محمد دلومياحتفل العالم بدخول السنة الميلادية الجديدة، ورغم أن عام 2010 لم يكن للكثير من الدول الكبرى عاما يمكن أن تحصي فيها انجازاتها، بسبب الأزمة الاقتصادية التي خيمت على عام 2010، إلا أنه من حقها الاحتفال على الأقل فهي تملك اقتصادا ولا يهم إن كان هذا الاقتصاد قد دخل في سبات، أو بدأ يتراجع، العيب في العالم العربي الذي يحتفل بعام ليس عامه وعصر ما زال لم يدخله، وان كانت الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم لم تمس الكثير من الدول العربية. فهذا ليس لأن هذه الدول في الطريق الصحيح وإنما لأنها لا تملك اقتصادا أصلا، وبعيدا عن الاقتصاد فإن الاحتفالات بالعام الجديد وإن كانت ميزة غربية فإنه من المشين أن نحتفل بها، نحن العرب، ليس فقط لأنها ليست من عاداتنا، ولكن لأننا لم ندخل التاريخ بعد، وما زلنا ننتظر على عتبة بابه. ومن مفارقة الدنيا أن يعيش عالم دخل العام 2011 وعرب ما يزالون في 1916 على أعتاب اتفاقيات سايس بيكو التي تتكرر اليوم، كأن العالم العربي برمته ما يزال واقفا في تلك الحقبة ينتظر أن يقسم إلى قطع أخرى، لذا فالاحتفال بالسنة الميلادية الجديدة عربيا ليس سوى ‘مسخرة’ أخرى تضاف للزمن العربي الرديء، وحري بنا أن نسأل بماذا نحتفل..؟ وكان على المحتفلين العرب من ملوك ورؤساء الذين يتبادلون التهاني أن يقدموا قبل ذلك حصيلة عام 2010، وتعالوا معا نتحدث عن غيض من فيض ‘بركات’ العرب التي حلت عليهم في 2010، فيكفي إطلالة واحدة على دولة الصومال التي نسيها العرب ونستها جامعة عمرو موسى، وربما بعضنا يعتقد أنها دولة افريقية ولا علاقة لها بالعروبة، من فرط ما غابت عن الذاكرة العربية، أقول تعالوا ننظر إلى هذه الدولة العربية وحالها في 2010، فالحرب قضت على جزء من شعبها والجوع والأوبئة يكاد يفتك بمن بقي من هذا الشعب الذي ما عاد يسمع له صوت ولا حس، لا في المحافل الدولية ولا في محافل الجامعة العربية، ورغم ذلك احتفل العرب بشجرة الميلاد وقدموا التهاني بمناسبة 2011، ولكن الواقع الذي في السودان وفي العراق يؤكد أن العرب ما يزالون في 1916 أمام اتفاقيات التقسيم التي عرفت باتفاقيات ‘سايس بيكو’، وهي الاتفاقية السرية التي أبرمت بين فرنسا وبريطانيا بموافقة روسية لاقتسام الدول العربية وإعادة تقسيمها، وهو الأمر نفسه الذي يتكرر اليوم إلا أنه أكثر حدة لأنه يعيد تقسيم المقتسم أصلا، فالعرب يبتهجون بدخول عام غير عامهم، في الوقت الذي لم يخرجوا بعد من عام 1916، فالسودان بدأ ينشق إلى نصفين في انتظار الأنصاف الأخرى في دارفور، وأجزاء أخرى في الشمال، والعراق حاله يعرفه القاصي والداني، ومصر المحروسة كانت أول من فتح سفارة في أربيل، وبالتأكيد ستكون أول من يفتحها في جنوب السودان وفي دارفور، تأييدا للنجاح العربي البارع في تفتيت نفسه، وفي الوقت الذي كان يحتفل العرب بالعام الجديد كانت دول أمريكا اللاتينية تعترف بالدولة الفلسطينية حسب حدود 1967، وللغرابة الدول العربية نفسها ما زالت لم تعترف بذلك، ولو حدث كل هذا وأكثر وما احتفلنا لهان الامر، على الأقل نعد ذلك اعترافا بهزائمنا وخيباتنا، وربما احتفالنا كعرب بالعام 2011 الذي ما زلنا لم ندخله بعد، ليس سوى ابتهاج بمشروع تقسيم دول عربية أخرى، ويحق للعرب مجتمعين أن يقدموا التهاني بمناسبة العام الجديد، و’الويكيليكس’ يكشف أن الحكام العرب ما أن يخرجوا من لقاء رسمي أو غير رسمي بينهم حتى يهرعوا إلى السفير الأمريكي في بلادهم ليكشفوا له ما حدث في الاجتماعات التي يقولون عنها انها سرية ومغلقة، ورغم أنهم يعلمون أنه يأتي عليهم يوم وتكشفهم الوثائق الأمريكية، لأن هذه الأخيرة تدون وتوثق لتاريخها ولا تعترف بحكايات المقاهي التي يعتقد العرب أنهم يمارسونها مع السفراء الأمريكيين في بلادهم حين يروون لهم بالتفصيل الممل عن الذي جرى في الاجتماعات المغلقة، ولو كان للعرب ذرة من حياء وبعض من ماء الوجه لتواروا عن الأنظار كل مطلع سنة خجلا بالذي هم فيه وقطعوا البث التلفزيوني على أنفسهم حتى لا يروا العالم ولا يراهم، لأننا وان كنا في نفس الزمان فإنهم دخلوا 2011 وما زلنا نحن في 1916، وكان علينا كعرب أن نخجل من توقف الزمن الذي ما صار يمضي بنا، وان نخجل من الأعوام التي تمر وترحل وتودعنا وهي تضحك على عوراتنا، ولكننا أمة العرب ضحكت لجهلها الأمم، وأمة ما زالت تدخل جحور الظباء، والمشكلة اليوم أن الآخرين كلهم يحتفلون بالعام الجديد وهذا من حقهم لأن العام عامهم، والانجاز انجازهم، حتى وان كثرت فيه المشاكل والأزمات الاقتصادية، المصيبة فينا نحن ‘الأعراب’ الذين نحتفل بخروجنا من التاريخ ، وحتى من الجغرافيا بعدما استبيحت أوطاننا ودخلنا المهازل باستحقاق. ‘ كاتب جزائري