رسالة مفتوحة إلى الحريري: اربعة ملايين تحت رحمة قرارك

حجم الخط
0

أحمد منصور

دولة الرئيس الشيخ سعد رفيق الحريري حفظك الله تحياتي البريئة المسؤولة وبعد شاءت الأقدار غير العادية أن يغدو والدكم الشهيد رئيس الدولة الفعلي في لبنان بلد التغييرات المستحيلة. لقد كان ذلك معجزةً بالفعل. إنَّ معرفتي بخفايا البلد وتلافيف تكوينه، رغم وجودي القسري في مدينة النور منذ أكثر من أربعين سنة، دفعتني لأن أكون في غاية القلق عليه فانتهزتُ فرصة اجتماعي في باريس بأحد مستشاريه المقربين ‘حسب قوله’ في مقهى بساحة بلدية باريس السادسة أمام نافورة المياه والكنيسة. فقلتُ له ُإنَّ دولة الرئيس رفيق الحريري اخترق الخط الأحمر المحظور، أعني المجال السياسي الأعلى، ولكم كنتُ اتمنى أن يستمّر محسناً مصلحاً مُخلَّداً لا يُضاهى، يواكبهُ الإجماع أينما ذهب، وأن لا يكون في الموقع الذي يشغلهُ حالياً. إذا كنتَ تريد صالحه على المدى البعيد فتكرّم وانقل إليه رغبتي النزيهة. أجابني، والله يشهد، بصوتٍ عالٍ: ولكنَّ الرجل عندهُ مصالح فكيف يبتعد؟ افترقنا بعد دقائق وما زلنا بدون أيّ ندمٍ من جهتي، على الأقل، حتى الآن والغريب المنطقي أني قرأت، بعد استشهاد والدكم الكريم، صفحةً في جريدة ‘الحياة’ يروي فيها الكاتب أن جدّك قال لأبيك، قبل سنواتٍ عديدة، نفس الكلام، فسبحان الله.

السيد دولة الرئيس:

أنا لم يكرّمني القدر بمشاهدة والدك شخصيّاً، ولكني كنتُ من الأوائل الذين شاركوا في تشييعهِ قبل استقراره الأخير في جامع الأمين، الذي ابتناه، حيثُ تقاطعتُ عَرَضَاً مع الزعيم وليد بك جنبلاط فعزّيتهُ، وكان يمر في الجهة الأخرى الموازية، الشهيد جورج حاوي الذي كانت بوصلتهُ الحيرة التي لم تكن سوى شعورهِ الباطني بمرافقةِ والدك الذي لا ينسى في ما بعد.

لقد نشرتُ مقالاً في جريدتي ‘النهار’ و’القدس العربي’ بعنوان، ‘لم أرَ الرجل ولكني شاهدته’.. كانَ بمثابة بورتريه لوالدك العظيم ركّزتُ فيهِ على المعالم الرئيسية في مسيرة شخصيتهِ التاريخية والإنسانية.

دولة الرئيس: سأدخل في صلب الموضوع.. لا شك أن الله كرّمك بكونك ابن الخالد الشهيد دولة الرئيس رفيق الحريري، ولكنَّ هذا الانتماء حمّلك مسؤوليةً لا تقوى عليها الجبال، فكيف بالرجال؟ أقول هذا وأنا أدركُ معنى ما أقصد ومدى الإيقاع الذي تحدثهُ في مسمعك هذهِ الكلمات.

لقد دخلتَ إلى التاريخ فلا تدعهم يُخرجونكَ منه إنّهم محترفون أكثر مما تتصوّر. إنَّ التاريخ العربي زاخرٌ بالاغتيالات، كما أنّ المجازر التي ارتكبتها المذاهب بالمذاهب في هذا الشرق وكأنها اغتيالُ جماعة لجماعة أخرى يعجز اليراع عن وصفها، وهذا ما لا يدفعُ واحدنا إلى التفاؤل الواسع في المستقبل القريب. إنَّ والدك لم يمت، بل هو على الألسن والأعين ووجوه التلفزيونات والصحف وعشرات الكتب، بل مئاتها التي تتحدث عن مآثرهِ ناهيك عن بثّ الإذاعات. فلماذا ترضى أن يكون في متناول الصناعة السياسية عند الكبار؟

سيدي الرئيس: كل شيء يتوقّف على وقفة، على موقف، على شعرة، فالبطولة على شعرة، والحب على شعرة، والحقيقة على شعرة، والاستشهاد على شعرة، والحياة على شعرة، وقد يُنقذ أحيانا الحَذَرُ من القَدَر. إنك أمام امتحان لا يرحم… وأمامك الفرصة التي قد تكون الوحيدة كي تكون فوق المستوى العام.. وتقرع باب التاريخ لتصير فاتحاً من فاتحيه.

يقول المثل العربي ‘هناك ثلاثة كائنات غير موجودة، الغول والعنقاء والخلّ الوفيّ’ وأنا أضيف رابعاً، لو سمحت، الحقيقة وخامساً إذا شئت العدالة.

ليس هناك حقيقة في المطلق إلاّ الله. أمّا على الأرض فالحقيقة كالديمقراطية والدستورية مفاهيم للاستهلاك السياسي ولتسيير أمور ومصالح الأقوياء في هذا الكون.

دولة الرئيس: لا يمكن لأيّ إنسان صاحب ذرةّ من الضمير أن يبارك الاغتيال لأيّ إنسان كان، فكيف إذا كان بوزن والدك وبوزن كمال جنبلاط وعبد الرحمن الشهبندر وفرج الله الحلو وجمال عبد الناصر… ؟ إنّ تراب هـذه الأرض لَكَم جُبِلَت بدماء الأبرياء، ولكنّ الأقوياء يعتبرون أنفسهم آلهة على الأرض، وكلّ شيء مُحللٌ لهم.

إنّ أمر الجاه في التاريخ العربي معروف، فلسبب ما وفي منتهى البلادة والسّذاجة تنشأ حروب توشك على إفناء أصحابها ومن هنا نشأ المنطق الصحراوي ‘الحَفْرُ والدّفن’، أي يجتمع العقلاء من القبيلتين المتقاتلتين للصلّح ووضع حدّ لاستمرار استنزاف الدمّ الذي سيفني بالنتيجة الطرفين.

وفي التاريخ العربي لاسيما القديم معظم الرجّال يموتون ثأراً، وحتى القرآن تبنى الثأر: العين بالعين والسّن بالسّن كي يحافظ على استمرارية سياسة الرّدع بين الناس فلا يستسهلون امر القتل كي يمارسوه.

دولة الرئيس:

أنا أتّهم كلّ الجهات والدول التي لها مصلحة في اغتيال والدكم العظيم، ولا أستثني أحداً، إنّه المنطق ولكن بين المنطق النّظري القانوني والمنطق الحياتي الممارس في لبنان مسافة هائلة وكأنهما متوازيان لا يمكن أن يلتقيا. مأساة هذا البلد يا شيخ سعد أنّه صغير بين كبار محليين وكبار أكبر على الصعيد العالمي، ولكنه ثق بأنّهُ أعقد بلد في العالم.

ثق بأنهم ليس حبّاً بوالدك يظهرون الأصوات المدوية والعواطف الجيّاشة، بل كرهاً بآخر واستجابةً لتنفيذ خطة أو خطط خطيرة نجهلُ مداها.

لقد تعبَ هذا البلد من الحروب المتواصلة على أرضه، وكذلك من الاغتيالات التي تكاد لا تنقطع. والقاتل الذي يقتل ويكون قوياً يشكل خطراً على الآخرين وعلى نفسهِ. إنَّ القاتل القوي سيتكفل الزّمن بإرسال من هو أقوى منه لقتله، وإن لم يكن حسابهُ في هذا العالم فسيكون في العالم الآخر الذي لن يرحم.

دولة الرئيس: إنَّ أخوفَ شيء عندما يكون واضع القانون ومنشئ المحاكم لا يسمح للقانون أن ينطبق عليه وان يقبل المحاكمة. وهذا بالدرجة الأولى ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية، فهي اجتاحت العراق باسم مجلس الأمن، الذي لم يوكلّها بذلك كما تعلم، فلو كانت هناك محكمة عدل دولية صحيحة لكان عليها محاكمة الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد قال خروتشوف رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي بالخمسينات جملة خالدة: ‘إذا مدحك الإستعمار ففتش عن الجريمة التي ارتكبتها’. وهنا أقول: إذا دعا القاتل أو الدافع إلى القتل التوجه نحو العدالة ففتش عندئذٍ عن الثمن الذي سيدفعهُ المقتول وسيُقْتَلُ المقتول مرةً أخرى من جديد وغالباً لا يصل إلى الحكم العادل، بل إلى حفظ الدعوى على الرّف.

دولة الرئيس: منذ قابيل وهابيل لم تكن العدالةُ خبزَ الحياة اليومية عند الشعوب، والناس في بلادنا، رغم عظم المصائب أحياناً، فإنها تلجأ بشكواها إلى الله قائلةً ‘الحمد لله أنها لم تكن أعظم’، وكيفَ يتصور عاقل أنَّ من يقتل هو نفسه الذي يمشي في مقدمة الجنازة. إنكَ في الشرق أليس كذلك؟ والناس تقول أيضاً: ‘الله لا يعلِّق أحداً لا بالحكماء ولا بالحكّام’، إذاً كيف الخروج من المحنة سيدي الرئيس؟ والدكَ كما تعلم في مصافّ المنقذين، المنارات، أو الأنبياء. إنّهُ شهيد والشهيدُ في الجنّة فهو حيٌّ في الدنيا والآخرة. وإنجازاتهُ الكبرى ألسنتهُ الساطعة. فهل مماحكات المحامين ومناكفات المدّعي العام والشهود ستعيدهُ من جانبِ خالقهِ؟ ومن يستطيع إضافة إضاءات جديدة إليه؟ أما إذا شئتم ـ سيدي الرئيس ـ العدالة فهناكَ مئات قبله ومئاتٌ سيكونون بعده.. ونحنُ كنّا وما زلنا في لبنان. أولستَ أدرى الناس بما هو لبنان؟ العقاب سيدي الرئيس يجري في بلدٍ طبيعي متجانس، أما في لبنان فليس من المستحيل أن تقتل ولا تنام في السجن. أنا أدري أن للانسان أباً واحداً وأماً واحدة فهما السماء والأرض بالنسبةِ إليه. مع كل إقراري بهذا الواقع فالسؤال يبقى هل تستطيع إعادة عقارب الساعة إلى الوراء؟ فَمَن سيُعاقِب ومَن سيعاقَبُ وكيف؟

سيدي الرئيس: ليتك تتفرد كليّاً بأخذِ قرارك وحدك تفاجئ العالم بتميّزه وتدخل التاريخ من بابهِ العريض الواسع مترفعاً عن الوقوع في المطبات اللبنانية.

فلئن غفرتَ وعفوتَ فإنكَ تعفو عن لبنان الذي ستكون أباهُ، كأبيك الذي وهبهُ ماله ودمهُ ليجمعهُ لا ليفرقهُ ويقسّمهُ. وإنّ لا فأربعة ملايين إنسان سيكونون تحت رحمة قرارك الذي لن تكون بمناعةٍ منه، لاسيّما إذا ما علمت بجهوزية مئات الآلاف من أشداق البنادق والرشاشات المتلهفة إلى لعلعة النار، وأخيراً وليسَ آخراً قلبي معك وعليك وعلينا. اللهم اشهد فإنني بلّغت.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية