القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: التنويع على معاناة الصحافيين المهنية والنفسية ورد كثيرا في أفلام لها خصوصيتها الفنية والسياسية، ومعظمها انتصر لدور الصحافي واعتبر الصحافة حصنا منيعا لحماية المجتمع من الفساد.
وعلى ضوء الثنائية الضدية كان دائما الصراع هو المحرك للأحداث والأشخاص، وغالبا ما جاءت النتائج في غير صالح المهنة الاستثنائية، مهنة البحث عن المتاعب، لأن الطرح الواقعي يحتم الصدق والاقتراب من الحقائق، فليس ثمة شك في أن يد الفساد هي الأقوى، وان كان المعيار القيمي هو ما تنتصر له السينما، ولكن المعنى يأتي ضمنيا وليس شرطاً أن تخرج القيمة منتصرة في نهاية الفيلم، بل على العكس، فمنتهى الواقعية أن تكون الهزيمة من نصيب البطل المثالي، وفيلم ‘الطريق الدائري’ لم يشذ عن هذه القاعدة والتزم بالمنطق فيها.
يطرح من إشكاليات وأحداث تتعلق بمافيا المستشفيات الخاصة وما ترتكبه من مخالفات تتمثل في استيراد أدوات طبية منتهية الصلاحية، تلك هي معطيات الحرب التي دارت بين الصحافي نضال الشافعي، وأفراد العصابة التي تتاجر في أرواح البشر، ولكي يكون حماس الصحافي تجاه القضية مبررا بما يكفي لخوض حرب ضروس مع التشكيل العصابي الإجرامي، خلق السيناريست والمخرج تامر عزت ذريعة قوية في السيناريو المحكم، فجعل ابنة الصحافي مريضة بالفشل الكلوي، وتحتاج بشكل دوري لفلاتر طبية لإتمام عملية الغسيل بنجاح، ومن ثم يصبح الدافع لدى الصحافي أقوى من مجرد التبني المهني لقضية خطيرة، غير أن الإصرار على الدخول في مواجهة عنيفة تصل إلى حد الموت مع العصابة التي يديرها طبيب مشهور، صاحب مستشفى تخصصي كبير، كان لابد أن يدعمه شعور شخص بالخطر حتى لا يتسرب لدى المشاهد إحساس ما بالمبالغة، على اعتبار أن زمن البطولات والعنتريات انتهى، وهي النغمة التي يتم ترديدها الآن، ومن شأنها أن تحبط أي محاولة حقيقية للمواجهة، وهذا ما يجعل الالتفات لفكرة وجود منطق مقنع بالأحداث أمرا ضروريا، لا سيما أن مقتل صديق البطل نضال الشافعي كان يمكن أن يكون دافعاً لتخليه عن قضيته الإنسانية والمهنية، بيد أن حالة التشابك والاشتباك الحادثة بين تفاصيل السيناريو، وعلى رأسها الانسجام المفقود بين الصحافي وزوجته هيأت الظروف لهروبه في اتجاه علاقة أخرى مع سيدة صنعت صدفة بالاتفاق مع العصابة للإيقاع به ليصبح فريسة سهلة يمكن الإجهاز عليها، فلولا الفتور العاطفي بين الزوج والزوجة، الفنانة سامية أسعد ما تحقق الجزء الثاني من الفيلم بتلك السلاسة، حيث العشيقة فيدرا اصطادت في الماء العكر وأدت مهمتها بنجاح ووجدت الطريق ممهدا تماما للوصول الى قلب الصحافي الباحث عن الحقيقة والمؤرق بمرض ابنته، وهذا يعد جزءا مفصليا في البناء الدرامي، فما يأتي بعد ذلك هو البداية الحقيقية للأحداث، إذ يكتشف الصحافي المطارد وقوعه في شرك العصابة عبر غواية المرأة التي سلمت له نفسها وسلمته للجحيم بيديها، مقابل أن يمكنها أحد أفراد العصابة من استرداد ابنها الوحيد المحتجز بدولة خليجية مع أبيه، وهذه في الحقيقة هي النقطة الأضعف في كل الأحداث، وكان من الأفضل أن تربط المرأة اللعوب بالعصابة مصالح أخرى غير تلك ‘الحدوتة’ الملفقة، بمعنى أن تكون متورطة معهم في مخالفات وسرقات واختلاسات كي يصبح انقيادها لهم متماشيا مع السياق العام لنشاطهم الإجرامي، فضلا عن أن نوبة صحوة الضمير التي انتابتها فجأة لم تكن كافية لتحويل مسارها بتلك الإيجابية الواردة بشكل سهل وبسيط، بما يوحي بأنها شخصية أخرى غير التي بدت لنا في النصف الأول من الفيلم، لا سيما أن التحول من النقيض للنقيض لا يأتي سريعا على هذا النحو المباشر، كما أن عملية اقتحام الشركة وزرع أجهزة تنصت في مكتب الطبيب الفاسد كان الأداء فيها مسرحيا وغير مقنع، فالرجل الخطير المحصن والمدرب على المواجهة بكل أنواعها لا يمكن له الاستسلام بمجرد التهديد بمسدس وإجباره على توقيع شيك بمبلغ مليون دولار، بعد أن يتم ضرب الحارس الخاص به وربطه بالحبال على طريقة أفلام ملك الترسو فريد شوقي، الإشكالية الكبرى في فيلم تامر عزت ‘الطريق الدائري’ أنه بدأ بداية صعبة جدا وانتهى نهاية سهلة جدا، أيضا لم يستطع المخرج وكاتب السيناريو أن يحافظ على الايقاع بميزانه الدقيق طوال الوقت، فقد اضطر بعد أن ضيق على نفسه بمعطيات الإثارة والحذر الشديد في مسيرة البطل وبقية الأشخاص أن يفك كل ذلك فجأة من دون أن يسير في ذات الخطوط المرسومة بنفس الجدية، وتلك مشكلة تواجه غالبا من يكتبون لأنفسهم، لكونهم يفرطون في بعض التفاصيل الدقيقة ليضعوا نهاية مقنعة من وجهة نظرهم ولا يجدون بالطبع من يعارضهم لأنهم الكتاب والمخرجين في نفس الوقت.
يستثنى من هذا الحكم من لهم باع طويل في الكتابة من المخرجين الكبار أمثال داود عبدالسيد، فلا يمكن أن يشمله هذا الرأي، لأن خبراته تمكنه من تقدير نهايات أفلامه التقدير المناسب والصحيح، ولا يعني أن هذا عيب خطير في من هم سواه، ولكن فقط عامل الخبرة يكون فارقاً في المستويين.
ايجابيات كثيرة في فيلم تامر عزت أولها توظيفه لإمكانيات نضال الشافعي كممثل اتسم أداؤه بالعفوية الشديدة وكان على المستوى اللائق والمقنع كنجم، بالإضافة الى استغلال عزت لمؤثرات الضوء والظل والموسيقى من دون إسراف، ووعيه بطبيعة الديكور الخاصة، بحيث لا يكون تكميلياً، وإنما يلعب دورا أساسيا في تكوين الصورة المشهدية، كذلك المونتاج بدا التميز فيه واضحا كل الوضوح فلم يكن النقل والقطع فيه عملا ميكانيكيا فحسب، بل انه جاء دلاليا وموحياً للغاية، وهي نقطة تبقى في رصيد المونتير والمخرج معا، فيدرا وسامية أسعد أخذتا فرصتهما كاملة وأدتا أداء مبهرا، ولكن من ظلم هو الفنان الكبير والممثل القدير عبدالعزيز مخيون، فلم تمكنه مساحة الدور من استغلال كل طاقاته الإبداعية وإن كان قد أبدع فيما توافر له من مساحة هي بالطبع أصغر بكثير من موهبته، فمخيون ممثل من العيار الثقيل لديه قدرة فائقة على تنويع الأداء وتلوينه بمئة لون.
التحية واجبة لكل صناع الفيلم ولا تقلل المآخذ البسيطة من قيمته الفنية فأقل ما يبشر به، صعود مخرج واعد ينتظر منه الكثير.