ليست مكارثية بالضبط

حجم الخط
0

أودي منوركانت الولايات المتحدة في الايام المجيدة السالفة مطمح نفس الديمقراطي الاسرائيلي. لكن مع انعكاس الايام يكاد يعلم كل اسرائيلي كيف يقول ‘مكارثية’، وهي أيقونة أضعف من نظيرتها الكبيرة ‘الفاشية’. في مجتمع الجمهور الحديث هذا الامر مفهوم من تلقاء نفسه، وقد أحسن جورج أورويل قبل أكثر من ستين سنة وصف بؤس الظاهرة. فقد كتب في كتابه ‘ مزرعة الحيوانات’: ‘ الرِجْلان أمر سيىء، لكن الاربع أمر جيد’. وكل ما بقي أن نلصق المُشبَّه بالمشبـَّه به. فمرة تكون ‘الرِجْلان’ هما اليسار ومرة يصبح اليسار خاصة هو الارجل الاربع.

بدل ان تكون أورويلياً يحسن ان تتعلم شيئا ما من التاريخ. خُذ مثلا الولايات المتحدة، فلا شك ان الحديث عن ديمقراطية أهلٍ لاسمها برغم تشويهاتها. كان السناتور جوزيف مكارثي شخصا سلبيا لكنه لم يكن خطرا حقا. ويجدر ايضا ان نتذكر ان مكارثي لم يوجِد ‘المكارثية’. ففي 1798 خطت سلطات الولايات المتحدة خطوات مضادة لاشخاص تم اتهامهم بصلات مع فرنسا بسبب توتر بين الدولتين. وبعد الحرب الأهلية بدأت منظمة ‘كوكلوكس ـ كلان’ تطارد السود والكاثوليكيين واليهود. وفي الحرب العالمية الاولى هيّجت الحكومة الخوف من ‘الحُمر’، الذي طُرد في اطاره نحو ستة آلاف شخص أكثرهم مواطنون امريكيون.

وكانت الذروة بطبيعة الامر في ايام الحرب العالمية الثانية، حينما أُجلي عن الساحل الغربي الى منطقة نسيها الله في الولايات المتحدة، عشرات الآلاف من اليابانيين، كان جزء كبير منهم من مواطني الدولة. وكان سبب ذلك بيرل هاربر والحرب في المحيط الهادي. ومقارنة بكل ذلك يُعد مكارثي ظاهرة هامشية. من شبه المؤكد ان القضية المتصلة باسمه أكثر شهرة، عندنا على الأقل لأن جُل ضحاياها كانوا مشاهير من السينما ووسائل الاعلام، وهم ليسوا مثل العامة.

مهما يكن الامر، فان مطاردة ‘الخونة’ في الولايات المتحدة ليست شيئا قياسا بالتراث الذي نشأ في هذا المجال في الشرق. فقد طور كي.

جي.

بي ستالين قدرة الشرطة السرية للقيصر على مطاردة الخونة بعشرات آلاف الاضعاف، أو اذا شئنا الدقة فقد أوجدها من العدم. اختفى الاتحاد السوفييتي والقياصرة منذ زمن. ويوجد في روسيا في ايامنا ديمقراطية في ظاهر الامر، لكن التراث هو التراث: فما تزال نظريات المؤامرة تملأ صفحات الصحف وما يزال الصحافيون يُقتلون هناك كما كانت الحال فيما مضى حقا.

سيكون هذا الاستعراض التاريخي القصير ناقصا اذا لم نُلق نظرة أقرب. ففي نهاية 2010 قُتل في مصر 21 مسيحيا. عرفوا في المقالات الافتتاحية لصحف ارض الفراعنة كيف يشيرون الى ‘الخونة’ الحقيقيين وهم أفراد الموساد بطبيعة الامر. فكما اتهموا قبل ذلك بزمن قصير المنظمة بسمكة القرش التي عامت في شواطىء شرم الشيخ، زعموا انه لما كان للاسرائيليين ما يكسبونه من قتل المسيحيين في مصر، فمن الواضح ان الموساد مسؤول عن العملية في الكنيسة القبطية.

يمكن ان نتعلم من تاريخ الولايات المتحدة وروسيا ومصر (وهذه قائمة جزئية) انه عندما توجد حاجة الى اختلاق خونة فان الخيال قادر على اجتياز كل حد. من وجهة النظر هذه، فان مبادرة عدد من اعضاء الكنيست الذين يشعرون بالملل من حزب ‘اسرائيل بيتنا’ الى الفحص عن مصادر تمويل عدد من الجمعيات في اسرائيل، يتبين انه قبيح على نحو خاص. ولما لم يكن لهذه المبادرة أي أمل قانوني فضلا عن مناصرة محكمة العدل العليا، فان السبيل الصحيح هو تجاهلها ببساطة. ليس كل نفخ من رجل يميني فاشية ً أو مكارثية ً أو سببا للقلق.

معاريف 12/1/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية