مالك التريكي
للعلوم وتطبيقاتها العملية، خاصة في شكلها التكنولوجي، أهمية قصوى في تحقيق التقدم البشري. كما أن للثروات الطبيعية دورا هاما، يمكن أن يكون في بعض الحالات حاسما، في تحديد مدى قدرة الأمم على النهوض والارتقاء بمستوى معيشتها. ولا حاجة بالمرء لأن يكون ماركسيا حتى يعتقد أن الاقتصاد هو التعبير المركّز عن السياسة وأن ‘المسألة الاجتماعية’، أي مسألة التقاسم الأعدل للثروة والسلطة وما تستوجبه من تدافع أو صراع بين مختلف الفئات الاجتماعية، هي المحرك الفعلي للتاريخ الحديث. إلا أنه يبقى أن الأهم من العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والمسألة الاجتماعية في تحديد ‘ثروة الأمم’ وتحريك التاريخ أو تعطيله هي: الأفكار. نعم، الأفكار التي يحملها الفرد أو الفئة أو المجتمع أو النظام السياسي. ولعل الأفكار التي يحملها الفرد هي الأهم: الأفكار التي يفسر بها الشخص العادي العالم الطبيعي والإنساني. الأفكار التي تحث على الفعل الوجودي أو الاجتماعي أو تثني عنه. الأفكار التي يعيش المرء بمقتضاها وقد يبلغ به الأمر درجة الاستعداد للموت من أجلها. لكن إذا كان من الأفكار والقضايا ما يستحق الاستعداد للجهاد حتى الاستشهاد، فإن من الصحيح أيضا أن من مهالك الأمم أن يكون شبابها مستعدا للموت من أجل أفكار وقضايا يكون الدفاع عنها بالاستمرار في الحياة أنجع وأحكم وأقوم. إلا أن ما تعانيه شعوبنا العربية منذ أكثر من عقدين هو أدهى وأنكى من إطفاء الذات بالانتحار المجاني. إذ إن القطاع الذي تخصص فيه أقوام من المحسوبين على العرب ‘المسلمين’ هو قطاع القتل الجماعي المفتوح على الانتحار الفردي احتمالا أو ضرورة، وسيلة أو غاية، بحسب ما تقرره أفكار هؤلاء الأخيار. قتل إجرامي لا يرقى حتى إلى مستوى القتل المافيوزي. فلا سببية هنا ولا تناسبية. قتل أعمى أصم يبدو عدميا لبقية البشرية. لكنه يبدو قتلا منطقيا وبطوليا لمنفذيه وللمنظرين العقائديين الذين غسلوا أدمغتهم بهاتيك ‘الأفكار’. أفكار إطلاقية ليست الحياة سوى مناسبة لقتل الآخرين من أجل إثبات جدارتها بالمطلق وجدارة المجرمين بها وبوعودها. من الأفكار ما يعطل العقل. وعندما يفعل الزمن فعله تصبح هذه الأفكار ‘عقلية’ تنوب عن العقل. أي ذهنية تمنع التفكير. فالفكرة الشائعة عند بعض قبائل شعوب إفريقيا الغربية، مثلا، أن النظافة عيب لأنها من قبيل التشبه بالأجنبي الأبيض. حتى أن عمال منظمات الإغاثة والعون الطبي لا يزالون يلقون عنتا وهم يحاولون إفهام الأهالي في تلك الربوع أن النظافة والماء الطاهر شرط ضروري لجسم سليم وحياة صحية. تماما كما يجدون صعوبة في إقناع النساء بأن حبوب منع الحمل لا تؤدي إلى العقم. ولذلك تجد أن النيجر مثلا، حيث وقعت العام الماضي أخطر أزمة غذائية في الساحل الإفريقي، هي البلاد الأولى في العالم من حيث نسبة التكاثر السكاني.
من الأفكار ما يعطل العقل. ففكرة ‘الأمن’ المهيمنة على كيان النظام السياسي العربي، مثلا، هي نموذج الفكرة المانعة للفكر، النافية للفعل السياسي والتنموي الرشيد. لأنها فكرة نابتة نبتا بريا في غابة الخوف. خوف الأنظمة من الشعوب. إذ ليس كل هذا ‘الأمن’ وليد العزم أو الحزم. بل هو وليد الخوف. وعندما يفعل الزمن فعله يصبح هذا الخوف ثقافة. فيزيد الخوف كلما زاد القمع. ليس كل هذا ‘الامن’ الغزير عنوانا للأمان. بل هو عنوان للهوان. هوان الأوطان على أنظمتها. وهوان الأنظمة على سادتها من الأمريكيين والإسرائيليين وما تيسر من الأوروبيين المتحدين القابلين منذ عقود (إذ لم تفعل إيديولوجيا ‘مكافحة الإرهاب’ سوى تعزيز موقف قديم) بأن يعيث النظام العربي في أرضه أمنا لا يبقي ولا يذر… وبأن يقضي، بـ’الأمن’، على الثلثين الفاسدين من ‘الرعية’ بعد أن ثبت بالدليل العلمي ورجح بالنص التراثي أن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذ الثلث الباقي. الثلث الصالح. الثلث الحكومي الصالح الذي تحول الشعوب الطالحة بينه وبين ما يخطط له من المجد القومي ويتحرّق له من السؤدد الحضاري.