روث غروسريشاردإسماعيل أزيات في كتابه الأخير المتأرجح بين المقالة والرواية، يضاعف عبد الفتاح كيليطو من مراوغاته ويتسلّى بامتزاجه بشخصياته. سحر يتعمّق بالحضور المحوري لألف ليلة وليلة.’احكوا لي الحلم’: هذا هو العنوان الملغز الذي اختار عبدالفتاح كيليطو أن يمنحه لأثره الأخير. إذا ما صدّقنا إصحاح دانيال في التوراة، هذا الأمر، هو ما توجّه به الملك نبوخند نصر في يوم ما إلى أشهر العرّافين والمنجّمين في بابل. خلال الليلة السابقة لذاك اليوم، راوده حلم نذير بلبلهُ. أيّ حلم؟ لم يتفوّه الملك بكلمة. على العرّافين والمنجّمين أن يتنبّأوا به، بدقّة، وأن يفسّروا له محتواه وإلاّ خسروا حياتهم قتلا. كان هذا، بالطبع، أكثر ممّا يطيقون. كيف يُفسّر حلم، يُجهل عنه كلّ شيء؟ عندئذ يتدخّل النبي دانيال الذي سيكون الوحيد القادر على رفع التحدي وسيُفصّل للملك محتوى حلمه قبل أن يقوم بتعبيره له بكلّ وضوح. من دانيال إلى شهرزادبإعادة تناوله لكلمات نبوخذ نصر، هل يتمنّى عبد الفتاح كيليطو من قرّائه أن يكونوا، بالنسبة إليه، دانيال جُددا؟ أم يضعهم، على الأقل، فيما يكتب، في تحدّي كشف ما يصدرعن الحلم وما لا يصدر عنه؟. ‘وماذا لو أنّ كلّ شيء ليس إلاّ حلما؟’ يتساءل السارد في أحد المحكيات الأربعة التي تؤلّف العمل. عند قراءة مجموع المصنّف، نحن منقادون، باستمرار، إلى طرح نفس التساؤل دون أن نكون قادرين على الإجابة بكيفية جازمة. بمزجه الذكريات الحقيقية ـ على ما يظهر ـ والمختلقة اختلاقا، المرجعيات العالمة وتخيّلات الإبداع، بمزجه لعبة الكلمات ولعبة الأسماء ذات الأصداء والترجيعات الملتبسة، تأخذ الكاتب متعة ماكرة في أن يمحو دوما الحدود بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والخيال. باختصار، يغمسُنا فيما كان فرويد يدعوه بشعور ‘الغرابة المُقلقة’، الخصّيصة التي تميّز محكيات الحلم. إنّ تأويلها، يُضيف، هو ‘أسهل طريق يقود إلى معرفة اللاشعور’. لذلك، أن تؤوّل كتاب كيليطو كأنّه حلم، ألا يفضي بك إلى الطريق الأسهل الأخرى، تلك التي تقود إلى معرفة ألف ليلة وليلة؟ ألف ليلة وليلة مرجعية كبرى ومُؤسّسة عند كيليطو. نحن نعرف أنّ مارسيل بروست جعلها من بين نماذجه الأدبية الرئيسية. مثله، كيليطو قرأها منذ الصّغر: ‘أهوى أن أقرأ وأنا في السّرير، عادة مكتسبة منذ الطفولة، زمن اكتشاف ألف ليلة وليلة’. هكذا، ينفتح كتاب ‘احكوا لي الحلم’. منذ ذلك الحين، لم تكف ألف ليلة وليلة عن أن تلهمه العديد من المقالات ومن النصوص التخييلية.
على طريقته، وعلى منوال المؤلّفين الغربيين، أعطى مكانة ذات امتياز لهذا الكتاب الذي بلا مؤلف، ذي شتى النسخ، ذي اللغة العامية القريبة من العربية المنطوقة والذي، ضمن التقليد العربي المتوارث وحتى اليوم، لم يصبح، تقريبا، موضوعا لأيّ تفسير ولأيّ تعليم. باختصار، كتاب ‘يتموضع خارج المؤسسة الأدبية’. ‘أنا آخر’ اليوم، يمنحنا كيليطو، تخييلا نقديا أو نقدا تخييليا، كما نحبّ، شريك في هذا الأمر مع الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، هو القارىء المولع به ومعه يقتسم العديد من الإحالات المتصلة بالأدب العربي مثلما طريقة الكتابة حيث الواقع والخيال يتلاعب الواحد منهما بالآخر. تتكاثر عنده الأسئلة: ما الذي تعنيه حكاية من ألف ليلة وليلة؟ عند أيّة سمات مميّزَة نقف لنتعرّف عليها؟
كيف نقرأ هذا الكتاب؟ ما المُؤلِّف؟ إلخ، العديد من الأسئلة التي تخلق أخرى خاصّة بسبب التشابه الموجود بين المُسمّى كيليطو وشخوصه: ميول أدبية مشتركة، قراءات مُقتسمة، تفاصيل جسدية تميّزهما… إجمالا، كيف نقيم التفرقة بين المُؤلف، السّارد، الأستاذ ك، الطالب إسماعيل كمْلو أو أيضا لوبارو؟ أتتمازج؟ من هو من؟ لنتذكّرْ شخصية لوبارو الذي يقول عنه السّارد: ‘يريدُ أن يكُون أنا، يريدُ أن يأخذ مكاني’. أليس هو الصورة المكتملة للمُنتحل الذي يحسب نفسه آخر أو من يريد أن يكونه في الحلم؟ أو لنتذكّرْ أيضا شخصية إسماعيل كمْلو الذي ــ كما راوٍ يخترع الحكايات ـ يتقدّم في بحثه للدكتوراه بأطروحات غريبة حول ألف ليلة وليلة. أستاذه ـ كيليطو آخر؟ ـ أبدى ذعرا من فكرة أنّ هذا العمل سيكون، في نهاية المطاف، تدجيلا في نظر أيّ جامعيّ رصين. بعد كلّ شيء، مع مثل هذا الاسم، ألا يكون كمْلو Kamlo منمّق كلام، مخادعاً يريد أن يبيعك سقط المتاع camelote ؟ لكن، ألا يكون أيضا صورة في مرآة أستاذه؟ ‘أنا آخر’ يقول رامبو. أنا مُؤلفنا، أليس آخر؟ بل، أليس عدّة آخرين في الآن معا؟ أهي مصادفة إذا كان كيليطو، في هذا الكتاب الأخير، عاد إلى مسائل سبق أن طرحها في واحد من مؤلفاته الأولى (الكتابة والتناسخ: مفهوم المؤلف في الثقافة العربية ـ 1985 ) المخصّص، بين مواضيع أخرى، للمُزيّفين، للمُقلدين المُحاكين وللمُنتحلين في الثقافة العربية الكلاسيكية؟ وحده كيليطو واحد يمكنه أن يمنحنا الجواب، لكن، هل هو واحد في ذاته؟ هوامش:Dites moi le songe , Actes Sud , 2010 ‘أنت أيها الملك كنت تنظر وإذا بتمثال عظيم. هذا التمثال العظيم البهيّ جدّا وقف قبالتك ومنظره هائل. رأس هذا التمثال من ذهب جيد، صدره وذراعاه من فضة، بطنه وفخذه من نحاس، ساقاه من حديد، قدماه بعضها من حديد والبعض من خزف. كنت تنظر إلى أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد وخزف فسحقهما، فانسحق حينئذ الحديد والخزف والنحاس والفضة والذهب معا وصارت كعصافة البيدر في الصيف، فحملتها الرّيح فلم يوجد لها مكان. أمّا الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلا كبيرا وملأ الأرض كلّها’ (سفر دانيال، الإصحاح الثاني) (المترجم) TELQUEL , N 439 , OCTOBRE , 2010 مترجم من المغرب