التوظيف والإضافة، وهو ما يثير الكثير من المشكلات، على اعتبار أن هذه الإشارات الرمزية ترتبط بكتب سماوية من جهة، وترتبط بكونها حدثا تاريخيا قابلا للتعديل من جهة أخرى، لكن في حدود منطقية شبه مهملة من قبل المخرج، ويبدو أن الحيرة والإرباك اللذين تخلّلا الفيلم بكل أحداثه وتسربا إلى المشاهد، كان متعمدا، كي لا تنطبق القصص على بعضها ولا يحزر المشاهد مرجعيات كل من الشخصيات المحورية في الفيلم، هذا التوتر والتناقض بين ما يعرفه المتلقي وما تمت إضافته، هو اللعبة التي استند إليها الفيلم في أغلب مشاهده. كان آرنوفسكي يودّ تضمين رسائل ناقصة، غير مكتملة المضمون والشكل، تختلق العمق وتخدع المشاهد، وتظل تحمل شيئا من الغموض، الذي يعتبر الطاقة المظلمة في فتح باب التأويل والقراءات العديدة، وتكرار هذه القراءات كلما جَدّ زمنُ التلقي. ثم هناك البلورة التي لها تأويلات عديدة، حسب ما ورد في الفيلم، وكثير من هذه التأويلات لم يؤخذ في الحسبان. كان هناك إجماع على تأويل هذه البلورة على أنها التفاحة التي كان يخفيها الزوج ويحذّر من دخول أي أحد الغرفة التي فيها تلك البلورة، حتى تعرضت للكسر بسبب الفضول! لكننا لو عدنا إلى بداية الفيلم، سنجد أنها ليست تفاحة وحسب، بل هي مصدر الحياة، كيف ذلك؟ عندما قام الزوج/ الإله، في بداية الفيلم بوضع البلورة في مكان معدٍّ مسبقا، فتستعيد الطبيعة/ البيت/ الزوجة/ الأم عافيتها، وتزول آثار العتمة، والظلمة، وتستعاد الحياة من جديد إلى المكان، إذن ما علاقة البلورة/ التفاحة بعودة الحياة؟ وإذا كان المقصود إشارة لبدء قصة آدم وحواء والعالم، فهي لا تتوافق مع الرؤية الإخراجية التي بدا فيها التغيير سائدا على المكان برمته وتحوله من رماد الاحتراق إلى حياة جديدة يشبه نهوض العنقاء. هناك في رمزية البيت المحترق في بداية الفيلم وقبل وضع البلورة في مكانها وظهور امرأة أخرى تحترق بالطريقة نفسها التي ستحترق بها الزوجة/ جنيفر لورنس، إشارة ترتبط بتفسير إحدى آيات القرآن التي تشير إلى أقوام خلقوا قبل آدم وحواء، عندما يتساءل الملائكة في تلك اللحظات «أتجعل فيها من يفسدُ فيها ويسفك الدماء؟» كيف عرف الملائكةُ في تلك اللحظة أنهم سيفسدون ويسفكون الدماء، إذا لم تكن هناك أقوام بشرية سابقة؟ وسواء أكان اطلاعا أو افتراضا من القائمين على الفيلم، فهو موفق جدا.
بعد أن يكملَ الشاعرُ/ الزوج/ الإله، قصيدته المهمة، وهي إشارة أخرى إلى الخلق، يتوافد المعجبون بكثرة وبطريقة مزعجة جدا للطبيعة/الزوجة، فتحاول طيلة أحداث الفيلم، التعامل معهم ودرء خطرهم، لكنّها تفشل في كل مرة، مصحوبة بالتوتر الحاد والقلق، والإعياء أحيانا والسقوط بسبب الحمل والإهمال، فلا تلقى اهتماما من أحد، لا من الناس المعجبين بالشاعر، ولا من الزوج/الإله، وهو اجتراح شخصي يضيفه المخرج وفق رؤيته للواقع، إلى تلك القصص .
ومن المعروف عن آرنوفسكي، أنه ماهر في تشكيل واختراق المناخات السوداوية والمأساوية بطريقة عبقرية جدا، وهو ما شهدناه في فيلم « Requiem for a Dream، وبالآليات نفسها باختلاف المضامين، في فيلم « black swan « الذي حازت على أثره بطلة الفيلم ناتالي بورتمان الأوسكار، إذ يرتبطان مع mother عبر الأجواء المشحونة بالقلق والانهيار والتداعي، ثم تجيء في الربع الأخير، رمزية الطفل الذي تلده الزوجة/الطبيعة، الذي ينشغل عنه الزوج/ الإله، بالمعجبين/ الخلق، إلى درجة أنه يسمح بتعرض طفله للانتهاك من قبل المعجبين به، والمنزل الذي ضم هذه الحشود في هذا السياق أيضا يحمل دلالة عن الطبيعة، أو جزء منها مرتبط بالزوجة، وهنا تبدأ المشاهد الأهم في الفيلم، من حيث تصوير البشرية بشكل فوضوي ومفزع، مستهتر حينا ومرتبك حينا آخر، يتنافسون في لقاء الزوج/الإله، ثم يختلفون في ما بينهم، ويقتل أحدهم الآخر، في لقطات مرعبة ذات وتيرة سريعة، تنقلها حركة الكاميرا السريعة، ويمتلئ المنزل بهم، والخراب يعم أرجاء المكان بالمطلق، على مرأى من الزوج الذي يمرر كل هذا الإفساد والفوضى، واللامبالاة بالطفل قبالة اهتمامه بالمعجبين، وهي نتيجة أولية في ضوء الطرح الذي يقدمه الفيلم عن الفوضى والجوانب المظلمة المقيتة للبشرية، والخراب الذي سببته، وليس شرطا أن يكون الطفل إشارة للمسيح، كما أشار معظم النقّاد الذين التزموا بالنصوص المقدسة في تفسير كل الأحداث، حيث إنه يحمل دلالة الحياة بشكلها الأعم، ودلالة الطفل البشري أي طفل، الذي يمكن أن يموت بسهولة في أي مكان في هذا العالم، كما نشهد اليوم، ميتات مختلفة للأطفال في الحروب أو الغرق، وكثيرا ما شهدنا أطفالا يموتون بشكل مأساوي في محاولة للهروب من الحرب، كلاجئين عبر البحر. وإذا ما أخذنا هذا الافتراض القائم على أن الطفل المقصود به هو المسيح فكيف تصبح الزوجة هي الأم والطبيعة ومريم في الوقت ذاته؟

الهلع، الفزع، الخوف، القلق، التمني، هذه الأحاسيس والرغبات طغت على القصة، ولا نرى هناك لحظات سعيدة سوى لحظات فردية تشي بأنانية مفرطة.

وفي لقطات قبل أن ينتهي الفيلم وبعد أن تأكل الحشود طفلها، تبدأ الزوجة بالصراخ وطعنهم بشظية من الزجاج، من ستفعل ذلك، الطبيعة أم الزوجة، أم الأم الاعتيادية أزاء وليدها؟ هذا التداخل لم يعطِ قراءة كاملة لجانب معين، ما جعل الفيلم ماضيا إلى نهايته مرتكزا على محاور رئيسية شهيرة وجزئيات تختلق الغموض والمزاوجة في صنع غرائبيتها.
وفي الجانب القرائي الآخر وبمعزل عن التأويل المرتبط بالمقدس والميثولوجيا، يمكن للمشاهد وبعيدا عن هذه الرمزيات التي ذكرناها، بدء مشاهدة فيلم آخر داخل هذا الفيلم، متمثلا بالطرق التي تتلاقى فيها أقدار الأفراد كأي قدرٍ في هذه الحياة، وكيف تؤدي إلى أحداث مبهمة في أول الأمر، وتظل محافظة على ذلك باتزان معقول حتى لا يفقد المشاهد مرونة المتابعة ولذتها، مرتبطة بإيقاع القصة المجردة من رمزيتها واشتعالها بشكل مفاجئ الذي يضع المتابع في حالة تركيز وانجذاب، حاملا معه ردود الفعل المشابهة لتلك الموجودة عند الممثل، وهو أمر نادر الحدوث تفوق فيه هذا الفيلم، ما يذكرنا ذلك بقصص ميلان كونديرا، عندما تجد الشخصية نفسها فجأة مقحمة في مستشفى أو في مبنى لجريدة، أو على سبيل المصادفة، ترى امرأة في الشارع، تحتاج توصيلة. الأحداث المفاجئة التي اعتمدها السيناريو منذ البداية حتى نهاية الفيلم، هي أشبه بمشاهدٍ مستقلة ٍ لها كيانها وحضورها ودهشتها الخاصة، ثم يضاف إليها ذلك الخيط الرفيع، حيث يُمتحن ذكاء المشاهد في عقد الخيوط وربط الأحداث، خاصة عندما تتسارع وتيرة الحدث الواحد ويتحول الحوار من إيقاع منتظم إلى إيقاع مضطرب شبيه بحوار مسرحي، تدعمه حركة الكاميرا وهي تنقل الشخصية الكامنة داخل القصة إلى المشاهد بطريقة عجيبة، ونلاحظ أن الكاميرا كانت تصور قريبا من مناطق الجسم، ولا تختار أكثر من منطقتين، ولنقل تفاصيل الجزء المعني من الجسم وعلاقته بالمشهد، خاصة الوجه والرقبة أو الأطراف ما يساعد في نقل ما تحسه وتعيشه الشخصية بدقة وجودة متكاملة إلى المشاهد، ثم أن وضع الكاميرا بهذه الطريقة يترك جانبا ميتا للمشاهد، لا يراه لكنّه يفتح نافذة للتوقع، ذلك أن العين المجردة تستطيع الرؤية على أقصى الجانبين، لذلك في أي لحظة يمكن أن تقفز إحدى الشخصيات بطريقة فجائية مستفزة للمتلقي.
الهلع، الفزع، الخوف، القلق، التمني، الحلم، البشاعة الولادة، الموت، هذه الأحاسيس والرغبات طغت على القصة، ولا نرى هناك لحظات سعيدة سوى لحظات فردية تشي بأنانية مفرطة. التفاصيل في أغلبها تستعرض الجانب البشري البشع ممثلا بالضغوطات التي تضطره إلى السلوك المندفع والخاطئ وفقدان مركزية التفكر والانتباه، وبين ما هو شبه متأصل في الجوهر البشري، وما يؤخذ على الفيلم أنه تحدّث عن النشوء والتكوين، وكل ما يخص عالمنا، من الجانب المظلم فقط، ففي آخر إشارة يبعثها الفيلم، تقوم الزوجة/الطبيعة، بإحراق المنزل بمن فيه، ويخرج الزوج/ الإله سالما ثم يحملها ويخبرها أنه سيعود بها إلى البداية! هذا التكرار يذكر بالفلاسفة العدميين الذي نبذوا فكرة التكرار مثل شوبنهاور. وقبل هذا الحدث بقليل، يحدث التداخل الذي أشرنا إليه مرة أخرى، عندما تقوم الزوجة بالحديث مع زوجها، كأي زوجين عاديين مجردين من صفتهما الرمزية المقترحة خلال الفيلم، وهو ما يجبرنا على مشاهدة الفيلم بطريقتين ونتيجتين مختلفتين تماما عن بعضهما.
ومن الأشياء التي تحسب للفيــــلم أنه يحمل عنــــوان « mother» على الرغم من أن كل المحاور المذكورة هي محاور مهمة ورئيسية، ويمكن لأي منها أن يصبح عنوانا، وفي ذلك رسالة أخرى يريد الفيلم إيصالها غايتها الاكتراث بهذا الكوكب المهدد بشتى أنواع المخاطر .

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية