ردا على ‘محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي’: حفلة كوكتيل قائمة على المزاعم!

حجم الخط
0

جان دايةيقول الزميل محمد منصور في سياق تقييمه لكتابي ‘محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي’ المنشور في ‘القدس العربي’ بتاريخ 10 كانون الاول ( ديسمبر) 2010: ‘أنني أحيي الماغوط في قبره على انسحابه من الحزب القومي في مرحلة مبكرة من حياته وأعبّر مجدداً عن إعجابي العميق بنكتته الكاذبة التي ألّف الحزب كتاباً كاملاً للرد عليها بعد موته’. وأقول ان من حق محمد منصور الانسان والسياسي المعتنق لعقيدة سياسية مناهضة لعقيدة أنطون سعادة، ان يقهقه للنكتة المزدوجة التي أكد فيها الماغوط انه انتمى الى الحزب القومي عرفاناً لجميل فرعه في السلمية الذي أمّن له الدفء بواسطة الصوبيا، واشترى بنطلوناً بالتبرعات التي جمعها لحزبه. كذلك من حقه أيضاً ان يقيم حفلة كوكتيل بمناسبة انسحاب الماغوط ‘المبكر’ من الحزب الذي ادعى في سياق نكتته انه لم يقرأ صفحتين من أدبياته. ولكن من واجب الناقد محمد منصور أن يلجم عواطفه السياسية وأحكامه المسبقة، فيقرأ الكتاب الذي يكون بصدد نقده، بحيادية تامة يقتضيها المنهج العلمي النقدي. ولو فعل ذلك، لأحجم عن احتفائه بنكتة يعترف هو بأنها كاذبة، ولاكتفى بإرسال برقية تهنئة الى الماغوط على انسحابه من الحزب القومي، بدلاً من ارسال تحية عبر صفحات هذه الجريدة. وبالمناسبة، فالنكتة الكاذبة التي كررها الماغوط وصدّقها الكثيرون، تشكل اهانة لمطلقها الكاتب الموهوب الذي انتمى الى حزب عقائدي من غير أن يقرأ حرفاً من مبادئه حسب ادعائه وسرق مال حزبه ليشتري بنطلوناً.

أما زعم الزميل بأن النكتة الماغوطية قد أزعجت الحزب القومي فحرّضته على إصدار كتاب مؤلف من مئات الصفحات للرد عليها، فيعوزه الدليل. واذا عثر الزميل على مقال واحد صادر عن عمدة الثقافة أو الاذاعة في الحزب القومي أو بقلم كاتب قومي، فليدلني عليه. أما اذا كان قصده ان الحزب قد أمرني أو أوعز لي بتأليف الكتاب، فلماذا انتظر ربع قرن حتى يرد على النكتة؟ وكيف يفسر صدور الكتاب عن ‘فجر النهضة’ وليس عن ‘دار فكر للابحاث والنشر’ التي يمتلكها الحزب؟.

ويقول محمد منصور ان كتابي المؤلف من 380 صفحة يستهدف إعادة الماغوط ‘إيديولوجياً وأدبياً الى حظيرة الحزب الذي تبرأ منه وهجاه’. وكعادته، يطلق الاحكام من غير أدلّة، في حين ان الهدفين اللذين دفعاني الى تأليف الكتاب ونشره، وهذا واضح من المقدمة والفصول السبعة والوثائق، هما: الاضاءة على المرحلة الاولى من حياة الماغوط الأدبية، واعادة نشر قصائده ومقالاته المجهولة التي كتبها في تلك المرحلة، وغير الخالية من اللمعات الابداعية. ولما دامت المرحلة تلك 12 سنة وترافقت مع حياته الحزبية، فقد اتبعت في الكتاب المنهج ذاته الذي يتبعه أي دارس لأديب أو شاعر مرّ بتجربة حزبية كما هو حال الشاعر العراقي بدر شاكر السياب، وهو المنهج القاضي بالتوقف أمام تلك التجربة وليس القفز من فوقها والاكتفاء بالنكتة الخاصة بها والمفبركة من ألفها الى يائها. ويقتضي ذلك بالنسبة للماغوط تبيان مدى تأثره بكتاب ‘الصراع الفكري في الأدب السوري’ الذي يرسم فيه أنطون سعادة خارطة طريق التجديد الأدبي كما يراه، خصوصاً وان الكتاب المذكور كان له تأثيره على العديد من الشعراء والأدباء الذين كانت لهم تجربة حزبية مماثلة، كيوسف الخال ومحمد يوسف حمود وخليل حاوي ونذير العظمة وأدونيس وسعيد تقي الدين. ويقتضي ذلك أيضاً توفير بدايات الماغوط الشعرية والنثرية المجهولة، للقراء والزملاء والباحثين ومنهم محمد منصور. وبالمناسبة، اتمنى على الناقد الفني منصور ان يتواضع عندما يكون بصدد نقد أنطون سعادة، فيقرأ أدبياته قبل ان يطلق أحكامه عليه بمنهج استخفافي تهكمّي، ولو فعل ذلك لأدرك سرّ تأليف رئيس الكونسرفاتوار في لبنان الموسيقار الدكتور وليد غلمية سنفونية عن سعادة بعنوان ‘الفجر’ حيث ان من عناصر السر انه قرأ له عن الموسيقى الكلاسيكية ما لم يقرأه لأي باحث في هذا اللون الفني الأجمل، من حيث العمق والخلق.

وعلى ذكر تأثير سعادة على أدباء حزبه، يتساءل الزميل: ‘لا ندري ما علاقة هذا بالماغوط اذا كان لم يلتق ِ سعادة في حياته، وهو لم ينتسب الى الحزب الا بعد اغتياله، وكان دون العشرين من العمر’. وأتساءل بدوري حول سرّ حصره التأثير في اطار العلاقة المباشرة، في حين ان تأثر الماغوط بسعادة يمكن ان يحصل عبر قراءته لكتاب ‘الصراع الفكري في الادب السوري’ الذي لم يرحل مع رحيل مؤلفه. صحيح ان الماغوط كان دون العشرين حين أقسم يمين الانتماء، ولكنه، كأي موهوب، التقط باكراً رسالة سعادة الخاصة بالحداثة الادبية. ناهيك عن انه استمر في حزب سعادة دزينة من السنين ونضج حيث يفترض ان الرسالة رسخت في عقله ووجدانه ومنهجه الادبي.

ويقول الزميل، مستعينا بموهبته التهكمية التي أصّر على ممارستها في كل كلمة وعبارة من مقالته، وقد فجّرها هنا باللهجة العامية ليضمن إقناع قرائه بصحة فرضيته التالية:’لو كان الماغوط حياً وقرأ صفحات هذا الكتاب الذي يستميت في اثبات نسبه الحزبي لصرخ في وجه من يسأله رأيه: يا أخي كنت بالحزب وكتبت بجريدته ودافعت عنه، وبعدين بطّلت ما عاد بدّي، حلّوا عني انتو والحزب تبعكن ليش لاحقيني لهون’. وأقول ان لا لزوم للافتراض والتخيل والاستنتاج واللجوء الى التهكم باللهجة العامية، ما دامت الحقيقة الجادة والمصاغة بالفصحى، متوفرة. فقد طرح الزميل محمد علي الاتاسي على الماغوط سؤالاً حول رأيه بالحزب القومي وزعيمه وعقيدته، وذلك بعد عدة سنين من علكه نهفة الصوبيا والبنطلون، فأجاب: ‘عندي حنين الى فكرة القومية السورية. هي أصفى فكرة على الاطلاق. ومن أجل ذلك قتلوا انطون سعادة هذا القتل المبكر’. والجواب ورد بالحرف في سياق المقابلة التي نشرت في العدد 469 منملحق ‘النهار’ الصادر في 3 آذار ( مارس) 2001. واخيراً يقول محمد منصور، ودائماً بعد كلمة ( لو) الافتراضية: ‘لو لم ينسحب الماغوط منذ مطلع الستينيات، لألف جان داية مجلّدات كي يتتبع مدى تأثر الماغوط في مسرحية ( غربة) و ( ضيعة تشرين) و ( كاسك يا وطن) بأفكار سعادة، ومدى استلهامه لليوتوبيا الفاضلة التي كان يحلم بها سعادة في مسلسل (وادي المسك)’. وأقول ‘بجدية’ ان انسحاب الماغوط من الحزب القومي قد دفعني الى الغاء مئات المجلدات التي كنت بصدد درس سيرته وادبه فيها، وأكتفي بواحد منها أدرس في أحد فصوله موهبته الساخرة، وأوزع باقي الفصول على أبرز الأدباء الساخرين في الجمهوريتين اللبنانية والسورية من أمثال اسكندر الرياشي وسعيد فريحة وعمر فاخوري وسليم سركيس ومارون عبود وسعيد تقي الدين وغيرهم من الذين لا يقلون ابداعاً في السخرية عن مارك توين وبرنارد شو وموليير. أما مقدمة الكتاب العتيد، فسأميز فيها بين السخرية الاصيلة التي هي أعلى درجات الجدية، والمسخرة التي يتقنها الزميل منصور بدليل انه مارسها في ‘نقده’ تهكماً واستعلاء وتقريقاً وأحكاماً قراقوشية وجعدنة ونكات يحتاج قارئها لمن يزكزكه كي يبتسم لها. باحث من لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية