الدماء والمجازر بديلا للانتخابات والديمقراطيةد. خليفة قرطي كيف سيحل الحادي عشر من كانون الثاني/يناير على الجزائريين هذه السنة؟ يبدو أن الظروف هذا العام مختلفة عما عهده الجزائريون في السنوات التسع عشرة المنصرمة، منذ أن شهدوا يوم الحادي عشر من يناير لأول مرة. سيحل هذا اليوم على الجزائريين وهم في قمة الغضب والثورة على الأوضاع الاجتماعية، التي لم تصلح معها عشرات المليارات من الدولارات المكدسة.. ثورة لم يفجرها سوى تراكم ممارسات سياسية وبيروقراطية تحاول الإمساك بكل شيء والمضي في استراتيجية الحرمان والاحتكار.
والحادي عشر من يناير في الجزائر، أيها العرب، هو تاريخ العدول عن المسار الانتخابي الديمقراطي الذي جرى في أواخر العام 1991، وأجهض في 11 يناير من العام 1992، بعدما حقق فيه الإسلاميون فوزا كاسحا ارتعدت له فرائص القابضين على السلطة منذ رحيل الفرنسيين عن الجزائر العام 1962. فقرروا التدخل بكل الوسائل المتاحة أمامهم، وما أكثرها، لحرمان الفائزين من حقهم الدستوري والقانوني بدعوى استباق ‘النوايا السيئة’ التي كان يبيتها الإسلاميون لأجهزة النظام في حالة إمساكهم بزمام السلطة.
كان هذا التاريخ بداية الدخول في دهاليز ومتاهات لم يكن أحد يعلم أمد الخروج منها، وجيء بأحد رموز الثورة التحريرية الراحل محمد بوضياف، ووضع على رأس هرم السلطة الجديدة المكون آنذاك من شخصيات معروفة بقناعاتها الفرنكفونية التغريبية المعادية للتيار العروبي الإسلامي بالجزائر، وأزيح رئيس الجمهورية المنتخب الشاذلي بن جديد من منصبه، وقدمت تلك الإزاحة على أنها استقالة، وانخرطت السلطة الجديدة في حرب ضروس ضد الفائزين في الانتخابات وأنصارهم وذويهم قتلا وتنكيلا واعتقالا، وأقيمت لهم محتشدات في الصحراء افتقدوا فيها لأبسط حقوق الإنسان، والحجة التي كان يرفعها الممسكون بزمام السلطة آنذاك هي محاربة الإرهاب الذي كانت عناصر إسلامية قد بدأته، حسب جنرال تلك المرحلة، في منطقة قمار من ولاية الوادي الجنوبية.
ودخلت الجزائر مرحلة من العنف الأعمى والدماء والاغتيالات السياسية التي استهدفت قادة سياسيين ونقابيين ومثقفين وإطارات وصحافيين، وبدأت هذه الموجة باغتيال محمد بوضياف نفسه أياما قبيل الاحتفال بذكرى الاستقلال، وانتقل العنف من طرفين متقاتلين على السلطة ليطال المواطنين الأبرياء وممتلكاتهم، ثم جاءت مرحلة المجازر الجماعية التي كان يذبح فيها المئات دفعة واحدة، كان معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ.. ومن بقي حيا من سكان حي الريس وحي بن طلحة بضواحي العاصمة يشهد على هذا. وإذا كانت السلطات الرسمية تتحاشى تقديم رقم بعدد الضحايا الحقيقيين الذين حصدتهم آلة الموت والتقتيل منذ يوم توقيف المسار الانتخابي بالجزائر، أو تجهل ذلك، فإن أكثر التقديرات تفاؤلا تشير إلى سقوط ما لا يقل عن مائة ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والنازحين عن القرى والمناطق النائية التي عششت فيها الجماعات المسلحة لسنوات. وازداد الاقتصاد الجزائري تدهورا عما كان عليه منذ منتصف الثمانينيات، وأثقل كاهل الشعب بالمديونية لتقدم الجزائر كلها هدية ثمينة لصندوق النقد الدولي الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات قاسية بحق معيشة الجزائريين ذهبت إلى حد الخصم من أجور الموظفين، ثم تغير وجه النظام في النصف الثاني من التسعينيات، لكن فلسفته وسلوكه لم يتغيرا، بل إن أكبر المجازر ارتكبت في هذه المرحلة، ودفع الجزائريون إلى اليأس والاستسلام أمام آلة القتل، حتى بات القتل من الأمور العادية، ما لم يكن عاديا أن يستيقظ الجزائريون في تلك الأيام من دون أن يفقد أحدهم ابنا أو أخا او زوجا أو جارا أو صديقا.
كانت مرحلة بوتفليقة انفراجا وأملا.. جاء الرجل صادق النوايا راغبا في الإصلاح وإيقاف حمام الدم، ونجح في مسعاه إلى حد كبير وانتعش الاقتصاد وتراكمت الثروة بفعل ارتفاع أسعار النفط، واستبشر الجزائريون بذلك خيرا وطمعوا في أن يعوضهم الله والسلطة عن سنوات العذاب التي قضوها في جحيم الإرهاب.. ولا يزالون يطمعون في ذلك حتى يئسوا هذه الأيام عندما اكتووا بنار الأسعار. لكن يبدو أن السلطات لا تحسن الاستفادة من الوضع إلى ما يعزز بقاءها ويقوي صلتها بالمواطن، إنها لا تدخر جهدا في تغذية مشاعر النقمة والغضب. وما يحدث اليوم من احتقان شعبي شبيه إلى حد بعيد بما حدث في 5 تشرين الاول/أكتوبر من العام 1988 الذي كاد يجيء بالإسلاميين إلى السلطة لولا ‘عبقرية’ جماعة فرنسا في الجزائر.
ولكن، ألا يحق لكل الجزائريين الذين عاشوا سنوات الدم والرعب التي أعقبت إيقاف المسار الانتخابي، أن يطرحوا أسئلة كثيرة اليوم وبعد سنوات: ما الهدف الذي تحقق من توقيف الانتخابات؟ ماذا ربح الشعب الجزائري من وراء ذلك؟ وبالمقابل ماذا خسر؟ ألم تكن حكمة الساسة والممسكين بالنظام تقتضي طرح مثل هذه الأسئلة قبل الإقدام على تلك الخطوة؟ الأجوبة واضحة، وهم أيضا يعرفونها، لكن يبدو أن الأجندة التي كانوا ينفذونها كانت أكبر من أن تلتفت إلى مصلحة الشعب. أعتقد أن من حق الجزائريين أن يعودوا إلى يوم الحادي عشر من يناير من كل سنة ويتخذوه يوما للنكسة الجزائرية، لأنه اليوم الذي دشن مرحلة العذاب والرعب التي استمرت سنوات، ولم يصنع هذا اليوم الفائزون في الانتخابات التشريعية، وإنما صنعه الرافضون لهم القائلون بفكرة الاستئصال؟
ألا يحق للجزائريين إثارة هذه الأسئلة في واقع سياسي لا يبدو أنه يوفر ضمانات لعدم تكرار مثل ذلك الفعل في الحادي عشر من يناير. لقد دفعنا كلنا ثمن هذا اليوم المشؤوم، كل بما قدر له، ولا يزال معظم الجزائريين ممن أدركوا المرحلة يعانون آثاره النفسية، وسيستمر ذلك معهم إلى نهاية أعمارهم، وهذه خسائر لا تعوضها الدولة، كما عوضت لبعضهم عن الخسائر المادية من مساكن وسيارات ومصانع، ألم يكن بالإمكان تفادي كل ما حدث وما يحدث؟
إن إمكانية تفادي ذلك كانت تعني المضي في المسار الانتخابي باستكمال جولته الثانية، والإقرار بنتائج الانتخابات التي أفرزتها الصناديق والاعتراف للفائزين بفوزهم، فتلك هي اللعبة الديمقراطية التي أقرتها السلطة في دستور 1989، وكان على الجميع احترامها، لكن يبدو أن جماعة 11 يناير لم تكن مقتنعة بالدستور والانتخابات ولا بالديمقراطية نفسها إذا كانت تأتي ‘بأعدائها’ في الايديولوجيا واللغة إلى سدة الحكم، وهو ما يفسر رد فعلها العنيف تجاههم. وإذا كان المضي في المسار الانتخابي ممكنا ما الذي كان سيحدث؟ لا شيء كالذي حدث في تسعينيات القرن الماضي، كان بالإمكان تفادي حمامات الدم والمجازر والرعب والإرهاب بأقل الخسائر، وكانت جماعة 11 يناير ومن يقف وراءها ستكسب كثيرا على الصعيد السياسي الداخلي والخارجي. على الأقل، كان سيسجل لها أنها احترمت قواعد الديمقراطية، وإذا ارتكب الإسلاميون أخطاء أو جرائم بعد ذلك فكانت ستنسب إليهم، وتظهر هي بمظهر المخلص المنتظر.. لكن الالتزام أمام أولياء النعمة من وراء البحر كان أكبر من أن يجعلهم يحكمون عقولهم في سلوكاتهم التي كانت وبالا على الجزائريين.
ها هو الحادي عشر من يناير يعود على الجزائر، وثمة من المشاهد ما يحيل على الوضع قبل تسع عشرة سنة، ومن الهواجس ما يكفي لخوف الجزائريين من العودة إلى مرحلة ظنوها من الماضي، لكنها لم تنس، كما لم تنس أوجاع الاستعمار الفرنسي وجرائمه بعد مضي نصف قرن على استقلال الجزائر.. فنسأل الله ألا يكون هذا اليوم شبيها بالبارحة.’ كاتب جزائري