كمال القاضي:
القاهرة ـ ‘القدس العربي’ شيء ما يتغير في صناعة السينما يقترب بها من حافة الهاوية، ربما الاستسهال الذي يراه البعض تغلباً على صعوبات الصناعة التقليدية ويعتبرون تقنيات التصوير بالكاميرا الديجتال فتحا عظيما، غير مدركين لخطورة الجرأة في تصنيف أنفسهم مخرجين ومصورين وكتابا من دون أن يكونوا مؤهلين لذلك تماما، إذ أن التجاسر على حمل الكاميرا لابد أن تسبقه خبرات ومشاهدات وثقافة عامة تجعل الراغب في صناعة فيلم أهلا للدور الذي يلعبه والمكانة التي يضع نفسه فيها، أما أن يقرر أي شخص تحويل مساره من عمله الأصلي الى التأليف والإخراج والتصوير فهذه بالطبع مغامرة غير محسوبة لا يتحمل عواقبها إلا الجمهور، حيث يواجه وحده مثل هذه الكوارث، ‘الباب’ عنوان واحد من الأفلام المصرية التي عرضت في مسابقة افلام الديجتال بمهرجان القاهرة بدورته الـ’34’ الأخيرة وخرج من ماراثون الجوائز من دون شيء يذكر، وذلك لأن الفيلم لا يعدو كونه محاولة تجريبية للتدريب على التصوير والتمثيل والكتابة والتمسح في الإخراج، فالطبيب الذي تطوع بالقيام بكل المهام لتوفير الميزانية نجح في تقليص النفقات الى 500 جنيه فقط لا غير، لكنه فشل في صناعة فيلم وأعطى انطباعا خاطئا عن خصوصية سينما الديجتال من البداية للنهاية، فالفكرة التي جعلها محورا للأحداث ووضع لها مقدمة طويلة عريضة سبق تقديمها في عشرات الأفلام بشكل أعمق وأدق، فلسنا بحاجة ليذكرنا طبيب الجهاز الهضمي محمد عبدالحافظ بقضية الخروج من الجنة نتيجة الاستجابة لوساوس الشيطان، والتخلي عن الحذر في الانسياق للفضول، والرغبة في كشف المستور، والاطلاع على ما هو غيبي استنادا لخلفية ما جرى لآدم وحواء حين وسوس لهما الشيطان أن يأكلا التفاحة فأكلا فكان خروجهما من الجنة هو الجزاء، وألقي بهما في غياهب الدنيا ليواجها مصيرهما ويرث البشر مآساتهما إلى يوم يبعثون، هذه الحكاية محفوظة عن ظهر قلب وقد تم التنويع عليها مرارا وتكرارا وليست في حاجة لمزيد من الفلسفة، واقترانها بحياة شاب فاشل ومريض، يحمل في جنباته صفات العدوان يريد المخرج أن يحملنا قسرا على التعاطف معه من خلال العودة إلى القصة ذاتها وطرح سؤال أزلي قتل بحثا، هل الانسان بطبيعته عدواني مجبول على الخطيئة؟ – أم أنه رهين قدر كتب عليه سلفا؟ وبالطبع يقودنا السؤال إلى جدلية واسعة ننشغل بها طوال الوقت، في حين أن مارد بالفيلم لم يكن على نفس المستوى من الناحية الفنية، فقضية الباب المغلق المشغول بها البطل ‘أشرف كمال’ أو عمرو عبدالحافظ ليست هي القضية الكونية فلا الباب يصلح أن يكون رمزا للمجهول ولا أشرف هذا هو ما يمكن أن يمثل الإنسان في حيرته مع الطبيعة ونظرية الخلق التي كتبها العظيم نجيب محفوظ في روايته ‘الشحاذ’، وجسد معاناة البطل ‘عمر الحمزاوي’ فيها الفنان القدير محمود مرسي، حيث المستويات النفسية والدرامية التي انتقلت من الرواية الى الفيلم جعلتنا نعيش حياة البطل البائسة ونشاركه مأساته ومحنته ونطرح معه ألف سؤال وسؤال حول الخلق وكينونته ومعناه والدروس المستفادة منه والهدف من حيرة الإنسان الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً ولا يستطيع أن يغير من قدره ولا يزيحه قيد أنملة، حيث العقل عاجز عن الإحاطة بكل الحقائق والإنسان نفسه مسجون داخل محيط صغير من ذلك العالم الواسع الكبير ومستوحش بين أهله وناسه وعشيرته، ومن ثم فهو يشعر بأن الدنيا تضيق وتشدد خناقها عليه، ليس ثمة تماثل بين شخصية ‘أشرف كمال’ الفقيرة فنيا وإنسانيا وبين شخصية ‘الشحاذ’ ‘حمزاوي’ رغم تشابه الفكرة أو محاولة اقتباسها وإن اختلفت التفاصيل، فالمقارنة بينهما غير جائزة، ولكنه التداعي الفني يحتم علينا أن نذكر المؤلف بالأعمال الفنية الكبرى، لكي يرى الدنيا على حقيقتها ويعلم أن الخوض في القضايا الكونية مسألة ليست سهلة ولا يمكن إعمال الخواطر فيها واعتبارها فنا عميقا يؤرقه ويؤرقنا ويؤرق ابطال فيلمه ـ شقيقه وأصدقاءه ومن يراهم ممثلين واعدين، البطل الثاني ‘حسام’ ياسر أبو العلا أو غيره، أما ‘الباب’ فذلك الذي ينطبق عليه المثل ‘الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح’. هذا أفضل من أن يفتح فلا نرى شيئا ونكتشف ان الطبيب السيناريست والمصور والمخرج أخذنا معه طوال ساعة ونصف الساعة إلى سراب تلو السراب بعد أن مارس علينا كل ألوان التعذيب النفسي، متصورا أن ذلك نوع من الإثارة ‘الساسبنس’ وجراء رغبته هذه ظللنا نطالع مشاهد ومواقف مكررة لا تضيف جديدا ونفزع من هول الموسيقى الصاخبة الصادمة ونعيش مع البطل المصاب بالاكتئاب كوابيسه واكتئابه لحظة بلحظة، كأننا أسرى في قاعة العرض ساقنا قدرنا الى الفيلم لنكفر عن سيئات ربما ارتكبناها في أفلام أخرى، فبين عادات أشرف المتكررة وردود أفعال ابن عمه حسام وشيطانية صديقه وزميله في العمل تخلق المواقف وتتولد المآسي وتنجلي المصائب وتتبدى صور البؤس والفقر والحرمان ويعلو نشيج أشرف وبكاؤه كلما تذكر أمه الراحلة منذ طفولته وزوجة أبيه التي دأبت على تعذيبه في غيبة الأب الضعيف، كل هذه الصور تتداعى في ذهنه هو فقط، فلم نر منها نحن معشر المشاهدين شيئا ولو بطريق الصدفة أو التلميح كي نكون حاضرين بإحساسنا في المشهد وينتقل إلينا صدق الحدوتة والأداء التمثيلي، لكن أبدا لم يتحقق شيء من هذا، كل ما هنالك أن المطلوب منا هو معايشة الأحداث غيابيا الى أن نصل إلى ذروة التراجيديا قبيل النهاية بلحظات، حين يقرر المؤلف موت ‘حسام’، البطل الثاني وابن عم البطل الأول مقتولا بيد ‘أشرف’ بعد أن فاجأه وهو يحاول فتح الباب الذي سبق أن حذره من الاقتراب منه فزاد من فضوله وتسبب في تنامي بذور الخوف والشك والهلع والإجرام بداخله فارتكب الجريمة الثانية بعد ان قام بسرقة الصيدلية التي كان يعمل بها وفر هاربا في المرة الأولى مخلفا وراءه العديد من الأسئلة المحيرة، فلماذا يصنع أشرف كمال كل هذه الأشياء؟ ولماذا أيضا جاء قدره على هذا النحو المأساوي الفاجع؟ الإجابة ينبئونا بها الراوي مع نزول التترات وهو يغلق الدائرة الجهنمية على نفسه، بأنه هو ذاته البطل الضحية، وأن السؤال الذي يحيره سيظل مطروحا طالما أن الكون يصر على إخفاء أسراره والقدر يمعن في التستر على الحقيقة ويستعذب لعبة الألغاز!