إن تنامي الهوية الدينية على حساب الهوية الوطنية وبالعكس، هو انعكاس حقيقي لأزمة الهوية التي تعصف بدول الجنوب، والتي ترجع في كثير من أسبابها إلى الحقب الاستعمارية التقليدية- كالاحتلال والوصاية- والاستعمارية الحديثة ـ كالعولمة المهيمنة. وبداية فان الجذور الأولى لهذه الأزمة كامنة في مجمل التاريخ الأحدث ‘للدولة الوطنية’ التي ظهرت في بدايات الاستقلال. وهذه الأزمة أوجدت أزمات أخرى متلاحقة في النظام السياسي والأحزاب والحركات السياسية داخل دول العالم الثالث، فتعقدت أزمة الهوية مع أزمة الشرعية والمشاركة والتغلغل وغيرها من الأزمات.
وتبرز أعراض هذه الأزمة في انفصام يعاني منه شكل النظام السياسي بين النظام الوطني الليبرالي، ونظام يطالب به الإسلام الراديكالي، الذي اشتدت قوته بعد فوز كثير من أحزاب الإسلاميين في مشاركتهم الديمقراطية. لكن هذا الانفصام ليس حديث عهد، فقد عانت منه أوروبا لقرون طويلة، حيث كان الفرد يعاني من تسلط الكنيسة ‘الروحي’ وتسلط الإقطاع ‘الزمني’، ثم أنتج الصراع في ما بعد الفلسفة الليبرالية وسقط الإقطاع وتقلص الدور الديني. وربما كثير من الباحثين يرون تشابهاً كبيراً بين ما يحدث من صراع على الهوية في الدول النامية وما حدث في أوروبا، وربما يرون أيضاً أن الحالة النامية أفضل حالاً من حالة المخاض الظلامية، رغم تشابههما الكبير في كثير من العوامل. بيد أن الاختلافات الكبرى بين المنطقتين والعوامل المحيطة تؤثر في نتيجة ذلك المخاض وليس بالضرورة أن تجني نفس الثمار.
ربما نكثر في الحديث عن الصراع بين القومية والدينية في الدول النامية، المرتبط بعوامل اجتماعية مختلفة، ولكن تبقى التبعية الفكرية والهيمنة الخارجة هي أساس ذلك الصراع. فنجاح النظام الليبرالي وتمكنه من السيطرة على كافة الأفكار حتى أفكار أكثر المنغلقين ورواجه لدى العالم كله، خصوصاً بعد أن تحول العالم إلى وحيد قطب مهيمن يريد توحيد الثقافات والهويات تجاهه. ولو طبقنا ذلك على دولنا نجد أن الإسلاميين الذين أطالوا رفضهم للديمقراطية، معظمهم اتبع المسلك الديمقراطي للوصول إلى الحكم، وأولئك كانوا أكثر انزلاقاً في أفكارهم من الذين رفضوا واتبعوا المسلك الثوري أو الانعزالي للتغيير. بيد أن نظام الهيمنة رفض أن يحكم النموذج الديني بدلاً من النموذج الوطني، وعزز الحصار الاقتصادي والعزلة السياسية ودعم الاقتتالات الداخلية وعمليات التزوير ضدها. فالنظام المهيمن اليوم يرفض النموذج الديني الديمقراطي في هذه الدول لأنه يهدد مصالحها ورافض لهيمنتها، في حين أن من يقبل تلك الهيمنة ويعتبر امتدادا لها فلا بأس على دولته الدينية، وأقصد بذلك النظام السياسي لدولة الكيان الذي لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الديني فيها، رغم تظاهرها بالفلسفة الليبرالية، العلمانية والديمقراطية وقيم المساواة بالتحديد. ويؤكد ذلك حديث بنيامين نتنياهو في جلسة افتتاح الدورة الشتوية للكنيست هذا العام عندما قال بأن إسرائيل نجحت في المزاوجة بين الدولة الدينية ‘الدولة اليهودية’، والدولة القومية ‘دولة إسرائيل’. فلماذا ترفض المزاوجة عند أصحاب البرامج الدينية (الإسلاميين)، وتقبل لدى أصحاب البرامج العنصرية؟
وحتى إيران الدولة الشيعية الاثنا عشرية التي رسخت هويتها بعد الثورة الخمينية هي الأخرى تحت ضغط دولي وداخلي ضد نظامها السياسي. والصراع في السودان الذي اشتد مع دعوات الانفصال – تحرير السودان هو شكل آخر للنزاع على الهوية الوطنية والدينية، لكن هذا الانفصال المقرر تأكيده في الاستفتاء المقبل لن يصب في مصلحة تعزيز الهوية الدينية للشمال وحق تقرير المصير للجنوب، بقدر ما يصب لصالح مزيد من الانفصالات والهجمات والأزمات على السودان ومنه، وطبعاً لن ننسى الدور الكبير للشركات الفرنسية والأمريكية المتغلغلة في أفريقيا، التي تجني الكثير بسبب النزاعات المختلفة في أفريقيا، وإضافةً للسودان فان أزمة ساحل العاج الجديدة التي تواكب أزمة الانفصال السودانية، نزاع آخر يضاف إلى اللائحة، فالصراع على الهوية هناك الذي اشتد بعد استخدام صندوق الاقتراع لحسم المنافسة بين زعيم المعارضة الحسن وترا المسلم ضد الرئيس المنتهية ولايته لوران غباغبو المسيحي، لا يعبر فقط عن حجم الاضطهاد الذي يتعرض له مسلمو كورت ديفوار، بل إن ذلك النزاع يعبر عن مقدار التدخل الخارجي في الاقتصاد والسياسة العاجية. ويتكرر نموذج الهيمنة الخارجية على دول العالم الثالث الذي يكتسي حلة النزاع على الهوية. وينطبق الأمر على النموذج الفلسطيني. فسابقاً أصحاب الهوية الوطنية الليبرالية كانوا الطرف المرفوض في المعادلات الدولية، لكن بعد الاعترافات والتنازلات أصبحت المقبول والمعتدل، مقابل طرف مرفوض منبوذ لأنه لم يقبل بعد بذلك. وشهدنا جميعاً تجليات فوز حركة المقاومة الإسلامية ‘حماس’ بعد انتخابات 2006، وكيف أصبحت عنواناً للحركات الدينية ـ الديمقراطية، رغم كل ما حدث من انقسام سياسي يضاف إلى الانقسام الجغرافي بسبب الاحتلال، وانفرادها بعد الحسم العسكري بحكم قطاع غزة الذي تعززت فيه الهوية الدينية وهي تشق طريقها نحو مزيدٍ من التغلغل. وهم بذلك كانوا سبباً في عدم اكتمال الحلم الوطني لدى كثير من العلمانيين والشيوعيين وحتى السلفيين، الذين يحلمون بدولة الخلافة، وأصبح الوطن لا يتسع للجميع وهم يرونه حكراً على صاحبة النفوذ الديني المنغلقة، رغم كل ما تبديه من مرونة. وهذا ما يؤدي إلى زيادة الصراع بين الهوية الدينية والوطنية داخل الدولة النامية.
إن أصحاب البرامج الدينية ليسوا وحدهم سبباً في القضاء على الهوية الوطنية وتراجعها، بل كذلك أصحاب الهوية الوطنية كذلك هم سبب في تراجع دور الدين الذي يشكل أساساً ويعبر عن وجوده بين مواطني الدولة القومية الواحدة. وهذا لا يعبر بالضرورة عن صراع بين الشرعية الدينية والدستورية، إذا ما كان هناك انسجام وتوافق في كيفية التعامل معهما والأخذ بهما، وعلى الطرفين ابتداءً القبول بنتائج اختيار العوام في الانتخابات الديمقراطية، وإلا فان هناك حاجة ملحة لاختيار أساسٍ جديد يمكن الاحتكام إليه. لأن هذا الأساس فقد فاعليته ولم يحقق نتائجه في كثير من دول الجنوب. إن حاجتنا إلى هوية واحدة ورؤية واحدة تزداد وأصبحت أمراً ملحاً لأنها هي التي ستكون العامل الأساسي لمحاربة كل أنواع الهيمنة، ووجودها يعني أن الهدف الوطني المشترك سيكون واحدا، والمصير واحدا.
هناء صلاح