تونس: بن علي يلقي خطاب ‘العصا والجزرة’ والحكومة تعترف بـ’شرعية’ الاحتجاجات وتشجب الاعلام الاجنبي

حجم الخط
0

توفيق رباحي تونس ـ وكالات ـ لندن ـ ‘القدس العربي’: وعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أمس الاثنين بتوفير 300 الف فرصة عمل جديدة قبل 2012 في خطاب تلفزيوني بعد احداث الشغب الدامية التي شهدتها البلاد مؤخرا احتجاجا على تفشي البطالة، لكنه هاجم المحتجين وشدد على أن القانون ‘سيأخذ مجراه’. يأتي هذا بينما تواصلت المظاهرات في عدد من مناطق البلاد.

وقال بن علي ‘اتوجه اليوم إليكم على اثر ما شهدته بعض المدن والقرى بعدد من الجهات الداخلية من أحداث شغب وتشويش واضرار بالأملاك العمومية والخاصة (…) قامت بها عصابات ملثمة أقدمت على الاعتداء ليلا على مؤسسات عمومية وحتى على مواطنين في منازلهم في عمل إرهابي لا يمكن السكوت عنه’. واكد انه قرر ‘مضاعفة طاقة التشغيل وإحداث موارد الرزق وتنويع ميادينها ودعمها في كل الاختصاصات خلال سنتي 2011 و2012، (…) وبذلك ترتفع طاقة التشغيل الجملية خلال هذه الفترة الى 300 ألف موطن شغل جديد’. واعتبر ان وراء اعمال الشغب هذه ‘مناوئون مأجورون، ضمائرهم على كف اطراف التطرف والإرهاب التي تسيرها من الخارج، اطراف لا تكن الخير لبلد حريص على العمل والمثابرة’. وشدد بن علي ‘إننا نقول لكل من يعمد إلى النيل من مصالح البلاد أو يغرر بشبابنا وبأبنائنا وبناتنا في المدارس والمعاهد ويدفع بهم إلى الشغب والفوضى، نقول بكل وضوح: إن القانون سيكون هو الفيصل’. قبل ذلك أكدت الحكومة التونسية شرعية حركة الاحتجاج لكنها شجبت وسائل الاعلام واتهمتها ‘بالتضخيم’ و’التهويل والتضليل’ وذلك في بيان رسمي. وافاد بيان الحكومة ان ‘التظاهر والاحتجاج السلمي هو مسألة مقبولة وعادية ذلك أن حرية الرأي والتعبير في تونس مضمونة في القانون والممارسة. وقد شهدت بعض جهات البلاد أحداث احتجاج سلمي وتمت في ظروف عادية’. لكن الحكومة اضافت ان ‘ما هو غير مقبول بتاتا، قانونيا وإنسانيا، أعمال العنف والشغب التي يمارسها بعض الأفراد باستعمال الزجاجات الحارقة والرشق بالحجارة والعصي ومهاجمة المؤسسات والمرافق العمومية’. وتابعت ان ‘اعمال الشغب وممارسة العنف وما ينجر عنه من أضرار بالمصلحة الوطنية لا تندرج في اطار حرية التعبير بقدر ما هي اعمال عنف وشغب مرفوضة من مختلف مكونات المجتمع التونسي احزابا سياسية ومنظمات وجمعيات ومواطنين عاديين’. وتزامن تغيير اللهجة مع نهاية اسبوع دام ٍ في مدينتي تالة والقصرين وكذلك في الرقاب قرب سيدي بوزيد، اسفر عن سقوط 14 قتيلا حسب اخر حصيلة رسمية وما لا يقل عن عشرين قتيلا بالرصاص بحسب مصادر من المعارضة والنقابات.

واستنكرت الحكومة ‘الحادثة التي استهدفت قنصلية تونس في مدينة بانتان بفرنسا صباح الأحد (…) وهو عمل ارهابي جاء نتيجة للشحن الاعلامي والتضخيم الذي تقوم به بعض وسائل الاعلام الاجنبية والتي لم تتعاط مع الاحداث في تونس بموضوعية ونزاهة بل امعنت في التهويل والتضليل’. وانتقدت السلطات خصوصا تغطية قناة الجزيرة القطرية التي تلقى رواجا واسعا في تونس بينما هاجمت الصحف قناة فرانس 24 الفرنسية الاخبارية.

وفي خطوة انفتاح سمحت الحكومة الاحد لفريق من قناة تي.

اف.1 الفرنسية بالوصول الى سيدي بوزيد حيث اندلعت الاضطرابات غير المسبوقة احتجاجا على البطالة والازمة الاجتماعية منذ منتصف كانون الاول/ديسمبر.

استمرار الاحتجاجاتفي غضون ذلك واصل متظاهرون تونسيون الاحتجاجات ضد الحكومة أمس الإثنين لكن لم تظهر أي اشارة لأعمال العنف المميتة بين المتظاهرين والشرطة. لكن معارضين، بينهم منصف المرزوقي ومية الجريبي، تحدثوا عن سقوط 11 قتيلا أمس الاثنين في القصرين، واشاروا الى ‘اطلاق نار عشوائي’ ضد المتظاهرين.

وكانت تلك هي أكثر الاحتجاجات دموية في موجة من الاضطرابات المستمرة منذ قرابة الشهر.

وقال المشاركون في الاحتجاجات إنهم غاضبون من نقص الوظائف امام الشباب وما يعتبرونه رد فعل عنيفا من السلطات في السيطرة على الاحتجاجات.

ويقول مسؤولون إن اقلية من المتطرفين الجانحين للعنف هي المسؤولة عن الاضطرابات في بلد يسيطر على المشهد السياسي فيه حزب التجمع الدستوري الديمقراطي المنتمي إليه الرئيس زين العابدين بن علي.

ودافع المسؤولون ايضا عن الشرطة قائلين إنها اطلقت النار للدفاع عن النفس فقط عندما هاجمتها حشود نزاعة للعنف متجاهلة الطلقات التحذيرية.

وفي الرقاب وهي بلدة تقع في وسط البلاد شهدت بعضا من أسوأ الاضطرابات اندلعت الاحتجاجات بشكل سريع أمس الإثنين. وقال شهود عيان ان جنائز ضحايا الاشتباكات تحولت إلى احتجاجات صاخبة.

وفي بعض المناطق بالرقاب اشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع مدنيين أمس رغم انه لم ترد اي تقارير فورية عن وقوع ضحايا.

وفي تونس العاصمة الهادئة نسبيا في الغالب نظم طلاب جامعيون مسيرة اخرى للتنديد بعنف الشرطة فيما كانت المتاجر في وسط العاصمة مفتوحة امام النشاط التجاري ولم يكن الانتشار الامني ملحوظا بدرجة كبيرة.

وفي المدن الاقليمية تالة والقصرين وسليانة والرقاب والمكناسي الاشد توترا قال سكان ان السلطات ارسلت شاحنات تابعة للجيش لتعزيز الشرطة.

وقال وزير الاتصال التونسي سمير العبيدي في تصريح لقناة ‘الجزيرة’ إنه تم ارسال وحدات من الجيش إلى هناك لحماية المباني الحكومية وانها لن تتدخل في مواجهة مع المحتجين.

وقال العبيدي الذي عين في تغيير وزاري مصغر عقب تفجر الاحتجاجات في تصريحاته الأحد ان الحكومة مستعدة للحوار مع الشباب في أقوى إشارة حتى اليوم إلى استعداد السلطات لتقديم بعض التنازلات.

ويحكم الرئيس زين العابدين بن علي تونس منذ أكثر من عقدين وأعيد انتخابه منذ عامين بنسبة 90 في المئة تقريبا من التصويت. وهو ثاني رئيس لتونس منذ استقلالها عن الاستعمار الفرنسي عام 1956. وأعربت الولايات المتحدة عن قلقها بشأن تعامل الحكومة مع الاحتجاجات. وطالب الاتحاد الاوروبي، اكبر شريك تجاري لتونس، الحكومة التونسية بالإفراج عن المعتقلين.

كل الحريات مضمونةوردت الخارجية التونسية باستدعاء سفير الولايات المتحدة غوردن غراي، وأبلغته استغرابها من الموقف الذي عبر عنه الناطق باسم الخارجية الأمريكية.

وقال مصدر رسمي امس الإثنين إن كاتبة الدولة التونسية للشؤون الخارجية (مساعدة وزير) استقبلت السفير الأمريكي (أمس) باعتبار أن وزير الخارجية في زيارة خارج تونس، وأبلغته أن تونس ‘فوجئت بمحتوى تصريح الناطق باسم الخارجية الأمريكية الذي يستند إلى معلومات مستقاة من عناصر مناوئة بدون التثبت وبدون مراجعة السلطات الرسمية’. وأضاف أن المسؤولة التونسية تساءلت أمام الديبلوماسي الأمريكي حول رد فعل السلطات الأمريكية إزاء مظاهرة يزعم أنها سلمية يتم خلالها رمى زجاجات مولوتوف وتخريب وحرق منشآت’. وأكدت له في المقابل أن ‘كل الحريات بما في ذلك حرية التجمع مضمونة بموجب الدستور والقانون في تونس وأنه لم يقع إطلاقا منع أو عرقلة التجمعات ما دامت سلمية وغير عنيفة’. واعتبرت المسؤولة التونسية أن الأحداث التي سجلت ببعض المناطق التونسية أخذت في بعض الأحيان منحى عنيفا ‘استوجب رد فعل شرعياً للمحافظة على النظام العام وضمان أمن المواطنين وحماية الممتلكات العامة والخاصة’. من جهة أخرى، أعربت مساعدة وزير الخارجية التونسي عن استغراب بلاده من ‘الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة حول تعطيل النفاذ للمواقع الاجتماعية على شبكة الانترنت بتونس’. واكدت أن النفاذ إلى المواقع الاجتماعية ‘حر ومفتوح للجميع بتونس وبالإمكان التأكد من ذلك’، ولكنها أشارت في المقابل إلى أن كل دول العالم لا تتردد أبدا في التدخل ضد الاستعمال غير الشرعي لشبكات الإنترنت عندما يتعلق الأمر بالتحريض على الكراهية والعنف والإرهاب وتخريب المواقع الرسمية’. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد استدعت يوم الجمعة الماضي السفير التونسي في واشنطن محمد صلاح تقية، وسلمته رسالة تعبر عن القلق الأمريكي من الطريقة التي تم بها التعامل مع الاحتجاجات في تونس.

وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيليب كراولي للصحافيين إن الخارجية الأمريكية نقلت إلى السفير التونسي ‘قلقها على قدرة شعب تونس على ممارسة حقوقه وحرية التعبير والتجمع، وأن الأحداث التي شهدتها تونس هي نتيجة لاضطرابات اجتماعية واقتصادية’. بعد صمت طويلمن جهتها اعربت فرنسا، وبعد صمت طويل، عن ‘الاسف لاعمال العنف’ في تونس ودعت الى التهدئة، كما افادت وزارة الخارجية أمس الاثنين معتبرة ان ‘وحده الحوار’ كفيل بتجاوز المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

واعلن الناطق باسم الوزارة برنار فاليرو في لقاء مع الصحافيين ‘نأسف لاعمال العنف التي اوقعت ضحايا وندعو الى التهدئة’. واضاف ان ‘تونس تواجه مشاكل اقتصادية واجتماعية ووحده الحوار سيسمح للتونسيين بتجاوزها. التعاون بين فرنسا وتونس يرتكز كثيرا على الوظائف وسيظل كذلك’. وتابع ‘اليوم الامر العاجل في تونس هو التهدئة’. وفي تصريحه لم يتحدث برنار فاليرو سوى عن حصيلة السلطات التونسية.

وقال ‘اننا نشعر بحزن كبير من الخسائر البشرية للمواجهات الدامية التي حصلت نهاية الاسبوع في تونس. سقط ما لا يقل عن 14 قتيلا والعديد من الجرحى’. وردا على سؤال حول اعتقال مدوني مواقع انترنت تونسيين قال ‘ليس لدي معلومات دقيقة في هذه المرحلة حول المدونين التونسيين المعتقلين’. لكنه اضاف ‘نذكر بتمسكنا بحرية التعبير في تونس وفي كافة انحاء العالم’. وقد اكتفت فرنسا التي تعتبر من اقرب شركاء شمال افريقيا، الاسبوع الماضي بالدعوة الى التهدئة دون الاشارة الى قمع المتظاهرين واعتقال مدوني انترنت.

واثنى الحلفاء الغربيون في الماضي على تونس ذات العشرة ملايين نسمة باعتبارها نموذجا للاستقرار في العالم العربي رغم اتهامها من قبل بعض الجماعات الحقوقية الدولية بقمع المعارضة. كما حذرت وزارة الخارجية الالمانية امس الاثنين مواطنيها من السفر إلى تونس في ظل الاحتجاجات المستمرة في البلاد وذلك بعدما أصدرت تحذيرا مماثلا للسفر إلى الجزائر. وأرجعت الوزارة التحذير إلى المخاطر الإرهابية حيث أنه قبل كل شيء ليست هناك اجراءات أمنية كافية من قبل الشرطة والجيش لمنطقة الصحراء والمناطق المحيطة بها. وقالت الوزارة أنها ترى زيادة واضحة لخطورة وقوع هجمات أو حوادث خطف في المناطق السياحية التونسية التي يتردد عليها السائحون الغربيون. ومن ناحية أخرى علق مفوض الحكومة الألمانية لحقوق الإنسان ماركوس لونينغ على أحداث العنف في تونس والجزائر بالقول إن برلين تتوقع من الحكومات ضمان حماية الحقوق الإنسانية والمدنية’. وقال ‘مهمة الحكومات هي حماية حق التعبير عن الرأي بحرية والتجمع ومنع اندلاع أعمال عنف’. قتل بالرصاص الحي الى ذلك، طالبت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية) بـ’اجراء تحقيق فوري ومستقل لتحديد المسؤولين أمرا وتنفيذا عن سقوط ضحايا مدنيين بالرصاص الحي’ خلال مواجهات مدن تالة والقصرين (شمال غرب تونس) والرقاب (وسط غرب). وقالت الرابطة في بيان نشرته على موقعها في شبكة الإنترنت، إنها ‘تدين بشدة قتل المواطنين وتدعو لوضع حد فوري لإطلاق النار على المتظاهرين’، مشيرة إلى أن إطلاق الرصاص الحي على المدنيين المتظاهرين سلميا جريمة يعاقب عليها القانون التونسي وكذلك القانون الدولي. وأضافت أنها ‘تطالب السلطة وبإلحاح شديد بوضع حد فوري لهذا التصعيد الأمني وإرجاع قوات الجيش إلى ثكناتها والإقلاع عن استعمال الذخيرة الحية ضد المدنيين مهما كانت المبررات وإطلاق سراح جميع الموقوفين أثناء الأحداث (الاحتجاجات) أو على خلفيتها’. ودعت إلى ‘احترام حق التجمع والتظاهر السلمي ورفع الحصار عن قوى وفعاليات المجتمع المدني لتتمكن من تأطير الاحتجاجات حتى لا تنزلق نحو العنف’. ونصحت الرابطة بـ’التحاور الجدي مع ممثلي المحتجين وكل الأطراف المتداخلة في الموضوع لطرح كل القضايا السياسية والاجتماعية بدون محرمات بهدف الوصول إلى حلول عاجلة تضمن الحق في الشغل والتوازن بين الجهات في مجال التنمية والمشاركة المواطنية وفي تصور وتنفيذ الحلول لمشاكل البلاد’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية