تداخل بين الحرب الأهلية السورية والعراق… صراع لا يحترم الحدود ويلغي «سايكس ـ بيكو»

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: اعتبرت صحيفة «الغارديان» البريطانية سقوط مدينة الموصل يوم الإثنين الماضي بيد المقاتلين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) بأنها «ضربة لأي أمل بتعافي الدولة العراقية الضعيفة، ولنشوء حكومة عراقية مستقرة وممثلة للجميع».
وترى الصحيفة إن انتصار داعش يمثل انتصارا للطائفية، أي من ناحية إنها انتصار لفصيل سني متطرف، وحضرت له حكومة طائفية في بغداد من ناحية أخرى. وعبرت الصحيفة عن مخاوفها من اندلاع حرب أهلية شاملة تعمق الخلاف السني ـ الشيعي الذي يقسم دول الشرق الأوسط. وأضافت الصحيفة أن العراق في ظل حكم رئيس الوزراء غير المتنور نوري المالكي، «رجل قصير النظر وضيق العقل» كان مؤلف هذه المأساة. فمنذ توليه السلطة عام 2006 لم يستطع المالكي أن يكون رجلا وطنيا كما يجب أن يكون الحال، وبدلا من ذلك كرس نفسه ووقته لتعزيز قاعدته الشيعية، من خلال التخلص من منافسيه أو إضعافهم واستبعد السنة من السلطة السياسية.
وظهر هذا الإستبعاد واضحا بعد عام 2010 عندما ذهبوا جماعات لصناديق الإقتراع وانتخبوا قائمة طويلة من الممثلين ليكتشفوا أن هذا لم يمنحهم صوتا في الحكومة.
وفي الوقت الذي لم يتم الكشف عن التحالف الحكومي القادم لكن ليس لدى السنة أدنى شك من أن نفس الأشكال ستتكرر.
فقد شاهدوا عددا من القادة السنة وهم يدفعون خارج الحكم بناء على اتهامات غير صحيحة من التورط في الإرهاب.
وكانت نتيجة هذه مرارة خاصة في إقليمي الأنبار ونينوى اللذان قادا الإحتجاج ضد الحكومة، واختارت الأخيرة تجاهل مطالبهم أو قمعهم.

بلادة وضيق نظر
وفتحت سياسات المالكي كما ترى «الغارديان» الباب واسعا أمام داعش التنظيم الذي حل محل القاعدة ليصبح من أقوى الجماعات الجهادية وأكثر نشاطا في العالم.
ويعمل داعش بدون أي معوقات في مناطق واسعة من غرب العراق وشرق سوريا، ويتمتع التنظيم ولوقت طويل بتأثير في الموصل حيث كان يغتال الساسة الذين يعارضونه ويفرض الضرائب على التجار.
وتعتقد الصحيفة أن تحول التنظيم من العمل السري للعمل العلني والسيطرة على المناطق يعتبر تحولا مهما لأنه يشكل تحد لبغداد وسلطاتها، خاصة أن داعش سيطر على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات بما فيها مروحيات وملايين الدنانير العراقية من البنك المركزي في الموصل.
فالتنظيم مستعد للمواجهة لكنه قد لا ينتصر، لأن المالكي الداهية تكتيكيا والبليد استراتيجيا، قد يستخدم الأزمة لصالحه ويقدم نفسه بأنه رجل الساعة ويحصل على رئاسة الوزراء التي ضمنها ولكنه لم يحصل عليها بعد.
وقد تحاول الحكومة استعادة الموصل بالقوة مما سيضع الجيش المكون من الشيعة في الغالب ضد السنة، وعملية كهذه إن تم فيها استخدام الطيران والدبابات ضد المناطق المدنية فقد تؤدي إلى تعبيد الطريق للحرب الأهلية.
وتعتقد الصحيفة أن الطريقة الوحيدة لحل الأزمة هو إقناع الحكومة العراقية بتغيير طريقة حكمها الطائفية التي تحكم بها العراق في السنوات الماضية، ولكن إقناع المالكي بهذا هو أمر آخر. وينظر للتطورات في العراق باعتبارها تحد لمقولة الإدارة الأمريكية «العراق أقل عنفا» اليوم.

مخاطر جسيمة
وترى صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في احتلال الموصل والتطورات الجديدة في العراق خطرا على حلفاء أمريكا في المنطقة: إسرائيل، تركيا، الأردن وحكومة إقليم كردستان، مشيرة أيضا إلى أن فكرة نشوء منطقة آمنة للمتطرفين تمثل أيضا تهديدا عظيما على المصالح الأمريكية، خاصة في حالة انضمام العراق للحرب الأهلية السورية. وانتقدت الصحيفة الرئيس باراك أوباما الذي ظل يؤكد على أهمية ما عمله «لإنهاء الحروب»، «وفي الحقيقة، كان يسحب القوات الأمريكية من الحروب التي لم تنته بعد، مما يجعل من الصعوبة بمكان الحفاظ على هذا الزعم».
وحذرت من إمكانية قيام كيان إسلامي في مناطق شمال العراق وسوريا حيث سيصبح مركز جذب للمقاتلين من دول العالم بما فيها أمريكا.
وقالت إن سحب القوات الأمريكية من العراق هو وصفة للفوضى وعدم الإستقرار.
وتعلق على كلام أوباما في «ويست بوينت» الذي جاء فيه «ليس كل مشكلة لها حل عسكري»، «هذا صحيح، لأن هدف السياسة الأمريكية هو العمل على تشكيل الأحداث كي لا نضطر للحل العسكري، فقد ساعد وجود القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية على تحقيق السلام لأكثر من نصف قرن». ومن هنا تطالب الصحيفة إدارة أوباما بالواقع الحالي في المنطقة العربية المليئة بالمشاكل والقيام برسم استراتيجية تبتعد عن شعار «إنهاء الحرب بطريقة مسؤولة»». وكشفت في هذا السياق صحيفة «نيويورك تايمز» تردد إدارة أوباما في الرد على مطالب الحكومة العراقية تزويدها بالخبرة للقيام بغارات بدون طيار أو تولي المهمة.

رفض متكرر
ففي الشهر الماضي تقدم رئيس الحكومة العراقية بطلب سري لإدارة أوباما عرض عليها القيام بهجمات جوية ضد مواقع داعش.
ولم يستجب البيت الأبيض للطلب حيث كانت الإدارة مترددة في فتح فصل جديد للنزاع الذي أكد أوباما أنه أغلق بخروج القوات الأمريكية من العراق عام 2011. وترى الصحيفة أن سقوط الموصل السريع وهروب الجيش العراقي أظهر الكيفية التي يتلاقى فيها النزاع السوري والعراقي حيث تحولا لتمرد إقليمي واسع يقوم فيه المقاتلون بالتنقل بحرية بين البلدين، وكشفت في الوقت نفسه عن القيود التي يضعها البيت الأبيض على استخدام القوة الأمريكية في الخارج. ورفضت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي برناديت ميهان التعليق على طلب المالكي قائلة «لا نريد الدخول في تفاصيل نقاشاتنا الدبلوماسية».
وتذكر الصحيفة أن أمريكا استخدمت وبشكل متكرر طائرات بدون طيار «درون» لضرب ناشطي القاعدة في اليمن والباكستان لكن المتحدثون باسم الإدارة نفوا إمكانية استخدامها في العراق رغم التقدم الذي كان يحققه المقاتلون السنة.
وقالت الصحيفة إن وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري تحدث العام الماضي عن فكرة استخدام الطائرات الامريكية بدون طيار للرد على توسع شبكة المتشددين في العراق إلا أن المسؤولين الأمريكيين رفضوها بذريعة أنها لم تأت من المالكي نفسه.

درون
وبحلول شهر آذار/ مارس أخبر المسؤولون الامريكيون الذين زاروا بغداد برغبة القيادة العراقية استخدام القوة الجوية الأمريكية لضرب مواقع المقاتلين الجهاديين ومراكز تدريبهم ومساعدة الجيش العراقي الضعيف لمنعهم من الدخول للعراق عبر الحدود السورية.
ونقلت عن كينث بولاك، المستشار السابق في الإستخبارات الامريكية (سي أي إيه) الذي زار بغداد في آذار/ مارس «طلب المسؤولون العراقيون على أعلى المستويات طائرات بطيار وبدون طيار لتوجيه ضربات ضد معسكرات داعش في صحراء الجزيرة». وزادت المطالب العراقية مع توسع التمرد السني، ففي 11 أيار/ مايو قال المالكي لوفد دبلوماسي وللجنرال لويد أوستين، قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط أنه يرغب لو قامت أمريكا بتعليم العراقيين كيفية إدارة طائرات «درون»، وفي حالة الرفض، عبر المالكي عن استعداده للسماح للطائرات الأمريكية العمل داخل العراق. وعاد المالكي وكرر الطلب في مكالمة هاتفية له مع نائب الرئيس جوزيف بايدين في 16 أيار/مايو، وبعد ذلك تقدم المالكي بطلب مكتوب. ويقول خبراء إن عملا عسكريا أمريكيا كان مفيدا لو اتخذ المالكي الخطوات لجعل حكومته أكثر شمولا. ويقول بولوك «كان العمل العسكري في العراق إيجابيا لو كان مشروطا بتغيير المالكي سلوكه داخل النظام السياسي العراقي»، و»كان عليه جلب السنة مرة أخرى والموافقة على تقليل سلطاته التنفيذية وإصلاح القوى الأمنية العراقية». لكن الإدارة الأمريكية المحت أنها ليست مهتمة بتدخل عسكري مباشر.
وترى الصحيفة ان الإدارة الأمريكية لم تتوقع تدهور الأوضاع في العراق عندما انسحبت منه في عام 2011، وبحسب نائب مستشار الأمن القومي أنتوني بلينكين «فالعراق أقل عنفا اليوم»، ويصر الأمريكيون على أن النزاع منذ البداية هو سياسي وليس عسكري، ففشل المالكي من ضم السنة للحكومة زاد من الإنقسام الطائفي. وفي الوقت نفسه يرى المسؤولون الأمريكيون ان المتشددين الإسلاميين يمثلون تهديدا عسكريا للقوات العراقية. وتواجه معركة مع داعش الممتدة على طول الاراضي السورية والعراقية، وبحسب المبعوث الدولي السابق الأخضر الإبراهيمي «عندما ذهبت لبغداد أخبروني أن كل 100 عملية ينفذها داعش في سوريا ينفذ 1000 مثلها في العراق».

دعم محلي
ولا يزال التقدم السريع الذي حققته داعش منذ يوم الإثنين الماضي مثارا للدهشة، وهو مرتبط بالدرجة الأولى بانهيار الجيش العراقي لكن صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» تساءلت إن حصل مقاتلو داعش على دعم محلي.
وكتب مراسل الصحيفة دان ميرفي أن انتصار داعش يعتبر لحظة مهمة ودليل على أنه لا يمكن تجاهل التنظيم هذا باعتباره مجموعة من المقاتلين المتفرقين والذين كانوا قادرين على تثبيت أقدامهم في سوريا ولكنهم لا يستطيعون مواجهة القوات العراقية. ويرى ريتشارد سبنسر ان نجاح داعش في الموصل راجع لقدرة التنظيم الدعائية والإعلامية في سوريا. ويقول سبنسر إن التنظيم على خلاف سوريا كان حذرا في تعامله مع السكان المحليين وحاول استثمار غضب السكان على الحكومة الطائفية التي يتسيدها الشيعة.
ويرى سبنسر أن نجاح داعش في السيطرة على الفلوجة والرمادي قبل أشهر لم يكن ليتحقق بدون دعم محلي ملمحا أن دخول الموصل تم بدعم محلي.
وتشير شهادات جمعتها «واشنطن بوست» من سكان الموصل إلى ترحيب بعضهم بداعش، فبحسب كثير سعيد (48 عاما) قال إنه شعر بالنشوة لهزيمة الجيش وأنه ترك الموصل خشية من قصف الحكومة الأحياء المدنية، أما أبو محمد (50) فيقول إنه غادر الموصل لمرض والده «داعش جاء ليحرر السكان من الحكومة الطائفية الظالمة».

هل يصل لبغداد؟
ويقول باحثون أن سيطرة داعش على مدن وأراض غير من طبيعة المشكلة فلم تعد مشكلة إرهاب كما تقول جيسكا لويس من مركز دراسات الحرب بواشنطن «هذا هو جيش يزحف في العراق وسوريا ويقوم بالسيطرة على مناطق».
ونقلت مجلة «تايم» عن لويس قولها «نستخدم كلمة إحاطة» للحديث عن تقدم داعش «لديه حكومة ظل في داخل وخارج بغداد ولديه أهداف وطموحات للحكم، ولا أعرف إن كانت لديهم نية لحكم بغداد أو انهم يريدون تدمير مؤسسات الدولة العراقية، وأيا كان الحال فالنتيجة ستكون كارثية».
ويصف مسؤولون أمنيون وعسكريون أمريكيون داعش بأن لديه قيادة عسكرية متقدمة وتسلسل قيادي وآلية تواصل محكمة، ولديهم تمويل جيد، ولا ينقصهم المقاتلون، ليس من المقاتلين الأجانب ولكن المحررين من السجون، ويتفوقون على الجيش العراقي باتقانهم حرب العصابات. ورغم كل هذا فلا يعرف إن كان داعش سيتقدم نحو بغداد.
وفي تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» عن راؤول الكالا، وهو مستشار سابق لمجلس الأمن القومي قوله إن بغداد ليست بعيدة عن المخاطر، مع أن قوات داعش تواجه مقاومة كلما توغلت جنوبا. ويرى تحليل لمركز دراسات الحرب أن المقاتلين الزاحفين من الشمال قد يتواصلون مع زملائهم حول العاصمة ويشكلون تهديدا على العاصمة. ونقلت عن مواطن غربي مقيم في بغداد قوله إن هناك شعور بالخطر يتزايد وقامت بعض الشركات بإجلاء موظفيها كإجراء احترازي.
وهناك من يريد الخروج ولكنه لا يعرف أين فالطريق لكردستان غير آمن وسوريا غير آمنة» حسب نديم مجيد.

كابوس عراقي
ويعتقد باحثون أن الأزمة العراقية بدأت قبل عقد من الزمان، فبحسب توماس ريكس، مراسل واشنطن بوست في العراق ومؤلف كتاب «مهزلة» «أعتقد أن الغزو الأمريكي زعزع ميزان العراق والشرق الأوسط» مضيفا لمجلة «تايم» «فبإخراج السنة من السلطة في بغداد، زادت أمريكا من تأثير إيران في البلد مما أدى لردة فعل سنية، وبشكل أوسع، اعتقد أننا نشهد إعادة رسم خريطة المنطقة، ويقوم بها هذه المرة سكان المنطقة وليس الدبلوماسيون الفرنسيون والبريطانيون».
ومهما ستنجلي عنه الأحداث فالعراق يعيش كما تقول صحيفة «فايننشال تايمز»، «كابوسا» لأن الإنتصارات التي حققها الجهاديون تمزق البلاد وقالت «إن السهولة التي استطاعت فيها عصابة مسلحة بأسلحة ثقيلة، ويرتدون القمصان السود ويحملون رايات الجهاد، وسيطروا على الموصل ثاني أكبر المدن العراقية يجب أن ترسل رعشة في عظام العالم، إنه كابو س استراتيجي لأفغانستان جديدة في قلب الشرق الأوسط».
وقالت إن سقوط الموصل يطرح أسئلة حول إمكانية بقاء العراق بلد موحدا. وترى الصحيفة أن الفصل الأخير من التراجع المأساوي العراقي بدأ العام الماضي عندما فتحت عملية التطهير التي قام بها المالكي للقادة السنة الباب أمام عودة القوى الجهادية التي طردت من البلاد عبر تحالف سني- أمريكي قبل خمسة أعوام.
ولكن داعش عاد قبل ستة أشهر للانبار بوتقة التمرد السني واستعادت قواته الفلوجة، وفشلت قوات المالكي بإخراجهم منها. وتقول الصحيفة إن الحرب في سوريا أسهمت في الاحداث لكن المناطق الحدودية ومنطقة الجزيرة بين دجلة والفرات تحولت لأمارة جهادية لأن المقاتلين السنة في شرق سوريا ارتبطوا مع السنة العراقيين المهمشين في غرب العراق، فالقبائل السنية التي رفضت داعش وبروزها الجديد غاضبة على المالكي وفشله في تقديم الخدمات الرئيسية وتصميمه على إسكاتهم.
وترى الصحيفة ان العراق يقف على اعتاب التفكك الطائفي لأنه فقد اي حس بالسرد الوطني، القصة الجامعة.
وتعتقد أن العراق بعد عشرة أعوام من الغزو الأمريكي بحاجة لحكومة وحدة وطنية تجمع السنة والشيعة والأكراد وتكون بديلا عن أيديولوجية الدم الجهادية التي أسهم المالكي بإحيائها نتيجة لأخطائه التي لم تأخذ اعتبارا لأحد.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية