أملت حماس في نهاية الأسبوع استراتيجية جديدة في المواجهة على الجدار: «تخفيف». وتتمثل هذه بتخفيض مستوى النار إلى أن يتبين ما ستحصل عليه حماس من إسرائيل ومن السلطة الفلسطينية. اصطلاح «تخفيف» مأخوذ من «خفيف»، المعروف جداً للإسرائيليين أيضاً حتى ممن لا يتحدثون العربية. وبينما، كل ما تفعله إسرائيل الآن حيال القطاع هو «خفيف»: لا يوجد حقاً اتجاه حقيقي، فالتسوية الصغرى خدعة اخترعوها كي يتملصوا من اصطلاح الاتفاق.
حماس هي التي قررت سياسة تخفيض مستوى النار، وتقدر بأنها توشك على أن تحصل في الأيام القريبة القادمة ـ من خلال المصريين ـ على الاتفاق الذي حصلت عليه في نهاية «الجرف الصامد» في 2014. في حينه، فتحت إسرائيل المعابر أمام البضائع، وتم توسيع مجال الصيد إلى 9 أميال، وقطعت تعهدات دولية لأعمار القطاع وما شابه.
أما هذه المرة فأضافت إسرائيل إلى الرزمة أيضاً إدخال الوقود بكميات تسمح بأكثر من ثماني ساعات كهرباء في اليوم في القطاع. فضلاً عن ذلك، اقتربت إسرائيل هذه المرة، ولأول مرة، من حماس في ظل الالتفاف على السلطة الفلسطينية وإضعافها، حين ضغطت على رام الله ألا تشدد العقوبات على غزة، والتفت عليها أيضاً في مجال نقل الوقود.
تجري الآن مفاوضات لإدخال المال القطري إلى القطاع ـ بخلاف موقف السلطة ـ لدفع الرواتب لموظفي حماس. إذا نجح الرئيس المصري السيسي بإقناع أبو مازن بالسماح بنقل الأموال إلى غزة حينئذ يمكن لحماس أن تسجل لنفسها أن استراتيجية العنف التي اتخذتها في الأشهر الثمانية الأخيرة كانت قصة نجاح، ويمكن الانتقال إلى «التخفيف». بمعنى، عدم التنازل عن الاحتجاج، عن تظاهرات العودة، ولكن لا يتم القيام باستفزازات على الجدار ويتوقفون عن إطلاق البالونات الحارقة والمتفجرة.
السنوار ورجال الحركة من حوله يعرفون المجتمع الإسرائيلي جيداً
ليس معروفاً في هذه الأثناء الاتفاق مع السلطة حول نقل الأموال، إذ يلزم حماس بسلسلة شروط طرحها أبو مازن، بما في ذلك التخلي عن الاحتفاظ بقوات عسكرية مستقلة. هذا ليس العائق الوحيد في الطريق إلى التهدئة: ففي جهاز الأمن يعرفون أن حماس لن تكتفي بالوقود وبالمال القطري كي توقف العنف. فحماس تحتفظ لنفسها في القبعة بورقة أخرى تخطط لامتشاقها فور تلقيها المال القطري لدفع الرواتب. وهذه الورقة هي الميناء البحري، الذي لا يكون فيه أي تدخل إسرائيلي. من ناحية حماس سيكون هذا هو الإنجاز المطلق الذي يبرر مئات القتلى وآلاف الجرحى ممن جبتهم المسيرة العنيفة.
الميناء هو الرمز لكسر الحصار، وهذا ليس في السماء: في الماضي سبق أن تحدث الوزيران، ليبرمان وكاتس، عن فتح ميناء لغزة برقابة إسرائيلية. من ناحية حماس، فقد اجتازت نصف الطريق. ولديها فقط شرط صغير جداً: تريد ميناء مستقلاً. وحسب فهمها، فمع قليل من الضغط على الحكومة التي كل ما يعنيها هو البقاء السياسي، فإن هذا سينجح. فما بالك أن الجيش بلغ القيادة السياسية أنه لا يوصي بالخروج إلى حرب الآن. يرفض الجيش خطة ليبرمان بتوجيه ضربة نارية للقطاع، خشية أن تتدحرج هذه إلى دخول بري. وبالمناسبة فإن الجيش مقتنع أيضاً بأن ستكون لنا جولات عنف محدودة أخرى. فماذا بعدها؟ لا يمكن أن نعرف.
إذن ما الذي يمكن لحماس أن تفهمه من هذا؟ إنه يمكن طلب المزيد، إذ ليس عليها حقاً تهديد وجودي. ستحصل على الإصبع، وسترغب في اليد كلها. السنوار والرجال من حوله يعرفون المجتمع الإسرائيلي جيداً. فهم يفهمون بأنه عندما يبث سكان غلاف غزة الإحساس بأنهم وصلوا إلى نهاية حدود الصبر، فإن الحكومة، عشية الانتخابات، ستنزل على ركبتيها. في مثل هذا الوضع يمكن مواصلة الضغط. بعد الميناء البحري ستطلب مطاراً جوياً أيضاً.
إن استراتيجية الخفيف لحكومة إسرائيل تخلق وضعاً لا تعرف فيه اليد اليمنى ما تفعله اليد اليسرى. من جهة يبذلون جهداً للوصول إلى التهدئة، ومن جهة أخرى اتخذوا قرارين سيضيئان بيقين السجون الأمنية، وفي أعقابها القطاع والضفة أيضاً. في بداية كانون الثاني سيدخل حيز التنفيذ ذلك القانون الذي يسمح لإسرائيل باقتطاع الأموال التي تحولها السلطة إلى عائلات السجناء الأمنيين إلى جانب التعليمات بعدم السماح للسجناء بأن يحصلوا من السلطة على مخصص 400 شيكل في الشهر تسمح لهم بشراء الغذاء والملابس. إذا لم تدفع السلطة، فإن إسرائيل ستدفع عشرات ملايين الشواكل في السنة، ولكن ليس هذا هو الموضوع. طريقة حبس السجناء الأمنيين التي تسمح لهم ببعض الاستقلالية في إدارة حياتهم اليومية، ستتحطم. وعندما ستشتعل السجون، ستشتعل المناطق أيضاً، فالحديث يدور عن قرار شعبوي، سيعود إلينا كالسهم المرتد. من يحتاج إلى هذا؟
اليكس فيشمان
يديعوت 4/11/2018