عربي بلا مواطنة

حجم الخط
0

مروان العياصرةثمة مجازفة مسكوت عنها في التداول المصطلحي لـ(المواطن العربي)، من حيث انه عربي نعم، بالدم واللسان، ولكن صفة المواطنية غير ملائمة شكلا ومضمونا، فليس هذا العربي يتمتع بالمعنى القيمي لكل أبعاد المواطنة وتجلياتها وحقوقها وواجباتها، وليس له منها نصيب سوى الصفة اللفظية والمصطلح التابع، المفرغ من محتواه الدلالي. عربي بالدم واللسان، ولو استطاعت أنظمة السلب العربية سلبه هاتين اللازمتين من لوازم الصفة العربية لربما فعلت، كما فعلت وتفعل دوما بكل التفاصيل التي تشكل في مجموعها معنى المواطنة.

عربي بلا هوية، ولست أجازف في هذا المعنى إذ أن كثيراً من الدول العربية ما زالت تمارس تغييب حسم الصراع على الهوية بين مكونات شعوبها، بما يعني أن عدم الحسم للهوية يعني توظيف الحالة المرتبكة للشعوب لصالح النخب السياسية والاقتصادية المتحكمة، ولعل هذا الموضوع يحتاج لكثير من البحث والقراءات المعمقة، لخطورة جدل الهويات في البيئات العربية على ما فيها من اختلافات في الشكل والمضمون.

عربي بلا حقوق، إذ أصبح هذا العربي المجازف به يقدم كل فروض الطاعة بالمجان، للأنظمة والحكومات التي تشكل قلاعا برجوازية حصينة وعصية على شعوبها، فقد العربي معنى الوطن، حينما تحول هذا الوطن إلى شركة ربحية أو مؤسسة تجارية يمتلكها مجلس إدارة وشركاء إستراتيجيون، وتحول المواطن تبعا لذلك إلى عامل بلا أجر، أما فتات ما يقتاته من بقايا فهو كي يبقى على قيد الحياة ليس غير.

عربي بلا حرية، يعيش حالة من الإصغاء العام لكل ما يقال له أو عنه أو فيه، ويعيش حالتين من الاستلاب الداخلي كفرد، والخارجي كشعب ودولة، وهو بين هذا وذاك لا يستطيع أن يقدم رأيا مختلفا أو يجازف بنظرة مغايرة، أو يعمى على قلبه فيعترض، هذا هو العربي في حريته، متلق ممتاز، وليس عليه أن يقدم أي استجابة لأي تحد سوى ما هو مقبول رسميا، وأحيانا كي لا نفقد اتجاه الحقيقة تجتاح دولة ما حالة من الإعلاء للحرية الإعلامية، وهي في حقيقتها ليست سوى تنفيس مبرمج عن الناس.

عربي بلا مستقبل، إذ كيف يتشكل هذا المستقبل لهذا العربي وهويته ملتبسة، ومواطنته ورقة توت، بلا حرية ولا حقوق، خياراته مسلوبة، وطموحاته مصادرة، وأولوياته مقلوبة، بل ليس له سوى أولوية واحدة وهي أن يبقى يقاوم الموت حتى الموت، عربي بلا مستقبل، إذ كيف يستطيع أن يتحدى تبعات صناعة المستقبل وهو لا يستطيع أن يقاوم أوزار الحاضر وأوجاعه.

ليس لدى العربي الفرد أي التباس في موضوعة المواطنة، ولكن الأنظمة العربية مليئة بالالتباس، فهي تريدها مواطنة حسب الطلب، ومواطنة في الواجبات لا في الحقوق، ومواطنة في الطاعة والولاء، لا في النقد الموضوعي البناء وإبداء الرأي وطرح الأفكار والمشاركة في صنع القرار، ومواطنة في الفقر والفاقة، أما أصحاب الثراء فكل البلاد أوطانهم، وكل الدول لهم دولة، ولقد شوهت الأنظمة العربية كل المفاهيم والقيم، وأولها الديمقراطية المزعومة، وصار لزاما أن يستتبع ذلك تشوها في المواطنة إذا ما أخذنا بالتعريف الإجرائي للديمقراطية على أنها سيادة الشعوب والتمكين لقضاياها وتكريس حقوقها، وصناعتها لمستقبلها بالاشتراك.

المواطنة العربية ليست فقط منقوصة، بل هي بلا مقومات تكرس معانيها ولا أركان تحمل مقاصدها، وبلا معنى، فيكون حقا أننا نرتكب مجازفة في نعت العربي بالمواطن في شبه دولته، وأقول هنا شبه دولته لأن الدول العربية كلها ستبقى شبه دولة أو شركات كبرى أو مؤسسات خاصة ما لم تكتمل صورة المواطنة فيها بأكمل معانيها ومبانيها، وذلك لأن قيمة الدولة تتشكل أولا من اهتمامها برعاياها وأن تحقق لهم مواطنة حقيقية وفاعلة.

أدرك تماما أن كل جزئية من جزئيات الموضوع تنبني على قول كثير وبحث أكثر، ولعل مقالة واحدة لا تفي بحاجة المعنى المراد، ولذلك فإن للحديث بقية.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية