ناصر عراق’ العزوف المزمن للمثقف العربي عن خوض عباب بحر السياسة، لن يدفع ثمنه الفادح هذا المثقف وحده، بل سيتحمل أعباءه الباهظة عموم أبناء الوطن العربي كله. فما من أمة استطاعت أن تعتصم بحبل التقدم إلا وكان للمثقف فيها دور جوهري في قيادة هذه الأمة. وما من شعب زرع فواكه الحضارة وتذوق ثمارها، إلا وكان المثقف هو الذي بادر بحرث أرض هذه الأمة قبل الآخرين. وما من وطن تكاتف وتماسك أبناؤه من أجل بناء مجتمع أكثر عدلاً وجمالاً، إلا وكان المثقف على رأس هذا الوطن يدعو إلى فضيلة التكاتف، ويبشّر بنعمة التماسك الاجتماعي. حسناً… إذا كان هذا الكلام صحيحاً، وأظنه كذلك، فلماذا ارتفع حائط العزلة بين المثقف والعمل السياسي، وكيف ازداد سمكاً ومتانة في العقود الأخيرة؟ وبماذا نفسر انصراف المثقف، في هذه الأيام، انصرافاً شبه تام تقريباً عن التجوال في غابات السياسة، ليشذّب أشجارها البرية، ويواجه وحوشها المفترسة؟ تعالوا نرصد معاً هذه الظاهرة المخيفة التي حالت بين المثقف العربي وانغماسه في النشاط السياسي المباشر.
إطلالة تاريخية’ من المهم أن نتفق في البداية على أننا نقصد بالمثقف هنا، ذلك الإنسان الذي يمارس نشاطاً إبداعياً محدداً (كاتباً أو فناناً)، بكل ما تعنيه هاتان الصفتان من اتساع وشمول، كأن يكون مفكراً أو شاعراً أو روائياً أو إعلامياً أو موسيقياً أو تشكيلياً… الخ. كما أننا نقصد بالعمل السياسي المباشر، هذا الانخراط في أحزاب سياسية تدعو إلى تغيير الأوضاع نحو الأفضل، أو التعاطف مع أفكارها والعمل على الترويج لهذه الأفكار بين جماهير الشعب.
من هذا المعنى، يمكن الاتكاء على تجارب المثقفين المصريين الذين أسهموا بنصيب معتبر في العمل السياسي بامتداد أكثر من قرن وربع القرن، وسأذكرك ببعض الأسماء المهمة: خذ عندك محمود سامي البارودي الذي انضم إلى حركة عرابي عام 1881 ضد جبروت الخديوي توفيق الذي حكم مصر من 1879 إلى 1892، وهو شاعر كبير قاد مدرسة إحياء الشعر العربي الحديث كما تعرف، وقد عوقب عقاباً قاسياً بالنفي إلى جزيرة سرنديب (سيلان حالياً). كذلك تعرض أمير الشعراء أحمد شوقي (1868: 1932) إلى العقوبة نفسها من قبل الاحتلال الإنكليزي سنة 1915، حيث تم نفيه إلى الأندلس التي كتب فيها قصيدة بديعة عن عذابات المنفى، نذكر منها هذا البيت موفور الشهرة:
وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه… نازعتني إليه في الخلد نفسي’ أما محمد حسين هيكل (1888ـ1956) صاحب رواية زينب (1914)، فقد أسهم في تأسيس حزب الأحرار الدستوريين في عشرينيات القرن المنصرم، ثم تولى رئاسته سنة 1943، فضلاً عن أنه كان عضواً في لجنة الثلاثين التي وضعت أول دستور مصري عام 1923. في حين ذاق عباس محمود العقاد (1889 :1964) الوفدي العتيد مرارة السجن سنة 1930 حين هاجم بذخ الملك فؤاد. وتبقى السيرة السياسية لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين النموذج الناصع لاستغراق المثقف في العمل السياسي المباشر، فقد انضم الرجل أول الأمر إلى حزب الأحرار الدستوريين، ثم هجره عندما اكتشف أنه لا يلبي أشواق الناس نحو الاستقلال والحرية والعدالة، فانحاز إلى حزب الوفد الذي استقطب ملايين المصريين حول شعاراته الرنانة مثل (الاستقلال التام أو الموت الزؤام)، أو (الدين لله والوطن للجميع). وقد بلغ الأستاذ العميد أوج نشاطه السياسي عندما صار وزيراً للمعارف (التعليم) في حكومة الوفد سنة 1950! المثقفون وثورة يوليو’ لم يتوقف كثير من المثقفين المصريين، الذين نستشهد بهم في هذا المقال، عن الانغماس في أدغال السياسة الخطرة بعد رحيل الملك فاروق وزبانيته، فمع سيطرة الضباط على السلطة في 23 تموز/يوليو عام 1952 انبرى عدد من المبدعين، خاصة الشباب، للدفاع عن عصافير الديمقراطية التي نحرها العسكر بحجة فساد الأحزاب السياسية التي كانت قائمة قبل أن ينتفض هؤلاء العسكر لإسقاط الملك ونظامه السياسي. صحيح أن ذئاب الفساد كانت قد تسللت إلى مقرات هذه الأحزاب منذ زمن بعيد، إلا أن الحل لم يكن أبداً في إغلاق هذه المقرات وتشريد عصافير الديمقراطية، بل في تنظيفها ومطاردة االذئاب الفاسدة، وهكذا جرجر الضباط الروائي الكبير إحسان عبد القدوس إلى السجن عندما كتب محتجاً على بعض قرارات النظام العسكري الجديد. كما استضافت معتقلات عبد الناصر، على فترات مختلفة، كوكبة معتبرة من مبدعي مصر العظام نذكر منهم يوسف إدريس ومحمود أمين العالم وشاعر العامية الفذ فؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي والفنان التشكيلي حسن فؤاد وغيرهم كثير.
لا يغيب عن بالك بطبيعة الحال أن العدد الأكبر من المثقفين الذين سلب نظام يوليو حريتهم، بأن ألقاهم في غياهب السجون، كانوا قد انضموا إلى تنظيمات سياسية سرية يجرّمها القانون نظراً لغياب الديمقراطية بمعناها الواسع، إلا أن ذلك لا يحرمهم شرف الانخراط في العمل السياسي المباشر بحثاً عن وسيلة أكثر نجاعة تحقق لهم أحلامهم في إقامة مجتمع ينعم فيه الناس بالعدل والحرية. ‘ كاتب من مصر