لماذا هذا الصمت الرهيب والتغاضي عن تفتيت الوطن العربي؟

حجم الخط
0

سمير جبور عجبا! الوطن العربي يواجه هبّة شديدة من التفتيت والتقسيم على مرأى ومسمع العالم بأسره، والعرب صامتون.. اين المساعي العربية الانفرادية أو الجماعية لإفشال هذا المخطط التقسيمي الرهيب؟ طبعا لا يتوقع أحد شيئا من الدول العربية سليلة سايكس بيكو؟ ولا من جامعة ‘الدجل’ العربية، ‘حفيدة’ بريطانيا العظمى الاستعمارية؟ وسيبقى السؤال واردا: لماذا لا تقيمون الدنيا على هذه الهجمة الإرهابية على الكنائس وحتى الجوامع بهدف إثارة الفتن؟ لماذا تسمحون لهذه الحملة الإنسلاخية ان تستمر، والتي تتمثل بتقسيم العراق الى دويلات عرقية، كما تقام الآن الدولة الكردية في شمال العراق؟ والدولة المسيحية ـ الصهيونية في جنوب السودان وتقسيم اليمن، والحبل على الجرار. لقد اخذنا نشاهد مؤخرا حملات إرهابية تقوم بها حركات أصولية تقسيمية طائفية عرقية عنصرية متطرّفة، تخطط لها وتغذيّها الحركة الصهيونية والجهات المخابراتية الغربية اساسا، بهدف بذر الفتنة وتغذية الانقسامات الدينية والطائفية، ومحاربة العلمانية وكل توجّه نحو الوحدة الوطنية. وهذه الحركات ربما تعمل في الخفاء وتحت الأرض، ولكنها غير مجهولة الهوية والانتماء، رغم انها تتحرّك تحت اسماء متنوّعة وتنظيمات مختلفة، وعناوين وألقاب مضللّة تدعّي الدفاع عن الإسلام، وهي أبعد ما تكون عن تعاليم الدين الحنيف وكل الشرائع السماوية. وما تقوم به هذه الحركات في العراق، وما ينمو الى مسامعنا من مصادر اولية، عن عمليات ذبح وقتل وتشريد ووضع متفجرات في الجوامع والكنائس، يزعزع الأبدان، مثل الاعتداء الأثيم على الكنيسة السريانية في بغداد يوم 28 تشرين الأول /أكتوبرالماضي، الذي ذهب ضحيته اكثر من 100 قتيل وجريح. وقد شهدت العاصمة العراقية يوم 17ايلول/ سبتمبر الماضي موجة تفجيرات استهدفت عددا من المساجد أسفرت عن سقوط 24 قتيلا على الأقل وإصابة عشرات اخرين.

وكانت باكورة هذه الأعمال الإرهابية في مطلع العام الجديد، تلك الجريمة النكراء ضد كنيسة القديسين القبطية في مدينة الإسكندرية، التي اودت بحياة 21 مصليا بريئا لا ذنب لهم الا التعبّد والصلاة يوم ولادة السيد المسيح، الذي جاء ليبشّر بالسلام فصلب، كما ‘يصلب’ الآن كل من يتجرأ على العمل على تحقيق السلام.

صورة قاتمة لواقع يتشكل على الأرض إن الصورة التي ترتسم أمامنا الآن قاتمة جدا: الدولة الكردية تقام الآن في شمال العراق بدعم اسرائيلي، وهذه حقيقة لا تحتاج الى إثبات، وهي قديمة تعود الى عشرات السنين.

فقد جاء على لسان د. عثمان سعدي سفير الجزائر السابق في العراق (16/10/2008) ما يلي:’زار الرئيس هواري بومدين بصفته رئيس مؤتمر القمة العربي ومؤتمر عدم الانحياز اللذين عقدا بالجزائر سنة 1973، الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1974، واستقبل من طرف الرئيس ريتشارد نيكسون بحضور هنري كيسنجر وزير الخارجية. تكلم الرئيس نيكسون فقال: ‘العلاقة بين الولايات المتحدة والعرب جيدة، توجد بيننا وبين العرب مسألة إسرائيل، ولا بد أن نتجاوز هذه المسألة’. ورد الرئيس الهواري بومدين فقال: ‘نحن العرب نرى أنه يبدو أن الولايات المتحدة لم تكتف بإسرائيل واحدة فنراها تعمل على تأسيس إسرائيل ثانية في شمال العراق’. فلسطين بترت الى قسمين:

غزة والضفة بفعل الاحتلال الأسرائيلي فقط. فهذا الانقسام هو اكبر ضربة للقضية الفلسطينية منذ نشوئها، والاحتلال يستفرد بكل منهما على حدة.

السودان قسّم بعد ‘الاستفتاء’ الأخير الى دولتين، واحدة في الشمال والثانية في الجنوب بمساعدة إسرائيل.. ممثل ‘حركة تحرير السودان’ فـي تل أبيب آدم بشر قال لجريدة ‘السفير’ 04/11/2010: ‘إسرائيل’ تساعدنا ولن تـتـركنـا كأنطوان لحد’ وبشر هذا لم يخجل من المجاهرة بالعلاقات الوطيدة مع إسرائيل، وباللجوء إليها لنصرة حركته ضد نظام الرئيس السوداني عمر حسن البشير. وتصريحه هذا خير دليل على التغلغل الإسرائيلي الخطير في السودان أرضاً وشعبا وأمنا وسياسة. وكأننا نقف أمام سايكس- بيكو جديدة ستكون أشد وطأة من الأولى. فهذه قسّمت سورية الكبرى الى دول متنازعة، وهذه الجديدة تقسم الدول الى دويلات. والواقع القائم في الوطن العربي يساعد على هذا التشرذم، واستشهد هنا بأنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي كان احد الذين لمسوا جذورهذه الشرور، فبعد درس وبحث اقتنع سعادة بأن مسألة الاقليات في الهلال الخصيب لا تختصر بالمسيحيين، وليست نتيجة التباين الطائفي والمذهبي، بل نتيجة لانهيار المنطقة وتبعثرها في دويلات تبحث عن هويات دينية وطائفية ومذهبية وعرقية.

السؤال الذي يطرح نفسه في خضم هذه الهجمة التقسيمية التفتيتية هو: من له مصلحة في تقسيم الوطن العربي وإثارة النعرات الدينية والطائفية؟ ومن عنده استراتيجية خفية ومعلنة؟ ومن هم الذين يجاهرون بنواياهم لتفتيت هذا الوطن؟

من نافل القول ان الحركة الصهيونية تعتبر ان تقسيم الوطن العربي الى دويلات عرقية هو الضمانة الأهم لترسيخ أساطير توراتية ـ تلمودية، والحؤول دون وحدة العرب، بل الإبقاء على هذا الوطن ضعيفا – مستضعفا تمهيدا للسيطرة عليه وإطالة أمد الكيان الصهيوني. إن الأدبيات الصهيونية حافلة بالدراسات والمعلومات التي تشكل إستراتيجية كاملة لتفتيت الوطن العربي، مستغلة وجود طوائف دينية وعرقية لبعثرة هذا الوطن واجتثاث جذور الدولة القومية العلمانية الموحّدة.

فمنذ نشوء الكيان الصهيوني وهو ينتهج كل الوسائل الاستخباراتية والعسكرية من أجل تحريض الأقليات الطائفية والدينية والعرقية على الانسلاخ عن أوطانها الأم، عن طريق إقامة كانتونات وكيانات انعزالية، وعرف هذا النهج في القاموس الصهيوني بـ’مدرسة الأقليات’. ثمة استراتيجية صهيونية تطبق على مراحل، ليس من اجل الحؤول دون قيام اي شكل من أشكال الوحدة العربية وحسب، بل وايضا لتفتيت الوطن العــــربي وتقسيم كل دولة الى دويلات إثنية وعرقية، كما حاولت اسرائيل تطبيق هذه الاستراتيجية في لبنان، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وتقسيم العراق والسودان كما يجري حاليا. وتهدف هذه الاستراتيجية ايضا الى تحييد بعض الدول العربية وعزلها عن محيطها العربي وإضعافها وإخراجها من دائرة الصراع العربي الصهيوني، كما فعلوا مع مصر والأردن. والآن ينصب الجهد الصهيوني على تدمير العراق وتفتيته بتقسيمه الى دويلات اثنية وعزله عن محيطه العربي، والعمل على تدمير أنظمته البنيوية لكي لا تقوم له قائمة كدولة عربية قوية تتمتع بطاقات اقتصادية وبشرية هائلة.

ولم تخف الحركة الصهيونية هذه الهدف، فقد كانت تعمل في الخفاء على إحداث الفتن في بلاد ما بين النهرين، وتعد الخطط التي انتهت بدفع الحلف الأطلسي الى شن الحرب على العراق سنة 2003. وكان اول من كشف عن الخطط الصهيونية، وببعض التفصيل، لتقسيم العراق هو عوديد يينون الموظف السابق في وزارة الخارجية الاسرائيلية، مستخدما احدى وثائق الخارجية الاسرائيلية بهدف استغلال الانقسامات داخل الوطن العربي من اجل تفتيته الى كيانات متنازعة، ثم يتناول كل بلد عربي على انفراد وقابلية تقسيمه الى دول متنافرة. وما كتبه قبل 30 عاما يتحقق الآن امامنا.(نشرت هذه الدراسة مترجمة عن العبرية، أنظر: سمير جبور ‘تطور العقيدة العسكرية الاسرائيلية خلال 35 عاما، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1983). وأهم ما جاء فيها ما يلي:’ثلاث دول حول المدن العراقية الرئيسية”ان العراق الغني بالنفط من جهة، والذي يكثر فيه الانشقاق والاحقاد في الداخل من جهة اخرى، هو أحد أهداف إسرائيل المرشحة المضمونة، إذ ان تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سورية، لأن العراق أقوى من سورية، وتشكّل قوته في المدى القصير خطرا على إسرائيل اعظم من أي خطر آخر. وحرب عراقية ـ سورية، او عراقية ـ إيرانية، سوف تفتّت العراق وتؤدّي به الى انهيار في الداخل، قبل أن يصبح في إمكانه التأهب لخوض صراع على جبهة واسعة ضدنا والعراق، مرة أخرى، لا يختلف جوهريّاً عن جارته، لكن الأكثرية فيه شيعية، والأقلية الحاكمة سنيّة. فهناك نسبة 65′ من السكان ليس لها تأثير في السياسة، اذ ان نخبة مكوّنة من 20′ هي التي تمسك بزمام السلطة، علاوة على الأقلية الكردية الكبيرة في الشمال. ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما اختلف مستقبل العراق في خطورته، عما آل اليه لبنان في الأمس وعن وضع سورية حاليا’. وكتب يينون، وهذا بيت القصيد’وفي الإمكان تقسيم العراق الى مقاطعات ذات سمات إثنية ودينية، كما كان الوضع في سورية خلال العهد العثماني، وهكذا يمكن أن تقوم ثلاث دول (أو أكثر) حول المدن العراقية الرئيسية: البصرة، وبغداد، والموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه. ولعل المواجهة الإيرانية ـ العراقية ستؤدي الى إزدياد حدة هذا الاستقطاب اليوم.’دولة قبطية ـ مسيحية في صعيد مصر’وجاء في دراسة يينون عن مصر:

إنّ أسطورة مصر القويّة وقائدة العالم العربي، كانت قد تحطّمت منذ عام 1956، ولم تعد مصر القوّة السياسية القائدة في العالم العربي. واصبحت قوتها الاقتصاديّة في مهب الريح، وستنهار غداة توقف المساعدات الخارجيّة عنها. إنّ مصر بطابعها وصورتها السياسيّة الداخليّة القائمة، تعتبر منذ اليوم جثة هامدة حقّاً. وبعد انهيارها، وبسبب الانقسام الإسلامي – المسيحي الذي سيزداد شدّة وتأزّماً في المستقبل، فإنّ تجزئة مصر، إقليميّاً، إلى مناطق ّجغرافيّة متمايزة تشكّل هدف إسرائيل السياسي في الثمانينات في جبهتها الغربيّة.’إنّ مصر مفكّكة ومنقسمة إلى عناصر سلطويّة كثيرة، ولكن ليس على غرار ما هي عليه الحال اليوم، فإنها لا تشكل أيّ تهديد لإسرائيل وإنما ضمانة للأمن والسلام لوقت طويل. وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا. إن دولا مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منهما، لن تبقى على صورتها الحالية، بل ستقتفي أثر مصر في انهيارها وتفتتها، ومتى تفتّتت مصر تفتت البقية.. إن رؤية دولة قبطية ـ مسيحية في صعيد مصر، الى جانب عدد آخر من دول ضعيفة ذات سلطة إقليمية ـ مصرية، لا سلطة مركزية كما هو الحال حتى الآن، هي مفتاح هذا التطور التاريخي الذي أخّرته معاهدة السلام، لكنه لا يبدو مستبعدا في المدى الطويل’. هذه هي المشكلة الرئيسية التي تشكل اكبر خطر على وحدة هذا الوطن وسلامة أراضيه، هذا اذا بقيت له أرض واذا بقيت له من وحدة. ولا بد للتصدي لهذا الخطر وإيلائه الأولوية في التعامل مع القضايا العربية، وهذا ما يجب ان تركزعليه جميع الأقلام العربية الوطنية الشريفة، و’تحرّض ‘على التصدي له. هذه هي المشكلة الملحة الآن، ولتذهب المفاوضات المباشرة بين المراوغ نتنياهو وبين السلطة المستجدية المستضــــعفة الى الجحيم. ولتذهب صفقات الأسلحة بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة الى ألف جحيم، ولتبتلع الأرض البترول اللعين وليتحوّل الى ماء آسن لأنه مصدر كل مصائبنا، ولتذهب كل القضايا الأخرى التي تتعاطى بها الدول العربية الى مليون جحيم، لأن تقسيم الوطن وتفتيته مسألة تهدد الأمن القومي العربي والوجود العربي بأسره. واذا تفتت الوطن لن تبقى عروش ولا كراسي.. ولن يبقى بترول ولا يحزنون.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية