خليل قانصو
من المحتمل ان تكون وثائق الادارة الامريكية، التي يـُكشف النقاب عنها بين الفينة والفينة، وتنشرها الصحف العالمية، قد احرجت بعض الحكومات العربية، وربما تكون قد احرجت ايضا، الادارة الامريكية نفسها، كونها اخفقت في المحافظة على طابعها الخاص، بما هي مصارحات جرت في خلوات جمعت مبعوثيها من جهة وزعماء دول صديقة لها من جهة ثانية، فكان من المفترض ان تبقى سرية. ولكن ايا كانت الظروف التي سمحت برفع الغطاء عن القـِدر، باجازة او من دون اجازة، وايا كانت مقاصد الذين اقدموا، او تجـراوا على هذا العمل، فان ما فيها يطرح اشكالية تستحق الدرس والتحليل، لا سيما وانه لم يلق نفيا، لا من الادارة الامريكية الني نَقلت ولا من الحـكام الذين نقل عنهم. على الارجح ان سفير الولايات المتحدة الامريكية، او ضابطا من ضباط القيادة العسكرية الامريكية، عندما يزور إمارة من إمارات الخليج العربي، انما يزورها للاجتماع بضباطه في القواعد العسكرية التي انشأتها بلاده في تلك الإمارة، ولبحث الخطط العسكرية اللازمة لتطبيق السياسات وتأمين الموارد لها. ولا اظن انه يأتي الى الامارة في طلب مشورة ونصح ولي العهد فيها. ومهما يكن فان هذه هي الفكرة الشائعة عن العلاقة التي تربط الولايات المتحدة الامريكية بالدول التابعة لها. وتأسيسا عليها لا تكون الآراء التي يعبر عنها ولي العهد او الامير، في حضرة القائد العسكري الامريكي، او الوزير او نائب الرئيس، ذات فائدة، ولا تؤخذ عادة على محمل الجد، اذ من البديهي ان السياسة الامريكية، في المنطقة العربية وفي منطقة الخليج العربي تحديدا، لا تتقرر بمشاركة الامراء والملوك، ولا تنتظر تواقيعهم. ولو كان هذا الاعتقاد خاطئا، لما كانت الاوضاع في بلاد العرب، بالتأكيد، على ما هي عليه اليوم. وهنا يحق لنا ان نتساءل، اذا كان الامراء والملوك العرب، لا يستطيعون التأثير في رسم السياسة الامريكية، فلماذا اذن سجلت الادارة الامريكية كلاما صدر عن بعضهم، او يفترض انه صدر، في وثائق ‘اساءت حفظها’، فوقعت بين ايدي قراصنة شبكة الاتصالات المعلوماتية؟ وبكلام اكثر وضوحا وصراحة، لماذا كانت الولايات المتحدة الامريكية تحتفظ بها، ولاي استخدامات كانت تـُعدها؟ وبما انها عديمة الفائدة والقيمة، فان استخدامها سيكون بالضرورة، والامثلة على ذلك كثيرة، بهدف التشويه والتحريف والتضليل والتحريض والتخويف، ولكن هل كانت نتيجة تسريب هذه الوثائق، عن طريق موقع ويكيليكس مختلفة؟
ان القاصي والداني، يعرفان تمام المعرفة، ان الحل والربط الامريكيين، ليسا بين ايدي امراء دول الخليج. وهنا ينهض سؤال ايضا، عن الجهة التي تريد الولايات المتحدة الامريكية ايصال الرسالة الموجودة في هذه الوثائق اليها، والتي يمكن تلخيصها بان هؤلاء الامراء يضمرون العداء لجارتهم ايران، وبأنهم بنوا دفاعهم او هجومهم ضدها على ثلاثة محاور، هي المحور الديني، والعرقي، وخطر النشاط النووي الايراني او ما اصطلح على تسميته ‘الملف النووي الايراني’. وبالطبع لا يتسع هذا المجال للبسط والتوسع، في مقاربة هذه النقاط الثلاث، فما يهم، في اعتقادي، هو الملف النووي، لا سيما وان الايرانيين لا يواجهون بشأنه حكام الخليج ومصر فقط، ولكن يواجهون الى جانبهم ايضا، اسرائيل، اضافة الى دول غربية في مقدمتها طبعا الولايات المتحدة الامريكية. بمعنى ان اسرائيل ترى ان الابحاث الايرانية في ميدان الذرة تمثل خطرا يتهدد أمنها. وبالتلازم مع هذا الموقف الاسرائيلي هناك دول عربية وغربية ايضا، تنظر بدورها الى هذه الابحاث بقلق شديد، كونها تستشف لها عن ‘شيطنة ايرانية’ غايتها العدوان وبسط النفوذ، على الصعيد الاقليمي. هذا لا يعني ان المحورين الاولين، لا اهمية لهما، ولكن العكس هو الصحيح، اذ بلغ التلاعب بهما حد اللامعقول واللامقبول، واكاد اقول حد انتهاك القيم الروحانية. ولكننا لسنا هنا بصدد البحث في هذا الموضوع، ولا نقاربه الا تلميحا، ينجم عنه، ان السلاح النووي الاسرائيلي، وهو سلاح فعلي، وليس سلاحا افتراضيا او قيد التحضير، لا يعتبر بالمعايير التي تعتمدها الامارات والممالك العربية التي اشرنا اليها اعلاه، مصدر خطر على امنها واستقرارها، ولكن الوقائع التي شهدتها منطقة الخليج العربي في العقود الثلاثة التي خلت، لا تبرر خوف هذه الكيانات من ايران على الاطلاق، حتى لو امتلكت هذه الاخيرة سلاحا نوويا. لا ضرورة للاطالة من اجل بيان ذلك، يكفي الاقتضاب للقول بان العراق دُمر وقـُتل من قـتل وشـُرد من شـُرد من العراقيين، تحت ذريعة ملفقة، بانه يمتلك سلاحا نوويا. والعراق كان، قبل هدمه، عربيا خاضعا لسلطة عربية، اي سلطة مستبدة غاشمة، اذ كان آمنا، كل عراقي عرف كيف يناصر السلطان. وهذه سمة لم يتميز بها النظام العراقي عن انظمة الحكم العربية كافة. لم يكن العراق قبل الاحتلال الامريكي مذهبيا او فارسيا.
وعندما حارب النظام العراقي ايران (1980ـ 1988)، وقفت الامارات والممالك الخليجية، كما هو معروف الى جانبه. ولكن ما ان انتهت تلك الحرب حتى تأزمت علاقتها به وتفاقمت الى ان انفجرت ووقع احتلال الكويت. هذا الاحتلال سبقته ازمة ولم يأت من فراغ (لاحظ ان بعض اللبنانيين، يلوحون بفزاعة 7 ايار/مايو2008، عندما اعلن حزب الله عصيانه ضد الحكومة، التي كانت قبل ذلك، قد اتخذت قرارا، بمصادرة شبكة اتصالات ارضية، عسكرية خاصة به، وبإحالة قادته الى القضاء). وبصرف النظر، عن اسباب تلك الازمة والادوار التي اضطلعت بها الاطراف جميعها، عربية وغير عربية، فان حرب الخليــــج الثانية (17 كانون الثاني/يناير 1991)، التي عرفت بـ(عاصفة الصحراء)، تعكس في الحقيقة بجلاء، ميزان القوى الفعلي في منطقة الخليج العربي من جهة، وتظهر من جهة ثانية ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الاوروبيين، يتعهدون المحافظة على الامن وعلى انظمة الحكم، لكي تبقى الاوضاع على ما هي عليه، متجـــمدة متصلبة، من دون ان يطرأ عليها تطور او تبدل نتيجة لبروز عوامل محلية تتفاعل في ما بينها وفي محيطها، اي بكلام صـــــريح، ان أمن امارات وممالك الخليج أمر موكول الى الولايات المتحدة الامريكــــية وحلفائها. وهي قوى، كانت السباقة في انتاج واستخدام السلاح الذري، ولا شك انه توجد في ترساناتها كميات هائلة منه، فهل يعقل، ان الايرانيين، على افتراض انهم يرغبون في ذلك وان لديهم الوسائل من اجل بلوغه، اذا توصلوا الى صنع سلاح من هذا النوع، سوف يلغون السبق الغربي في هذا الميدان ويقلبون ميزان القوى لصالحهم. ليس مستبعدا ان يكون قصد الذين دمروا العراق، بحجة انه كيان يمثل خطرا، ليس على دولة الكويت فقط، ولكن على المملكة السعودية وعلى اسرائيل ايضا، هو ازالة كافة الاخطار المتبقية، والعوائق التي قد تعترض الاندماج الشكلي والفعلي، بين الصهيونية كحركة استعمارية والتحالف الامبريالي الامريكي الاوروبي الذي يبسط هيمنته على ديار العرب. وفي الختام، اذا كانت (عاصفة الصحراء) قد ثارت من اجل تحرير الكويت، ثم تبعتها سنة 2003 حرب اخرى لتقطيع العراق، فما الذي يمكن حدوثه، لو احاط ونزل الخطر فعلا باسرائيل، فهل يوجد شك في ان القوى الامبريالية سوف تقف عندئذ الى جانب الحركة الاستعمارية الصهيونية؟ لماذا اذن غض الطرف عن الترسانة الاسرائيلية التي تحتوي برأي الخبراء، على عدد كبير من الرؤوس النووية، بعضها انتج في اطار برامج علمية وتقنية بمشاركة دول غربية، وبعضها الاخر في اطار برامج مماثلة وتجارب اجريت بالتعاون مع نظام التمييز العنصري الذي كان قائما في جنوب افريقيا؟ ولعل السؤال الكبير، بعد هذا كله، هو لماذا تـُكدس اسرائيل هذه الرؤوس النووية؟ ألا يدعو للريبة ان بوادر التوتر في العلاقات التركية ـ الاسرائيلية بدأت بالظهور منذ ان ضعفت المقاومة العربية ضد الحركة الصهيونية؟ وبالعودة الى الوثائق الامريكية، التي اخرجها قراصنة المعلوماتية من خزائنها، من المحتمل ان يـُفسر البعض، غياب احتجاج المعنيين من الحكام العرب ضد الاقاويل المنسوبة لهم، وغياب رد فعلهم الحاسم على تصرف يكاد ان يكون شبيها بالوشاية بهم الى شعوبهم، بانهما برهان على ارتهانهم التام للولايات المتحدة الامريكية. ينبني عليه ان مقاومتهم ضد الصهيونية، لم تضعف وحسب وانما توقفت وتلاشت نهائيا. وجملة القول ان خوف امارات الخليج وممالك العرب من ايران، لا يبدو مبررا، فلا جدال في ان هذه البلدان تحظى بحماية الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها الاوروبيين، الذين سوف يشنون بالقطع حربا شعواء في ما لو تعرضت محمياتهم لعدوان، هذا من ناحية، اما من ناحية ثانية فليس مستبعدا، على الاطلاق، ان يبادر هؤلاء الى الحرب، من دون سبب مثلما فعلوا في العراق، اذا اظهرت حساباتهم انهم يستطيعون الكسب من ورائها. ان الدويلات تدافع عنها الولايات المتحدة الامريكية اما الدول فان شعوبها هي التي تدافع عنها. ‘ كاتب لبناني