بسام البدارين:
يضيء الركن البرلماني الاردني المهم عبد الكريم الدغمي مساحة مهمة في وجدان النخب السياسية في البلاد وهو يشير لقناعته السياسية بأن المشروع الايراني في المنطقة رغم الملاحظات المثارة حوله لا يشكل على المصالح الحيوية العربية عموما والاردنية بالنتيجة نفس مستوى الخطر الذي يشكله المشروع الاسرائيلي.
رغم ذلك يسجل الدغمي وهو المشرع الابرز في البرلمان الاردني الى أن الحكومات العربية على الارجح لا يعجبها مثل هذا الكلام الذي يفتقر ‘للشعبية’ عند المسؤولين الرسميين.
واهمية هذه الملاحظة التي ادلى بها الدغمي على هامش حديث سياسي تبادله مع ‘القدس العربي’ تتمركز في انها تعكس السؤال القديم عند النخب السياسية الاردنية على الاقل حول اسرارالمبالغات في الخوف من المشروع والنفوذ الايراني رغم التهديد الواضح على المصالح الاردنية من جانب شريك وجار السلام الاسرائيلي.
وقد تجلى هذا التهديد صراحة مؤخرا باعلان دفن مشروع الدولتين، كما قال وزير البلاط الاردني الاسبق مروان المعشر انطلاقا من واشنطن.
وهذا الاعلان نتجت عنه اردنيا تداعيات بدت واضحة تماما للمراقبين خلال الاسبوعين الاخيرين، وترجمت نفسها عبر حركة اردنية نشطة وملموسة بثلاثة اتجاهات تحت عنوان حماية المصالح والذات الاولى نحو المربع الايراني، والثانية نحو حركة حماس، والثالثة نحو التفكير بخيارات استثمارية واقتصادية جديدة في مساحات كانت مغلقة.
والبوصلة الاردنية بادرت للتحرك في هذه الاتجاهات الثلاثة مع ادامة التواصل امريكيا واوروبيا بنفس الخطاب الكلاسيكي حول عملية السلام، وعبر رسائل سياسية ناعمة موجهة لبعض عواصم القرار ودون ‘قفزات كبيرة’ على امل الاستدراك وللاحتفاظ بهوامش المراجعة في اي وقت. وكل الذي حصل على اساس شل خيار الدولتين يحشر عمان بل يخنقها سياسيا واقتصاديا وامنيا داخل مساحات اضيق في الاتجاه الاستراتيجي تتطلب مبادرات قد تنتهي بالخروج عن المألوف الاردني قليلا.
وهنا يمكن بوضوح ملاحظة مستوى ‘التطبيع’ السريع الذي قطعته عمان في تبادل المجاملات ودعوات الزيارة مع الرئيس الايراني احمدي نجاد مباشرة بعد تسريبات ويكيليكس واعتذار واشنطن العلني عن اكمال مشوار مشروع الدولة الفلسطينية، فيما تتزايد دعوات الانفتاح اكثر على الاتجاه الايراني مع التخلص تدريجيا من فكرة الهلال الشيعي التي سبق لها ان اغضبت طهران والعمل على تأسيس مساحات مناورة عند الايرانيين قد تنفع عند الامريكيين والاسرائيليين والسعوديين مستقبلا اذا لم تنفع فورا عند الايرانيين انفسهم.
والتطبيع مع الايرانيين قد يتطلب لاحقا تخفيف حدة التضامن مع القوى المناهضة لحزب الله في لبنان والتعمق اكثر مع سورية وفتح نوافذ اطلاع نشطة مع تركيا في خطوات تقول بعض المضادر انها بحثت جزئيا في عمان.
وسقوط خيار الدولتين بالضربة القاضية دفع عمان بشكل ملموس لفتح بعض النوافذ الصغيرة التي كانت مغلقة مع حركة حماس امنيا، فقد اغلق الباب الاردني تماما في وجه خصم حماس الابرز محمد دحلان بعد ازمته الاخيرة مع الرئيس محمود عباس، وابرز الاعلام الاردني بصورة مبالغ فيها خبر اللقاء الذي جمع قبل ايام اسماعيل هنية بمسؤول العمليات في الجيش الاردني على هامش رعاية المستشفى الاردني الميداني العسكري في قطاع غزة. وفي نفس اللقاء ردد هنية النغمة التي تجعله بطلا قوميا في عمان بعنوان ‘لا لحل القضية على حساب الاردن ولا للوطن البديل’.. وفعل هنية ذلك قبل ان يطلق عشرات من عبارات المجاملة الايجابية تجاه الدور الاردني مناشدا الملك عبد الله الثاني التدخل لحماية الشعب الفلسطيني.
وهنا ليس سرا انه يمكن ملاحظة بأن حماس التي ترفض عمان استقبال وزرائها واركانها ويحتاج زعيمها السياسي خالد مشعل لتصريح دخول مؤقت لحضور جنازة والده فيها هي في المحصلة نفسها حماس التي تحظى بلقاء مع صورة وخبر اعلامي يجمع رئيسها في غزة بجنرال بارز في الجيش العربي الاردني. وتلك على الارجح خطوة تضامنية اردنية تتجاوب معها حماس قد تصلح كغطاء استراتيجي ثم سياسي مستقبلا في حال استنفاد الخيارات بعد سقوط استراتيجية الدولتين.
بالتوازي تحرك الاردنيون بعدما فقدوا الايمان بالمساعدات العربية وتحديدا السعودية باتجاهات اقتصادية جديدة ففكروا باستثمار شراكة صديقهم العراقي القديم اياد علاوي مع حكومة المالكي في بغداد على امل تحريك حصة المصالح الاردنية الحيوية جدا في السوق العراقية وبدلوا الخيارات فيما يتعلق بمشروع النووي السلمي الاردني متجهين نحو كوريا قبل تسمية سفير اردني ـ لاول مرة – مع اقامة سفارة في كوريا الجنوبية.
وبالتوازي ايضا تجتهد عمان وبأكثر من طريقة لفتح القنوات المسدودة في الدوحة حتى وان تطلب الامر تقديم تنازلات املا في الاستفادة من معركة الاعمار المقبلة الضخمة تحت عنوان مونديال كأس العالم بنسخته القطرية ليس فقط عبر تثبيت العمالة الاردنية الكبيرة في دولة قطر وحل مشكلات الاردنيين مع الاقامة، ولكن ايضا عبر استقطاب المزيد من العمالة والخبرات الاردنية.
كل تلك التحولات المبادرة في البوصلة الدبلوماسية الاردنية برزت مؤخرا لان واشنطن بدأت تعتذر لعمان وتقول: نتنياهو صعب ولا نستطيع اجباره على خيار الدولتين.