طوائف ومواطنون: التشبث بنظام الملل وإدانته

حجم الخط
0

د. بشير موسى نافع

يتعلق واحد من أكبر التساؤلات التي أثارها حادث الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديسين بالإسكندرية برد الفعل المصري الوطني؛ فقد خرج المصريون بكافة فئاتهم الفكرية وتياراتهم السياسية وقواهم الاجتماعية لإعلان التضامن مع الجماعة القبطية وأسر الضحايا، والتوكيد على وحدة البلاد والشعب. في هذا، بالطبع، جانب إيجابي لا يمكن ولا يجب تجاهله. فبالرغم من التوتر المتصاعد في العلاقات بين المصريين، مسلمين وأقباطاً، خلال السنوات القليلة الماضية، عبر الضمير المصري الجمعي في لحظة الأزمة عن نفسه في صورة تلقائية وواسعة النطاق. ولكن ثمة جانباً آخر لرد الفعل هذا، يجب تأمله كذلك. فالحادث، مهما بلغ من مأساوية، هو في النهاية حادث اعتداء إرهابي صغير ومحدود، في عالم بات يعتبر الهجمات الإرهابية جزءاً من مخاطر الحياة نفسها. وفي سياق مختلف قليلاً، ما كان الحادث ليتطلب أكثر من إعادة نظر ومراجعة للشروط الأمنية التي أخفقت في منع الجناة من ارتكاب فعلتهم. ولكن مصر، حكومة وشعباً هذه المرة، تصرفت وكأن الكيان المصري نفسه عرضة للتهديد، وكأن خطراً يطال الهوية الوطنية المصرية، وكأن وحدة الشعب المصري باتت محل تساؤل. مثل هذا الانعكاس للحادث الإرهابي الدموي ليس غريباً ولا مدهشاً؛ فمنذ عقود، ومصر تعيش حالة من القلق المتزايد في حقل علاقات أقباطها بالدولة المصرية، وفي علاقات مسلميها بأقباطها. يحرص كبار الكنيسة القبطية، بمن في ذلك البابا شنودة، على توكيد الولاء للرئيس مبارك ونظام الحكم، ولكن الأمور لم تكن كذلك دائماً. فقد بلغ الصدام بين الرئيس السادات والبابا شنودة، كما هو معروف، حد تجميد البابا وإيقافه عن القيام بمهماته، ومن ثم إبتعاده عن مقر الكنيسة المرقسية، في سابقة أخرى من سوابق الرئيس السادات ونسق إدارته لشؤون الجمهورية المصرية. ولم تكن جهود التطبيع في العلاقة بين رئاسة الجمهورية والكنيسة التي تعهدها الرئيس مبارك، وما تلاها من توكيدات معلنة ومتكررة على تقديم الكنيسة باعتبارها حليفاً دائماً وأمناً للحزب الوطني ونظام حكمه كافياً لإخفاء حقيقة الإشكالية متعددة الأبعاد التي تحيط بعلاقة الكنيسة، والجماعة القبطية ككل، بالدولة المصرية. ففي رؤيتها لذاتها، وفي إعلانها المتكرر عن هويتها وطبيعتها، تعتبر الدولة المصرية نفسها دولة مدنية مركزية، دولة مواطنين متساوين أمام قانون واحد، تتمتع بسيادة كاملة على أرضها وتفترض ولاء الشعب والتماهي بين هوية الدولة والشعب. وبالرغم من أن الدولة المصرية تتجنب عادة استخدام خطاب العلمانية المثير، وتؤكد على احترامهما للدين وتقاليده ميراثه، فلا يمكن تصنيفها إلا في معسكر الدولة الحديثة، ذات الأصول الأوروبية الغربية.

بيد أن هذه الدولة، وبغض النظر عن طبيعة الطبقة السياسية – الاجتماعية التي تقودها، وعن سماتها الاستبدادية وضيق قاعدتها الشعبية، لم تنجح في تحقيق اندماج الجماعة القبطية في البنية الوطنية. وربما يمكن القول أن عملية الاندماج القبطي قد تراجعت في العقدين أو الثلاثة الماضية عن المستويات التي كانت عليه في النصف الأول من القرن العشرين، عندما بدأت الدولة المصرية الحديثة في التبلور. ثمة قطاعات وجماعات مصرية أخرى تعاني من التهميش والعزلة، كعشائر شبة جزيرة سيناء والصحراء الغربية وأهالي النوبة. ولكن تهميش هذه الجماعات يرجع إلى العلاقة المشوهة بين المركز والأطراف، ولم يكتسب أبداً طابعاً مؤسسياً كما هو حال الجماعة القبطية. ومن جهة أخرى، تستند الكنيسة القبطية والعناصر القبطية النشطة الملتفة حولها في خطاب المساواة والمواطنة الذي تصدع به من عقود إلى هوية الدولة المدنية وذات القيم التي تتبناها. فطالما يعيش المصريون جميعاً في ظل دولة المواطنة والمساواة أمام القانون، يسأل هؤلاء، لماذا تتبنى الدولة سياسة تمييزية تجاه الأقباط؟ الحقيقة، أن الأسباب المؤسسة لتعقيدات الملف القبطي تتعلق بالدولة المصرية والكنيسة القبطية على السواء: كلاهما يتحمل قسطاً من المسؤولية، وكلاهما يسلك سلوكاً مزدوجاً في رؤيته لطبيعة الدولة وعلاقة الأقباط بها. تتعامل الدولة المصرية مع الأقباط تعاملاً تمييزياً، يجعل من الصعوبة بمكان أن يصل أستاذ جامعي قبطي لمنصبي رئاسة جامعة حكومية أو عمادة إحدى الكليات الجامعية البارزة. ويندر أن يحتل قبطي موقعاً عسكرياً متقدماً في أي من أسلحة قوات الجيش المصري؛ والأرجح أن ضابطاً قبطياً لم يقد أيا من قوات الجيش الثلاثة منذ تسلم أحدهم موقع قيادة الجيش الثاني في حرب تشرين أول/اكتوبر 1973. وبينما يندر أن يحتل قبطي موقعاً متقدماً في أجهزة وزارة الداخلية، فإن الأقباط لا يتواجدون في جهازي الاستخبارات والأمن الرئيسيين. إضافة إلى ذلك، فقد تراجع عدد الأقباط الممثلين في مجلس الشعب المصري، وتتراجع أعداد المرشحين في الانتخابات البرلمانية على قوائم الحزب الوطني، الذي بات يسيطر سيطرة مطلقة على مجلس الشعب والحياة البرلمانية، ويعتبر الطريق الوحيد تقريباً لعضوية البرلمان. ولا تقتصر السياسة التمييزية على هذا الجانب، فالشائع أن الدولة ارتضت أن يعامل رجال الأقباط معاملة تفضيلية فيما يتعلق ببرامج المساعدات الأمريكية خلال عقدي السبعينات والثمانينات؛ وربما كان هذا هو السبب خلف الازدهار الاقتصادي المرتفع نسبياً للجماعة القبطية. ومن جهة أخرى، تتبنى الكنيسة المصرية سياسة مبرمجة ومخططة، منذ تولي البابا شنودة قيادة الكنيسة على الأقل، للسيطرة تستهدف السيطرة على شأن الجماعة القبطية، دينياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، وتفترض تمثيل الأقباط والتحدث باسمهم، سواء في مواجهة الجماعة الوطنية ككل أو مواجهة الدولة. في إطار الاجتماع السياسي المصري، تقوم الدولة على أساس التعامل المباشر مع مواطنيها، ولا تسمح لا للأزهر ومشيخته، ولا لأي جماعة سياسية مصرية أن تمثل المسلمين أو التحدث باسمهم. ولكن هذا تماماً ما يحدث في مثل العلاقة المضطربة بين الدولة والأقباط والمسلمين. ثمة مناهج دراسية مختلفة وموازية لمناهج التعليم الوطني تتبع في تعليم وتثقيف المواطنين الأقباط، وخدمات اجتماعية موازية تتعهدها الكنيسة والجمعيات المرتبطة بها، وجهد حثيث تقوم به الكنيسة لعزل الجماعة القبطية عن الجماعة الوطنية، سياسياً واجتماعياً، بحيث ضاقت المساحة المتاحة للعناصر القبطية التي تعرف نفسها تعريفاً وطنياً أولاً. وقد تراجعت وفي شكل ملموس مشاركة الأقباط في الحياة العامة، ليس فقط على مستوى الأحزاب السياسية، ولكن أيضاً في حقول الثقافة والفنون التي عرف الأقباط بمشاركتهم البارزة في ميادينها. الأغلبية العظمى من أقباط مصر اليوم ترى هويتها قبطية، أولاً وقبل كل شيء، ومصرية أو أي شيء آخر، بعد ذلك.

ما يمكن قوله، بكلمة أخرى، ان مصر تعيش تشبثاً مستعصياً بنظام الملل: تتمسك الدولة ببعض من موروثاته، بدون أن تمتلك الشجاعة الكافية للتحرر من هذه الموروثات، وحسم هويتها وعلاقتها بكافة فئات شعبها على أسس مدنية وطنية؛ وتعود الكنيسة إلى موروثات الملل التي تؤهلها للتحكم في رعيتها والتفرد في تمثيلها والتحدث باسمها. كلا الطرفين يتبع سياسة مزدوجة، تراوح بين شروط وسمات الاجتماع – السياسي المدني الحديث وبين موروثات نظام الملل التقليدي. والحقيقة، أن نظام الملل، بالرغم من الصورة السلبية التي رسمت له في بعض الأوساط الأكاديمية والدينية، كان نظاماً اجتماعياً – سياسياً متفوقاً، وفر للتعددية الدينية والطائفية في المشرق العربي – الإسلامي الحماية والحراسة لقرون طوال. ولكن المشرق اختار منذ أكثر من قرن أن يتبنى نظام جديد للدولة، وأن يقيم علاقة الدولة بشعبها على أسس تتفق وهذا النظام. ومن الخطر أن تستمر دول المشرق ومجتمعاته في الاستعارة الانتقائية لقيم نظام الملل وقيم الاجتماع الوطني في آن واحد.

هذا على المستوى الداخلي، أما خارجياً فقد ترددت أصداء الحادث من الفاتيكان إلى أبرز العواصم الغربية. في مناسبتين منذ وقوع الحادث، تحدث بابا الفاتيكان مندداً وداعياً إلى حماية المسيحيين في الشرق وتوكيد حريتهم في تأدية عباداتهم؛ وتحدث كل من الرئيسين الأمريكي والفرنسي والمستشارة الألمانية بلغة قريبة أو مشابهة. وكما أصبح من المعتاد أن تتولد أزمة ما في كل مناسبة فتح البابا بينيدكت فمه للحديث في شأن يتعلق بالعالم الإسلامي، كانت تصريحاته هذه المرة أيضاً مثيرة للاستفزاز، واستدعت رداً سريعاً من مشيخة الأزهر وأوساط إسلامية غير رسمية. المدهش أن تصريحات القادة الغربيين جميعها تقريباً استبطنت الاحتجاج على تقصير الدولة المصرية في حماية مواطنيها من المسيحيين الأقباط. وربما تتحمل السلطات الأمنية المصرية بالفعل بعضاً من المسؤولية، على الأقل ما يتعلق منها بالجانب الأمني. ولكن الأجدر، بالطبع، أن تبتعد الدول الغربية عن تسييس المسألة أصلاً. فمنذ أحداث أيلول/سبتمبر 2001 وأغلب الدول الغربية يتجه نحو سن تشريعات لا يمكن وصفها إلا بالتمييز ضد المسلمين. وباسم حرية الرأي، يفسح المجال في كافة الدول الغربية لجماعات اليمين الديني والسياسي لأن تطرح خطاباً وتنظم وتتعهد حملات تعبئة، موجهة في شكل سافر وصريح ضد المسلمين. وفي أجواء التصعيد هذه، لم يعد من المستغرب أن يساهم حتى كبار القادة السياسيين في حملات التخويف من الإسلام والجماعات المسلمة في الدول الغربية.

بيد أن هناك ما هو أكثر خطراً في التدخلات الغربية في المسألة الدينية والطائفية في المشرق. فمنذ التدخل الغربي الأول في ستينات القرن التاسع عشر في جبل لبنان، إلى الغزو والاحتلال الأنكلو – أمريكي للعراق، لم ينجم عن التدخلات الغربية في المشرق سوى الكوارث، ليس للمجتمعات العربية – الإسلامية في عمومها وحسب، بل ولمسيحيي المشرق على وجه الخصوص. في مصر، كما في غيرها من بلدان المشرق، ينبغي أن تترك قضايا الاجتماع – السياسي لشعوب المنطقة، تتعامل معها وتجد لها الحلول بإرادتها هي لا بإرادة الخارج.’ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية