القاهرة ـ «القدس العربي»: لم يقتصر الغضب الذي اعترى المصريين بعد الهجوم الذي استهدف حافلة تقل أقباطا في محافظة المنيا وسط مصر، على مسلحي تنظيم «الدولة الإسلامية» الذين نفذوا الهجوم، بل امتد إلى المسؤولين المصريين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، الذين كانوا في مدينة شرم الشيخ لحضور افتتاح منتدى الشباب العالمي الذي تنظمه الرئاسة، لتظهر مصر وكأنها دولتان، إحداهما تحتفل في الشرق، وأخرى تقيم سرادق العزاء في الوسط. كما طالت الانتقادات وسائل الإعلام بسبب تعاطيها البارد مع الحدث.
وكان مسلحون هاجموا حافلة تقل أقباطا عائدين من زيارة دير الأنبا صموئيل الجمعة، ما أسفر عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 7 آخرين في الهجوم الذي أعلن تنظيم «الدولة» مسؤوليته عنه.
وأدى غياب المسؤولين عن جنازة الضحايا بسبب وجودهم جميعا في مدينة شرم الشيخ بصحبة السيسي خلال فعاليات افتتاح منتدى شباب العالم، استياء المصريين بشكل عام، والأقباط بشكل خاص.
واعترض الأقباط الموجودون في صلاة الجنازة على ضحايا حادث المنيا، على ذكر عدد من أسماء قيادات المحافظة والقيادات الأمنية وتقديم الشكر لهم.
وفوجئ الأنبا مكاريوس، أسقف عام المنيا، بصياح الحضور بالرفض والإشارة بعلامة لا، أثناء ذكر اسم المحافظ ومسؤولي وزارة الداخلية.
وقال الأنبا: «أريد أن اشكر معالي الوزير قاسم حسين محافظ المنيا، واللواء محمد عبد الفتاح سكرتير عام المحافظة، وأعضاء مجلس النواب»، ليرد الحضور بإشارات الرفض والصراخ بـ«لاء».
ونظم الأقباط في محافظة المنيا، تظاهرات في مركز مغاغة، ورددوا هتافات تندد بتقاعس المسؤولين، وقطعوا خط السكة الحديد، ما أدى إلى توقف حركة القطارات في خط «القاهرة ـ الصعيد».
وتداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، صورا لمراسم الجنازة الخالية من المسؤولين وصورا لمنتدى شباب العالم، في مقارنة بين الأوضاع في المنيا، والأوضاع في شرم الشيخ.
فشل السلطات
«المفوضية المصرية للحقوق والحريات» ـ منظمة حقوقية مصرية غير رسمية ـ أدانت ما اعتبرته «استمرار فشل السلطات المصرية في حماية أرواح المواطنين المصريين في أحداث استهداف للمسيحيين قد سبق وحدثت بنفس النمط وفي نفس المكان العام الماضي».
وأضافت في بيان أن «توفير الحماية اللازمة للمواطنين المسيحيين كي يتمكنوا من ممارسة معتقداتهم الدينية بحرية وأمان يتطلب من الحكومة المصرية اتخاذ سياسات وإجراءات أكثر جدية وذات فاعلية فيما يتعلق بتأمين حياة المواطنين، خاصة المسيحيين، وضمان ممارستهم لمعتقداتهم الدينية وزيارة أماكنهم المقدسة من كنائس وأديرة بحرية تامة».
وزادت: «من بين هذه الإجراءات تأمين الرحلات الدينية وتأمين الطرق المؤدية للأديرة ودور العبادة ورصفها وإنارتها وتوفير خدمات الطوارئ بها والتأكد من تغطية شبكات الاتصالات فيها».
وطالبت، السلطات القضائية والتنفيذية بـ«تحويل المسؤولين عن التقصير الأمني الذي أدى لتعريض حياة المواطنين للخطر لتحقيق عاجل وشفاف لبيان أوجه القصور ومحاسبة المسؤولين عنها».
وأشارت إلى أنه « منذ تولي السيسي مهام رئيس الجمهورية استمرت أوضاع المسيحيين على نفس النهج شديد السوء بين الهجمات الطائفية على الكنائس والمنازل والممتلكات الخاصة بهم، إلى عمليات إرهابية استهدفت العديد من الكنائس والأفراد».
وتابعت: «رغم حرص الرئيس السيسي على الحفاظ على علاقة وطيدة مع البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ومغازلة أصوات الناخبين المسيحيين في أكثر من مناسبة، إلا أن الوقائع تشير إلى غياب الجدية والفاعلية في اتباع سياسات وإجراءات من شأنها حماية حقوق المسيحيين في حرية الاعتقاد وتعزيز الأمن والأمان على أنفسهم».
وأوضحت أنها «رصدت 31 واقعة عنف طائفي، على الأقل، منذ تولي السيسي مهام منصبه في يونيو/ حزيران 2014 وحتى اللحظة، حدثت فيها اعتداءات جماعية على منازل المسيحيين وممتلكاتهم الخاصة من قبل بعض مسلمي القرى والنجوع، وأن رد فعل السلطات المصرية في أغلب الوقائع، باستثناءات محدودة، نزعت إلى الحلول العرفية للأزمات وغياب تطبيق القانون وإفلات الجناة من العقاب».
وحول الأحداث التي استهدفت فيها جماعات إرهابية مسيحيين، رصدت المفوضية وقوع 10 حوادث إرهابية منذ تولي السيسي مهامه، إذ قٌتل في تلك الحوادث 114 شخصاً، من بينها أحداث استهداف وقتل ثمانية من مسيحيي العريش في مطلع عام 2017، والتي نتج عنها نزوح جماعي قسري للمواطنين المسيحيين من المدينة الواقعة شمال سيناء.
وأكدت أنها «لاحظت في كل الأحداث التي رصدتها، غياب سياسة جدية وفعالة لحكومات الرئيس السيسي لوقف أو منع تكرار وقوع هذه الأنماط من الحوادث وتوفير الحماية اللازمة للمسيحيين لممارسة شعائرهم الدينية وزيارة أماكنهم المقدسة».
وتابعت: «بل على العكس، يشير حادث استهداف المسيحيين في محيط دير الأنبا صموئيل للمرة الثانية، بنفس النمط وفي نفس المكان، إلى تجاهل سلطات الأمن للدور الأساسي المنوط بها في حماية المواطنين والحفاظ على حياتهم. كما يشير تكرار وقائع العنف الطائفي على نحوٍ متماثل، إلى غياب الرغبة الحقيقية أو الكفاءة المطلوبة لمنع تكرار هذه الأحداث، بل ويشير أيضا إلى تعنت شديد في بعض الأحيان وتراخ في إعمال قانون بناء الكنائس والمماطلة في تطبيقه بشكل ينتقص من حق المسيحيين في الصلاة وإقامة دور العبادة «.
واعتبرت أن «سياسات الحكومة المصرية منذ تولي السيسي، في التعامل مع غالبية هذه الوقائع تمثل إخلالاجسيما بالتزامات مصر الدستورية تجاه حماية حقوق المواطنين المسيحيين في الحياة الآمنة وفقًا للمادة 59 من الدستور المصري، وكذلك الحق في حرية الدين والمعتقد وممارسة الشعائر الدينية وفقاً للمادة 64 من الدستور المصري».
وذكّرت حكومة السيسي بـ«التزاماتها الدولية تجاه الحق في حرية الاعتقاد والضمير والدين وفقاً للمادة 18 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966».
غياب إعلامي
وكان تفاعل الإعلام المصري مع الهجوم، وعدم نشره أي شيء عن الحادث لأكثر من ساعة رغم تناقل الخبر على وسائل الإعلام العالمية، أثار غضب المصريين.
عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، انتقد أداء الإعلام المصري في تناول هجوم المنيا. وقال لـ «القدس العربي»:» الإعلام المصري تجاهل الحدث لمدة 90 دقيقة، وكان أول خبر نشر في كل المواقع المصرية على لسان مصدر، وليس بيانا من الوزارة».
وأضاف:» الأزمة الكبرى أن المصدر حمل الشهداء والضحايا المسؤولية، بقوله إن الطريق الذي شهد الهجوم مغلق بتعليمات أمنية، وليس بقوات أو حواجز».
وزاد:» لم يكتف المصدر بذلك، بل بعث برسائل تحذير لوسائل الإعلام، التي لم تنشر أي شيء من الأساس، يطالبها بالالتزام بالبيانات الرسمية».
الحق في العبادة
السيسي تحدث عن هجوم المنيا أمس خلال مشاركته في منتدى شباب العالم في مدينة شرم الشيخ. وقال إن «أي حادث يسقط به مصريون يؤلم الجميع، وإن رؤية وقدرة القائد على تشكيل وصياغة القرار، قد تؤدي في النهاية إلى الدخول في صراع سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي».
وأضاف خلال حضوره جلسة (دور قادة العالم في بناء واستدامة السلام)، أن «هناك عوامل نابعة من تجربة شخصية، يمكنها التأثير على قرار القائد أو الرئيس، وهناك تجارب من التاريخ يمكنها صياغة وتشكيل قراره».
وتابع أن «كل رئيس يملك أدوات وقدرات دولته، ويتأثر السلام في العالم، حسب توجهه وقناعاته ورؤيته، وقدرته على قراءة الموقف سواء على الصعيد الدولي أو الداخلي». كما أكد أن «مصر وهي تحارب الإرهاب، تحرص على ألا يترتب على ذلك عدائيات داخل المجتمع». وأشار إلى أن «المعايير المزدوجة قد تؤدي إلى إحداث صراعات»، مشيرا إلى الحادث الإرهابي الذي وقع في المنيا واستهداف الأقباط.
وقال إن «سقوط أي مواطن يؤلم جميع المصريين»، مضيفا: «الشارع المصري يؤلمه أي استهداف إرهابي».
وتابع:» للجميع الحق في العبادة، لذلك أصدرت مصر قانون بناء دور العبادة الموحد، ولو لدينا في مصر ديانات أخرى كنا سنبني لهم دور عبادة، لو لدينا يهود سنبني لهم دور عبادة لأن هذا من حق المواطن، ومن حق المواطن أن يعبد أو لا يعبد كما يشاء، هذا موضوع لا دخل لنا به».
وشدد على أن «تصويب الخطاب الديني من أهم المطالب الآن»، مضيفا: « ليس معقولا أن نتعامل بأفكار يعود عمرها لألف عام وغير صالحة لعصرنا الآن».
وزاد: «أنا لا اتحدث عن تغيير دين، ولكن إيجاد مفردات لخطاب ديني تناسب العصر الحالي».
«الخلية المنفذة»
إلى ذلك، قالت وزارة الداخلية في بيان صادر أمس، إنها تمكنت من تصفية 19 مسلحا من الخلية التي نفذت هجوم المنيا. وأضافت الداخلية في بيان أمس، «عقب وقوع الحادث تشكلت مجموعات عمل ميدانية وفنية بمشاركة قطاعات الوزارة المعنية، ووضع خطة بحث اعتمدت على جمع المعلومات وتتبع خط سير هروب الجناة والاستعانة فب ذلك بوسائل التقنية الحديثة، وتمشيط أماكن تردد وتمركز العناصر المشتبه فيها، خاصة الواقعة في المناطق النائية التي يتخذها المسلحون كملاذ للاختفاء والانطلاق لتنفيذ مخططاتهم العدائية».
وتابعت:»كشفت معلومات قطاع الأمن الوطني عن تمركز مجموعة من العناصر الإرهابية الهاربة من الملاحقات الأمنية، وهم من عناصر الخلية المنفذة لهجوم المنيا في إحدى المناطق الجبلية بالظهير الصحراوي الغربي لمحافظة المنيا، واتخاذها مأوى لهم بعيدًا عن الرصد الأمني».
وزادت: «تمت مداهمة المنطقة المشار إليها، وحال اتخاذ إجراءات حصار المنطقة قامت العناصر الإرهابية بإطلاق النيران تجاه القوات؛ ما دفعها للتعامل مع مصدر النيران، وعقب انتهاء المواجهة القتالية تبين أنها أسفرت عن مقتل 19 من العناصر الإرهابية، كما عثر بحوزتهم على 4 بنادق آلية وكمية من الطلقات مختلفة الأعيرة، ووسائل إعاشة، وبعض الأوراق التنظيمية، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتتولى نيابة أمن الدولة العليا التحقيق. وجار استكمال عمليات البحث لضبط العناصر الهاربة».