أكثم سليمانمات البوعزيزي… ثمانية عشر يوما بلياليها قضاها ملتفا بالشاش الأبيض يتقلّى بآلامه في المستشفى بعدما أضرم في نفسه نار اليأس والغضب. زاره المسؤولون، تعاطف معه المواطنون، تناقلت صوره وكالات الأنباء، لكنه قرر مغادرة عالم الأكفان. قرر المغادرة كمن ينظر في ساعة قدرية ويبتسم مرتبكا معتذرا أن تأخّر الوقت، أن حان الرحيل، أن خلف الأفق صوتا ينادي… أن كفى…***مات البوعزيزي… ستة وعشرون خريفا مرت مذ أبصرت روحه النور في مكان ما بين المحيط والخليج اسمه تونس، وكان ممكنا أن يكون أي اسم آخر من بين اثنين وعشرين اسما، متحجرة واقفة ممتدة – كشواهد القبور – إلى الصحارى، إلى الخواء. كيف تكون طفولة إنسان في مقابر كهذه؟ كيف تكون الفتوة؟ الحب الأول؟ الأغنية المفضلة؟ الأحلام؟… أتكون؟
؟…***مات البوعزيزي… مات البوأزيزي… البوزيزي… البوازييه… البوزيه… وسائل إعلام الأرض تناقلت الخبر والاسم بكل احتمالات اللفظ والتصريف. وحدها الصورة الفوتوغرافية حافظت على وحدانيتها الحارقة،.. صورة شاب من الخلف تتصاعد منه ألسنة اللهب وهو يخطو مترنحا وسط ساحة في بلدة سيدي بو زيد،… شاب يتقدم مشتعلا باحثا عن شيء ما، عن فسحة ما…***مات البوعزيزيمات وحده بعد أن سرق أحدهم منه الوطن. .. فجأة أحيانا يصغر الوطن. يصغر ويصغر ويأخذ شكل عربة خشبية بعجلتين عليها أكوام من الخضار، ويجرها إنسان. تختفي الشواطئ والمصايف والمصارف والمصانع والمزارع والسهول والجبال، وتبقى عربة مصنوعة من الأخشاب. ثم يأتي شرطي، يصادر العربة، ويقول للإنسان: غادر الساحة! غادر المكان!***مات البوعزيزيبسلام مات. لم يتشاجر مع الشرطي، رغم أنه لاحقه من طرف الساحة الأول، حيث الإنذار الأول، إلى طرف الساحة الأخير، حيث الإنذار الأخير: أن ابتعد من هنا. ولم يلوّح بشهادته الجامعية في وجه أحد رغم أنها كانت معه غالبا، تحت أكوام الخضار في أسفل العربة أو في الجيب الأيسر للقميص أو الخلفي للبنطال. وربما فيها أولا بدأ بإشعال النيران…***مات البوعزيزيلم يقفز في البحر مجدفا بيديه نحو الشمال، سابحا فوق جثث من سبقه من الشبان. ولم يقفز إلى طائرة ليقتحم بها أبنية هنا أو أبراجا هناك. ولم يقفز خلف أسوار بيوت الأغنياء شاهرا جوعه. قفز فقط من طرف الساحة إلى طرفها الآخر، وحين ضاق به الفضاء قفز إلى الفراغ. هل هناك وراء حجاب الغيب من سيصادر منه شيئا؟ أو يطلب منه ـ مرة أخرى ـ الابتعاد؟***مات محمد البوعزيزي… مات محمد البوعزيزك… مات البوعزيزنا جميعا… وبقي الوطن الرماد… كاتب وإعلامي عربي من سورية يقيم في برلين