عمر احرشان لا ينبغي أن ننظر إلى نهاية هذه السنة وكأنها سنة عادية، وذلك لاعتبارات عديدة، منها أنها تشكل نهاية عشرية وبداية أخرى وهو ما يفتح المجال أمام التقييم والمحاسبة والاستشراف والبرمجة، وهذه هي أفضل طريقة حتى لا تطغى الارتجالية والمزاجية.. أما الاعتبار الآخر فيتمثل في تزامن نهاية هذه السنة مع انتهاء المدة المخصصة للعديد من الأوراش التي قُدمت خلالها وعود كثيرة وبنيت عليها آمال واسعة، وهذه مناسبة لتقديم الحساب حول ما أنجز وما لم ينجز وأسباب ذلك، وجودة الإنجاز وكلفته وآثاره على حياة المواطنين. فأين نحن من هذه المنهجية؟
سنصاب بالصدمة، إن تتبعنا هذا الأمر، لأن النقاش العمومي مغيب حول مآل هذه الأوراش وكأنه لا يعني المجتمع بكل شرائحه، أو كأن هؤلاء المسؤولين غير ملزمين بتقديم حصيلة ما وعدوا به، أو كأن البلاد تفتقر إلى جهاز لمحاسبتهم على ما خططوا له وما أنفقوه من المال العام. وهذه نقيصة لم نتجاوزها رغم عقود من الأخطاء والكوارث. أليس غريبا أن نفتح أورشا كبرى ونأتي في النهاية لنتحدث عن معدل بطالة مرتفع؟ ما جدوى هذه الأوراش إن لم توفر فرص شغل وتنشط الدورة الاقتصادية وترفع نسبة النمو وتحسن مستوى عيش المواطنين؟
لقد شاءت الأقدار أن نختم هذه السنة، كما السنة الفارطة، بأحداث حول قضية الصحراء، وهذا أمر يجب أن نتوقف عنده كثيرا لنعي دلالاته وانعكاساته على مستقبل البلاد. فقد عاش المغاربة في كانون الاول/ديسمبر الماضي على أعصابهم بسبب طريقة تدبير ملف أميناتو حيدر، وما جرته على البلاد من تشويه السمعة في المنتظم الدولي. وللأسف، تكرر الأمر نفسه هذه السنة بعد تداعيات أحداث مخيم ‘اكديم إيزيك’ بالعيون وما أثارته من نقاش داخل المغرب وخارجه، سواء في ما يخص التدبير السياسي للملف، أو المعالجة الأمنية لتداعياته، أو الأداء الدبلوماسي للخارجية المغربية، أو مردودية الدبلوماسية الموازية للأحزاب والبرلمان، أو طبيعة المطالب الاجتماعية التي كانت السبب المباشر لنشوء هذا المخيم أو سياسة الكيل بمكيالين التي تتعاطى بها بعض القوى الدولية مع هذا الملف أو طريقة تدبير العلاقة مع دول الجوار. فهل سننتظر حتى يتكرر الأمر في السنة القادمة لنستوعب الرسالة؟
وماذا أعددنا حتى نتجنب ذلك؟ أترك الإجابة للأيام القادمة، وإن كان الوضع لا يبشر بخير، خاصة حين نرى كيف يتم الالتفاف على تحديد المسؤوليات، وكيف يتم تحريف النقاش عن وجهته السليمة ليحصر في تبادل التهم بين هذا الحزب وذاك، والسعي إلى الاستثمار السياسي والانتخابي لهذا الملف، هذه معضلة حقيقية تهدد البلاد.
والمعضلة الثانية تتمثل في القفز على قضايا في غاية الحساسية من دون تحديد المسؤوليات، وخير مثال على ذلك شعار ‘عشرة ملايين سائح’ الذي لم نصله إلا باحتساب أعداد الجالية المغربية المقيمة بالخارج ضمن خانة السياح، ولاحظنا كيف مر الموضوع ببساطة وانتقلت الوزارة المعنية إلى رؤية 2020 من دون تبرير هذا الإخفاق وشرح أسبابه. هذه منهجية خاطئة تعالج مشكلة بأخرى وتتستر على الثغرات تفاديا للمحاسبة. لن نتقدم خطوة إلى الأمام ما لم نفعّل مبدأ ربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة.
وإذا انتقلنا إلى الشق الاجتماعي سنلاحظ أن هذه السنة كشفت العجز الفظيع، يقدر بمليارات الدراهم، الذي تتخبط فيه صناديق التقاعد والذي يراد من المواطنين دفع ثمنه على شكل اقتطاعات أو سنوات عمل إضافية بعد سن الستين، وسنتوقف حتما عند ارتفاع نسبة البطالة، واختلالات نظام الدعم الذي يستفيد منه الأغنياء قبل الفقراء، وارتفاع كلفة المعيشة وتزايد حدة الاحتجاجات ذات الصبغة الاجتماعية، وتعثر الحوار الاجتماعي الذي أصبح مثل حبوب التهدئة التي بدأت تتضاعف آثارها الجانبية، وهذه كلها مقدمات منذرة بتفجر الوضع وانتشار اليأس واللامبالاة والجريمة والحقد.. وهذه معضلة أخرى يجب حلها قبل حلول الكارثة، لا قدر الله. وفي الشق الحقوقي أبانت هذه السنة عن تراجعات عن مجموعة من المكاسب وعن حنين إلى سنوات الرصاص التي ظن البعض أنها ذهبت إلى غير رجعة.. والسبب هو طغيان العقلية الأمنية والمقاربة البوليسية في معالجة قضايا سياسية وحسم الخلاف مع المعارضين. ولا ينسينا ما سبق تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على بلادنا، وقد بدا تأثيرها واضحا على قانون مالية 2011، الذي سيتحكم في السياسات العمومية لأول سنة من العشرية القادمة. وقد رأينا، للأسف، أن الحكومة اختارت الحل الأسهل، وهو اقتراض مليار يورو بنسبة فائدة 4.5 في المئة من الخارج لتلبية الحاجيات التمويلية للخزينة بعد العجز المسجل في ميزانية 2010، أي أن المغرب سيؤدي حوالي 50 مليار سنتيم سنويا فائدة عن هذا القرض طيلة العشرية القادمة، التي هي مدة استحقاق هذا الدين.. ويضاف هذا إلى قرض 700 مليون يورو سنة 2007 لسداد دين نادي روما.. هذا من دون أن نتحدث عن المديونية الداخلية التي بلغت مستويات قياسية في هذه العشرية الأخيرة. وبهذا ترهن هذه الحكومات مستقبل المغاربة لأنها لا تكلف نفسها عناء البحث عن حلول جديدة، فهي تتأرجح بين الاقتراض من الداخل والخارج وبين بيع منشآت عمومية للخواص والأجانب. وهما حلان أحلاهما مر.
والمثير أكثر هو أن أوراشا إصلاحية تفتح بدون وضع حيز زمني لإنهائها ومؤشرات لقياس حجم التقدم في تحقيق أهدافها.. وفي مقدمة هذه الأوراش قطاع العدل الذي شهد هذه السنة النصيب الأوفر من الاحتجاجات والانتقادات، وقطاع الإعلام الذي لم يسفر الحوار الوطني حوله طيلة السنة عن نتائج تنزله المكانة التي يستحقها كسلطة رابعة وموازية للسلطات الثلاث، هذا إن كنا نتوفر فعلا على هذه السلطات، وهذا نقاش آخر.. ولكن بالتأكيد لن تقوم لنا قائمة إن لم نفتحه، اليوم قبل غد، حتى نحدد من يسير البلاد ومن يقودها ومن يتحمل مسؤولية النتائج المترتبة عن هذا التدبير.
سنودع العشرية الأولى من هذه الألفية ونحن مكبلون بإكراهات وقيود وضغوط، وسنستقبل العشرية الثانية ونحن مثقلون باليأس والعزوف والديون.. وهذه وحدها تكفي لنخسر الرهان بالضربة القاضية منذ الجولة الأولى.
علينا أن نفتح حوارا وطنيا صريحا من دون تخوف من تبعاته، وان نحرص على الالتزام بنتائجه وتفعيل توصياته وبدون إقصاء أي رأي مخالف ما دام محركه هو مصلحة البلاد. هذه هي طريقنا إلى ربح الرهان لنكون أقوياء في عالم لا مكان فيه للضعفاء، وفي محيط نتأكد يوما بعد آخر أنه لا يشاطرنا كل قناعاتنا.’ كاتب مغربي