د. خليفة قرطي يحل على العرب عام آخر يضاف إلى الأعوام السابقة، ولا جديد عند العرب يفتح أمامهم أفقا ما للأمل، هو رقم آخر وفقط، لا يعني شيئا كثيرا، بل إنه خطوة عملاقة في طريق التدحرج نحو الهاوية. عليّ أن أستدرك أيها السادة، كيف لا يكون في هذا العام أي جديد على العرب وهو عام بدايــــة تفتيـــت أكبر بلد عربي؟ كيف لا يكون فيه جديد وهو الذي سيشهد آخر تفاصيل التنازل عن قضية العرب الأولى، وإهداء فلسطين إلى الصهاينة بمفاوضات أزلية وانبطاحات لا تنتهي واستجداء لوسيط يصرخ للعرب في السر والعلن، انه صهيوني الهوى؟ وكيف لا يكون في هذا العام جديد وملامح التفتيت والتشتيت المذهبي والطائفي تلوح في سماء لبنان ومصر والعراق؟ ومن يدري ربما في مملكة آل سعود واليمن؟ لا.. إن كل هذا الجديد يدفعني إلى الاستدراك، بل والاعتذار من العرب الذين يتهمون بأنهم لا يصنعون التاريخ المعاصر، فلننظر في أحداث العالم كله من العام المنصرم إلى الأعوام الخمسين السابقة: من كان يصنع التاريخ في هذا العصر؟ أوليس العرب.. كم مر علينا من يوم أو ساعة أو ثانية لم تزهق فيها روح عربية أو إسلامية على أيدي (أصدقاء تربطنا معهم أحلاف وأعلاف) أو معادية نمد إليها أيدينا وأرجلنا نتسول منها استسلاما ترفضه وتزداد ازدراء لنا وعدوانية وقتلا.كم لحظة مرت من عمرنا في العام المنصرم لم يقتد فيها مقاوم أو من لديه نية المقاومة والرفض إلى السجون والمعتقلات مكبلا بأغلال هذه الجهات المعادية أو أجهزة الأمن الوطنية التي باتت تتحالف، بل تلح على التعاون مع العدو لتصفية حساباتها مع الأصوات المقاومة خدمة لراحة السلطان العربي، الذي يبدو أن مفردة ‘المقاومة’ أسقطت من قاموسه، كما تغيرت عنده معاني مفردات أخرى من قبيل ‘العمالة’ و’الخيانة’.. لقد باتت العمالة عند هذا السلطان مجانية وخدمة لنفسه قبل عدوه، عندما تحولت الشعوب إلى أعباء على حكامها، بل أعداء حقيقيين.كم لحظة مرت من العام المنصرم، وستمر حتما من العام الجديد، من دون أن تنهب ثروات العرب وتهرب في السر والعلن نفطا ودولارات وذهبا وقمحا وزيتونا، وعرقا وأوجاعا وحبا للأوطان؟ وكلما جاء عام تصاعدت في بلاد العرب حمى التنقيب عن النفط والغاز، وأعلن عن اكتشاف حقول جديدة يقدر مخزونها بالملايين والبلايين، وتتفتح شهية الناهبين والمهـــربين من الداخل والخارج، فكلما ازدادت الثروة ازداد العرب بؤسا وفقرا واحتــــقارا، حتى بات الخيرون يدعون الله، في السر والعلن، أن يجفــــف كل الحقول عسى أن نغيب عاما واحدا عن المشهد العالمي، وأن نحتفظ ببلد آخر كاملا ليس مرشحا للتفتيت أو الغزو. فلا خير في نفط وغاز يجوع به الحكام شعوبهم ويبيعون به أوطانهم وكرامتهم وأعراضهم . وستمر في هذا العام والأعوام المقبلة لحظات أخرى مشابهة يحدث فيها في بلاد العرب كل ذلك، بل أسوأ من ذلك، والمرجع في هذا الاستمرار في نهج التآمر على الشعوب والاستجداء والخيانة والمزيد من التنازل والانبطاح. ربما سيستعين بعض الحكام العرب بأمريكا وإسرائيل، أكثر من ذي قبل، للتخلص مما تبقى من الخصوم المشاكسين أو المهادنين، على حد سواء، وسيتزاحمون أمام سفارات البلدين الرسمية وغير الرسمية للإدلاء بمزيد من النصح و’العمالة’ التي لن تجد مستقبلا ‘ويكيليكس’ آخر يفضحها، فقد كان هذا الذي انبثـــق في العام المنصرم أول الويكيليكسات وآخرها .وستمر على العرب في هذا العام والعام المقبل لحظات أقسى وأمر، فالأنظمة العربية تعشق الاحتكار بطبعها ستعمل، لا محالة، على احتكار العمالة، ومن أجل ذلك ترى في كل قوة غير عربية ناهضة تهديدا لوجودها ووظيفتها التي تؤمن لها البقاء والاستمرار، وجريا على مبدأ احتكار العمالة ستطلب من أمريكا وإسرائيل ضرب أعداء إسرائيل من فرس وترك، وحتى روم إن هم هموا بما يهم به الأتراك والإيرانيون. وفي هذا فإن حكام العرب أصحاب أفعال لا أقوال، وستتبين أمريكا وإسرائيل، في ما لو لبتا لحكام العرب أحلامهم، كم ستكون تلك الأفعال مغدقة بما لا يحصى من ثروات العرب المنهوبة والمهربة.ستستمر قصة العشق العذري وغير العذري بين حكام العرب وأمريكا، وقد لا يكون هذا العام آخر فصولها، إنها قصة أزلية، في ما يبدو، لا تنتهي بموت زعيم، بل هي محكومة بقانون الميراث، وللحاكم الوارث الميراث كله، فهو ليس قابلا للمرابعة أو المثالثة أو المناصفة. سيرث اللاحقون من أسلافهم السلطة والتسلط والعمالة لأمريكا وإسرائيل.. وبالمقابل فإن نقائض الأعراب مستمرة أيضا، هذا العام قد يتحول بعضهم إلى المجاهرة بأن المقاومة المسلحة في فلسطين ولبنان والعراق إرهاب، وسيضاعفون جهودهم بأن يكونوا يد أمريكا وإسرائيل الأولى في محاربتها، أكثر مما يفعلون اليوم من حصار لهذه المقاومة وتضييق وتجويع وتآمر.وعلى المستوى الاقتصادي سيستمر تدفق النفط، وهيهات أن يكون النفط من منظور حكامنا نقمة، وسيستمر معه تدفق مليارات الدولارات على خزائن تجار الأسلحة في أمريكا وسائر البلاد التي تستثمر في الدماء العربية والمسلمة، ترصد لحروب يستعجلون اندلاعها في منطقتهم وليسوا بقادرين على حسمها.. ونسأل الله أن لا يستمع إليهم الأمريكيون والإسرائيليون الذين هم أخوف على أنفسهم ومستقبلهم وشعوبهم من رؤساء القبائل الأعرابية… تركيا ليست قبيلة، كما قالها أردوغان، وإيران ليست قبيلة كذلك، كما تحتدم في صدر أحمدي نجاد ويتحاشى قولها أمام أعراب يبحثون عن مبرر لقرع طبول الفتنة المذهبية والعرقية.ولأن الزعماء في هاتين الأمتين لا يتصرفون من منطلق رئيس القبيلة، وإنما ينظرون إلى مصالح شعوبهم ويخططون بحكمة وبعد نظر، فإن تهديدات أمريكا وإسرائيل لن تكون إلا صرخات في قاع سحيق، ذلك لأن الزعماء في الأمتين لا يستجدون أمريكا ولا يركعون لها خوفا وطمعا، وإنما يتعاطون معها بندية من يثق في قدراته المستمدة من إرادة شعبه… هذا العام أيضا سيستمر حكامنا في إبداء الخوف من (المد الشيعي وعودة الخلافة العثمانية)، وكأن الشيعة قوم دخلاء على الإسلام، أو كأن هؤلاء الخائفين سنيون جدا يخافون زوال مذهبهم قبل زوال كراسيهم، سيستمر الصراخ، لكن أمريكا لم تعد تسمع، ولن ترسل إلى (الخطر الإيراني) بوارجها وجنودها للدفاع عن عروش حلفائها من أعراب المنطقة، أمريكا حفظت درسي العراق وأفغانستان، وستسعى جاهدة للحد من قدرات إيران العسكرية والعلمية وتجربتها الديمقراطية، لكنها ستوكل هذه المهمة لحلفائها في الخليج، ومن أجل ذلك هي تسارع إلى سلبهم أموالهم التي يحصلونها من نفط الله الذي هو نفط الشعوب مقابل أطنان من الأسلحة قد لا يتمكنون من استخدامها إذا كانت مصلحة أمريكا وإسرائيل في عدم استخدامها..فكل عام والعرب قبائل.. كل عام والعرب أسوأ. ‘ كاتب جزائري