لم تكن حرباً عادية، تلك التي واجهتها غزة في مثل هذا التاريخ من العام 2008، إنها أشبه بسيناريو ‘مصغر’ لحرب نووية قذرة، كان الفسفور الأبيض سلاحها الفتاك الذي قتل الكبار وشّوه الصغار، وكسى غزة هاشم البهية بلباس أسود، فغزة الثقافة، البسالة، الحضارة، غزة شمس الوطن، وعاشقة البحر المتوسط، تلك غزة.. العصية دائماً على الغزاة، حاضنة القادة والمناضلين، الياسر أبو عمار، والياسين، والشقاقي، وبسيسو من بين عديد الشعراء، وقبر هاشم بن عبد مناف جد الرسول محمد ما زال شاهدا على كرمها، ‘و العظيم شمشون الجبار’ لم تمنع قوته من أن تقبره غزة. غزة.. الحارات القديمة قدم الإنسان، حارة الزاوية، حارة فراس، سوق الذهب، غزة مساجد عريقة، المسجد العمري، وابن عثمان، غزة عنوان من عناوين الثقافة والتراث العربي، قصر الباشا، وقلعة برقوق، وخان الأمير يونس النوروزي، غزة تراث إسلامي ومسيحي عريق، حمام السمرة، كنيسة المخيتم البيزنطية، وموقع الشيخة لقية، وكنيسة البركة، كل شيء هنا لا أجمل من الوقوف لحظة فوق جبل المنطار لتشاهد البحر والرمال، والمنازل المتلاصقة، وليس أعظم من مشاهدة جزء من أراضينا المحتلة المجاورة لغزة ‘المجدل، وإسدود، والسبع ‘، فالمنطار.. سيبقى شاهداً على جمال وسحر هذه المدينة، والشعراء العظام لن يتوانوا أو يكلّوا عن استراق لحظات الليل ليصفوا تلك العروس المتوسطية، والفنانون المبدعون سيرسمون بألوانهم الصامتة جمال غزة، غزة هذه التي نعرفها وليس تلك التي يحاول الاحتلال أن يجعل عليها شاكلة مدينتنا، هي ستبقى دائماً منارة للعلم وزاداً للعلماء، وسيبقى بحرها رغم القذائف ناصع الزرقة، وسماؤها صافية رغم هدير الطائرات، وأطفالها سيبتسمون، ويمسحون بأيديهم على قبور أعزائهم من الشهداء، ونساؤها سيضعن الذكور والإناث ولن يرهبهن صوت الرصاص، ورجالها سيبقون هم نفس الرجال، حيث الجود والكرم لا مثيل له، والشجاعة والتضامن لا انقطاع له، ستذهب تلك الغيوم المحيطة بسماء غزة، وسيذهب الأعداء وكل شيء يؤلم غزة، ولن يبقى الانقسام طويلاً يفرق الإخوة أبناء فتح وحماس، فلا مجال للأحبة سوى المصافحة والعناق، وذكريات الحرب الفظيعة لن تغيب عن أذهاننا، وستبقى وصمة عار على جبين الأعداء والمتفرجين من عرب وعجم، غزة ستستمر، وأعداؤها رغم تربصّهم بها سيتحطمون على جدارها الحصين، بصبر وإيمان أهلها.
ستبقى غزة هي غزة بألوانها البهية.. مآذن مرتفعة، أسواق تضج بالمتسوقين، بيوت إسمنتية وأخرى صخرية أثرية، مقاه ثقافية، موالد كريمة، جامعات شامخة، حارات قديمة وأخرى جديدة، نواد، متنزهات، ملاه، أمسيات شعرية، محال لبيع الفلافل، وأخرى للحلويات العربية والنابلسية، قهوة غزاوية، ضجيج لا ينقطع من صوت الناس والسيارات والدراجات النارية.. هي فعلاً تسحرني غزة.
محمود رمضان أبو الهنود