إسرائيل هي الإدارة الأمريكية

حجم الخط
0

صحف عبريةتنطلق مؤخرا اصوات عديدة تشير الى ‘الوضع السياسي البشع’ لدولة اسرائيل. في قسم هام من التصريحات توصف سياسة الخارجية لدولة اسرائيل على الاقل في السنتين الاخيرتين كسلسلة متواصلة من الاخفاقات والتراجعات. اعلان عدد من دول امريكا الجنوبية اعترافها بدولة فلسطينية في حدود 67 يعتبر أرضا خصبة لـ ‘الدليل’ على صورة الوضع هذه.

أمام دولة اسرائيل تقف بالفعل تحديات سياسية جسيمة تنبع أساسا من شبكة العلاقات المركبة مع الادارة الامريكية. هذه التحديات والى جانبها اخفاقات ظهرت في السنتين الاخيرتين لا ينبغي ان تغطي على الانجازات الهامة التي كانت لاسرائيل في هذه الفترة حيال ادارة الرئيس اوباما. في هذا المقال سأركز على الانجازات السياسية لاسرائيل حيال الولايات المتحدة في اثناء السنتين الاخيرتين. من زاوية نظر حكومة نتنياهو فان ‘نقطة البداية في شبكة علاقاتها مع ادارة الرئيس اوباما كانت منخفضة جدا. اللقاء الاول لنتنياهو مع الرئيس اوباما (ايار/ مايو 2009) وخطاب الرئيس اوباما في جامعة القاهرة (حزيران / يونيو 2009) بَدَوا كخطوات من شأنها أن تؤدي بشبكة العلاقات بين الدولتين الى درك اسفل خطير من النواحي الاساسية التالية: 1. كان يبدو أن الادارة تسعى الى تجاهل التفاهمات التي تحققت بين حكومتي شارون واولمرت وبين ادارة الرئيس بوش في مسألة المستوطنات.2. الادارة عرضت هدفا يكاد لا يكون قابلا للتحقق الوقف التام للبناء في المستوطنات.3. هذا الهدف تلقى صورة املاء من طرف واحد من جانب الولايات المتحدة، وليس طريق عمل تحقق من خلال الحوار، كما تفترض شبكة العلاقات التي نسجت بين اسرائيل والولايات المتحدة على مدى السنين.4. المطالبة بالوقف التام للبناء في المستوطنات عبرت عن هدف يقف على نقيض تام مع الاساس الايديولوجي لحزب رئيس الوزراء وللبرنامج الذي بموجبه انتخب لقيادة الدولة. 5. الرئيس وضع بشكل صريح مؤسسة الرئاسة ومكانته الشخصية حول مسار عمل اعلن عنه على الملأ. خطاب اوباما ومطالباته التي لا لبس فيها من اسرائيل وضعت حكومة نتنياهو في مسار لا يوجد فيه ظاهرا سوى امكانيتين الواحدة اخطر من الاخرى: 1. السير في مسار الصدام مع ادارة الرئيس اوباما وهو لا يزال في ذروة قوته وذروة شعبيته، مع كل المخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها ذلك.2. قبول مطلب الرئيس والمخاطرة المحتملة في انهيار الائتلاف القائم، سقوط الحكومة بل وربما انتخابات جديدة، من الصعب معرفة نتائجها بالطبع.

رغم شروط البدء الصعبة هذه، في نهاية المطاف نجحت حكومة نتنياهو في التملص ‘بصعوبة’ من هذين الخيارين الجسيمين. فقد نجحت في توجيه مطالب الرئيس نحو حوار متواصل مع مبعوثه الى الشرق الاوسط جورج ميتشل. وفي نهاية هذا الحوار ثبتت قواعد لعب، مريحة جدا لدولة اسرائيل، تختلف بقدر كبير عن تلك التي سعت ادارة اوباما الى تثبيتها: 1. الادارة اعترفت، وان كان بنصف فم، بوجود تفاهمات سابقة بين اسرائيل والولايات المتحدة في مسألة المستوطنات، فما بالك انها عمليا جعلتها غير ذات صلة في الواقع الناشىء.2. عمليا، أخذت الادارة بموقف اسرائيل في ان تقدم المسيرة السلمية يجب أن يتم في اطار المفاوضات بين الطرفين وليس كإملاء بجهاز التحكم من بعيد.3. قبلت الادارة عمليا موقف اسرائيل في أنه يجب طرح اهداف واقعية قابلة للتحقق في مسألة المستوطنات. منظومة التفاهمات وقواعد اللعب هذه عبرت عن انجازات لا بأس بها لاسرائيل في علاقاتها مع الادارة الامريكية.

وفي السياق حاولت ادارة اوباما تطبيق تكتيك مشابه لذاك الذي وجد تعبيره في خطاب القاهرة هذه المرة في سياق تجميد البناء في شرقي القدس. وذلك في أعقاب الازمة الخطيرة التي اندلعت حول اقرار البناء في القدس في اثناء زيارة نائب الرئيس بايدن الى البلاد. في هذه الحالة ايضا نجحت حكومة نتنياهو في توجيه المطالب القاطعة من جانب الادارة، والتي وجدت تعبيرها في طريقة عرض اسئلة واجبة الاجوبة الواضحة، نحو الحوار بين الدولتين. في نهاية تداول طويل وملتوٍ مفعم بالمناكفات وليّ الاذرع، تم الايضاح للادارة بان القدس هي خط احمر من ناحية دولة اسرائيل وانه على المستوى التصريحي، خلافا للمستوى العملي، لا يمكن لاسرائيل أن تقبل مطلب تجميد البناء في عاصمتها. انعدام رد مضاد قاطع من جانب الادارة على هذه الايضاحات من اسرائيل خلق بحكم الامر الواقع تفاهما ذا اهمية سياسية كبيرة، ومريحة لاسرائيل، في مسألة مكانة القدس وحق اسرائيل في البناء فيها. ‘المعركة’ الاخيرة في الحوار بين الدولتين تركزت في بدايتها حول طلب/ مطالبة من الادارة لتجميد البناء في المستوطنات لمدة محدودة من ثلاثة اشهر. في اطار المداولات حول هذا الطلب تقرر مبدأ هام آخر في قواعد اللعب بين اسرائيل والولايات المتحدة، هو ايضا، مريح جدا لاسرائيل؛ أي، الفهم في أن طلب الادارة لمواصلة التجميد مشروط بتقديم مقابل مناسب لاسرائيل على موافقتها. وهكذا، تحطم بقدر كبير المبدأ الذي بموجبه عملت الادارة من قبل، في أن اسرائيل يفترض ان تقبل مطالبات الادارة بشكل احادي الجانب وبدون مقابل. في اثناء المداولات حول طلب الادارة بالتجميد طالبت اسرائيل بمقابل لقاء موافقتها. وعندما تبين بان الادارة غير جاهزة لاعطاء المقابل شطبت مسألة التجميد من جدول الاعمال. وعلى سبيل المناسبة وتقريبا دون ان ينتبه احد تقرر في اثناء السنتين الاخيرتين تفاهم اضافي، هام جدا في شبكة العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة: الاعتراف بانه يجب خلق فارق واضح بين مستوى شبكة العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين ومواقف الولايات المتحدة في المنظمات الدولية والمسيرة السياسية تمهيدا لتسوية مع الفلسطينيين. ووجد هذا التفاهم تعبيره في أنه على الرغم من الخلافات الصعبة بين الدولتين في سياق المسيرة السلمية، والمناكفات العلنية، تبقى بل وتتعزز العلاقة بين الدولتين على المستوى الاستراتيجي. فضلا عن ذلك حرصت الولايات المتحدة في اثناء السنتين الاخيرتين على اظهار دعم مثير للانطباع لاسرائيل حيال هجمات قاسية ضدها في الساحة الدولية. هذه صورة وضع لم تكن دوما سائدة في الماضي، ولا شك انها تعطي تعبيرا عن انجاز سياسي هام لاسرائيل، على الاقل حاليا. وأخيرا، في خطابها الاخير امام منتدى سبان عبرت وزيرة الخارجية الامريكية جزئيا بشكل تلميحي وفي جزء آخر اكثر صراحة عن استعداد الادارة للاقتراب من اسرائيل في جزء من المطالب التي تعرضها في مجال المسيرة السلمية. في هذا الاطار اوضحت الولايات المتحدة بشكل واضح للغاية بان تسوية اسرائيلية فلسطينية يجب أن تؤدي الى النهاية التامة للنزاع بين الطرفين ‘مرة واحدة والى الابد’. معنى الامر هو أن الادارة قبلت، وان كان بشكل غامض، مطالبة رئيس الوزراء في أنه بعد تحقيق التسوية لن يكون مكان لمزيد من المطالبات من جانب الطرف الفلسطيني من دولة اسرائيل. كما أوضحت كلينتون بان الادارة تقبل موقف اسرائيل في ان دولة اسرائيل هي دولة الشعب اليهودي وان هناك صلة تاريخية دينية واضحة بين الشعب اليهودي وبلاد اسرائيل. وأخيرا، عبرت وزيرة الخارجية عن الحاجة لاسناد التسوية الاسرائيلية الفلسطينية بتسوية اسرائيلية عربية ذات طابع اقليمي شامل، يتضمن ايضا بعد التطبيع كما تطالب اسرائيل منذ سنين. هذا ايضا هو موقف قادته القيادة في اسرائيل في السنوات الاخيرة. وختاما، فان صورة الوضع التي طرحت اعلاه تشير الى أنه في هذه المرحلة على الاقل نجحت دولة اسرائيل في أن تناور جيدا داخل واقع معقد مليء بالالغام القابلة للانفجار، والامتناع عن تحطيم الاواني. فضلا عن ذلك، يجدر الايضاح بانه في علاقات الدولتين لا تزال هناك خلافات سياسية شديدة وفوارق كبيرة. انجازات حكومة اسرائيل ليست ثابتة بشكل متين بعد بحيث لا يمكن ان تتضعضع. وهي بصراحة لا مرد لها. صورة الوضع هذه يمكن ان تتغير دفعة واحدة اذا ما قرر الرئيس اوباما ان يأخذ على عاتقه المعالجة في تحقيق التسوية ومطالبة اسرائيل في أن تودع في يده ‘وديعة’ وفيها ايضاحات صريحة ومفصلة لمواقفها في المسائل الجوهرية، ولا سيما حدود الدولة، مسألة اللاجئين ومكانة القدس. هذه الامكانية معقولة بالتأكيد، وحسناً تفعل حكومة اسرائيل اذا ما استعدت لها في أقرب وقت ممكن.

نظرة عليا 6/1/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية