عام جديد وبشائر مرعبة

حجم الخط
0

محمد يوسف ديوب تتسلل أشعة الفجر الأولى عبر ستارة النافذة في الطابق التاسع المطل على جزء من مياه الخليج. الشمس تحاول التسلل ببطء عبر أشكال العمارات الشاهقة والرافعات التي تساهم بإشادتها. صباح يوم جديد تشوبه الهواجس عن العمل وأشياء أخرى بالرغم من العطلة، ولكن بعد التفكير بارتشاف فنجان من القهوة بعد ابتلاع كأس من الماء أول الأشياء أن نفكر بقراءة بعض الأخبار المتناثرة على أوراق الجريدة، ولا بأس بتصفح بعض الدوريات واليوميات على الإنترنت وخاصة ما تصدر بعيداً كـ ‘القدس العربي’ مثلاً،.. ولكن بعد أن نتصفح ونتصفح خاصة الصفحات الأولى يعود ليتجدد خوفنا المستقبلي الذي لازمنا منذ الولادة، خوف الحرب وأنا عشت أهمها منذ حزيران (يونيو) 67 وحتى غزة 2008 لم أشعر خلال هذه الفترة سوى بهواجس الخوف المعززة، وهو ليس خوفاً شخصياً فهذا قد بتر من قائمة الحواس، وإنما هو خوف على أناس وعلى أرض تحتويهم (يسمى الوطن) وأعلم ماذا تعني هذه الكلمة لمهاجر غصباً بالدرجة الأولى ولمغترب طوعاً بالدرجة الثانية خوفاً على أحبة وخوفاً من دفع الثمن وهو فاتورة المستضعفين الذين ليست لهم مقدرة القرار ولا يشكل لرأيهم أي أهمية وبالمناسبة هم أول المسددين لهذه الفاتورة ربما من منازلهم أو دمائهم وأرواحهم أو على أقل تقدير جزء من أحبتهم.

منذ الصغر ونحن نعيش دائرة الخوف هذه، حتى أصبحت تركيباً مؤسساً لجيناتنا، وعندما نفكر في الكتابة عن الحداثة وما بعد الحداثة أو أي نشاط إنساني نسميه فناً تتداخل هذه الهواجس مع تركيبة ما نريد صياغته، فتعود للمخيلة أو للرؤيا ما قد شارك به في بينالي الشارقة 99 الفنان محمد صالح موسى وهو يسلم لوحاته للموظف المكلف باستلام اللوحات في متحف الفنون، وعندما كان يملأ الاستمارات، وقد سأله الأخير عن عناوين اللوحات فأجاب (بشائر مخيفة). ولكن ليس الموضوع بالعنوان فقط للوحات مرسومة بالزيت وبتقنيات حادة كالسكين وبألوان صارخة تعبـّر عن حالة الخوف العبارة الأهم عندما نطقها محمد، ولم أنسَ نظراته المرعبة وهو يحدق به عبر عينين واسعتين ويقولها مرة ثانية.. ‘بشائر مخيفة’ .. هذا الموقف أتخيله حاضراً وأضحك كما ضحكت وقتها ولكن بخوف لأنني كنت أربط ما بين العبارة وأنا أشاهد اللوحات وتعابير وجه الفنان وهو ينطقها، ومع أن هذا الموقف قد مر عليه أكثر من عقد لا زلت أذكر كيف تراءت لي كل مظاهر الخوف والرهبة عبر شريط مر سريعاً بلحظات لا تتجاوز ثواني نطق العبارة مع ما احتوى هذا الشريط من رعب سنوات من هواجس الحروب وخوف أكبر مما يتهددنا من مستقبل طائفي مرعب إذا ما نفذ كل مما يتوعد تهديده.

شريط يمر بسرعة وإذا أخذنا منه بعض اللقطات وهي برأيي الأهم خوفاً، فخطر ما يسمى إسرائيل كان مهيمناً علينا منذ الطفولة، وخطر شيء اسمه قنبلة نووية كان يخيفنا أكثر ولكن خوفنا من حروب طائفية كان الخوف المطلق لأنه صراع الأهل والأقارب وهو الأشد فتكاً.. لماذا نحن هكذا مستقبلنا بشائر مخيفة.. عبارة متناقضة كما نحن جبلنا من التناقض نعيش مع الخوف ونقتات الرعب عبر صحافتنا والتي لا تأتي بشيء من فراغ وعبر ما نشاهده ونلمسه خوف من الحاضر المستقبل، وحتى لو عدنا للماضي لا نذكر إلا الخوف، فالبشائر طبيعياً يجب أن تحمل الأمل بالخير وبمستقبل مشرق، ولكن يبدو أننا سوف نبقى حتى وإن أتتنا البشائر فسوف تكون مخيفة.

أذكر خالتي رحمها الله التي خسرت منزلها في القنيطرة بعد عدوان حزيران (يونيو) عندما كانت تضحك لمناسبة أو لنادرة، تستطرد مباشرة قبل أن تنهي ضحكتها بعبارة شعبية تداولها الجميع (الله يعطينا خير هذه الضحكة) إشارة إلى الشر المحتمل بعد هذه الوصلة من السعادة فنحن هكذا دائماً ننتظر الأسوأ وهذا ليس بطبعنا كشرقيين فنحن أكثر الناس بحثاً عن الابتسامة.. وربما لما نتعرض له من ضغط وخوف من القادم الذي لم نكن نحن من خلال معاركه نخرج الرابحين، فخوفنا سابقنا وهواجسنا يأكلها الخوف من القادم والعبارة التي تصدق دائماً ‘القادم أسوأ’. لست من الناس الذين يحملون الطابع السوداوي فأنا أستبشر دائماً ولكن هذا التفاؤل يشوبه الحذر والبشائر دائماً تبقى مخيفة، هكذا كان يتحفنا الواقع بإجراءاته أحداثاً مخيفة ومستقبلاً ليست لنا أية أهمية في صياغته وإن كان يخصنا، لذلك نبتعد قليلاً الآن عن التحدث عن الحداثة وما بعدها وما قبلها وننتقل مع مطلع كل عام جديد لنتابع ما يخططه له غيرنا لمستقبلنا ومستقبل أطفالنا الذاخر بالبشائر المخيفة.

فنان تشكيلي ـ أبو ظبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية