باحث اجتماعي: المعارضة الجزائرية لم تعد بديلا للسلطة ولا بد من نخب جديدة تلعب دور الوسيط بين الحاكم والمحكوم

حجم الخط
0

الجزائر ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال زايت: قال عبد الناصر جابي الباحث الجزائري في علم الاجتماع أن الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية هي نتيجة لسلسلة طويلة من الاحتجاجات التي عرفتها عدد كبير من مناطق البلاد، بما فيها المناطق الجنوبية، المعروفة بهدوئها، مشيرا إلى أن الجزائر تعرف حالة غليان يومية، وإن كان اللافت للأنظار في الاحتجاجات الأخيرة أنها كانت عنيفة وشملت عددا كبيرا من ولايات البلاد وشارك فيها عدد كبير من الشباب.

وأضاف جابي في تصريحات لـ’القدس العربي’ أن الملاحظ هو أن الاحتجاجات التي كانت قد غادرت العاصمة منذ سنوات عادت إليها بقوة، موضحا أن الخطاب الرسمي يريد أن يحصر الأحداث في مسألة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية واسعة الانتشار، وأن هذه القراءة غير صحيحة وتنم عن قصر نظر، لأن الأمر يتعلق بحالة تذمر عام تتطلب إصلاحات سياسية واقتصادية.

وذكر أن الشباب الذين خرجوا إلى الشارع كانوا يطالبون بمزيد من العدالة الاجتماعية وبوضع حد للفساد الذي استشرى في مؤسسات الدولة، وينادون بحياة كريمة، وهذا أمر مشروع، لأن هناك أريحية مالية تزامنت مع تقلص الأعمال الإرهابية، إضافة إلى استقرار عرفته مؤسسات الدولة، وهو استقرار لا يجب أن يتحول إلى ركود، يقول المصدر ذاته.

وأكد أن الوقت مناسب للقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية موسعة، محذرا السلطة الحاكمة من البقاء حبيسة النظرة السطحية للأحداث، واعتبارها مجرد غضب شباب سببه ارتفاع أسعار السكر والزيت، في حين أن الأمور أكثر عمقا من موضوع الأسعار، والإصلاحات مسألة ضرورية وعاجلة لتفادي انفجار اجتماعي آخر.

واعتبر أن الجزائريين تغيروا كثيرا مقارنة بثمانينيات القرن الماضي، لأن عدد المتعلمين زاد بشكل كبير، كما أن أغلبية الشباب يتابعون كل ما يحدث في الخارج، وخاصة في أوروبا، وبالتالي أصبحوا أكثر وعيا، وهم يرفضون أن يقارنوا الجزائر اليوم بما كانت عليه في الماضي، مشيرا إلى أن تكلفة تسيير البلاد بدون ديمقراطية وشفافية ستكون مرتفعة، وإلا فإن الاحتجاجات والمواجهات مع قوات الأمن ستصبح رياضة قومية.

وشدد على أن الشيء اللافت هو أن هذه الاحتجاجات بكماء، ولم تعبر بعد عن نفسها، وأن الذي يستطيع ركوبها ستتكلم لغته، موضحا أن هذه هي حركات احتجاج لما بعد الإسلام السياسي، موضحا أنه حتى وإن كان البعض يقول أن الإسلاميين فشلوا في توظيف هذه الأحداث وركوبها، لأنهم أصبحوا ضعافاً ومشتتين، لكنهم موجودون في الشارع، وهم أقل تشتتا وضعفا من أحزاب وتيارات سياسية أخرى، سواء تعلق الأمر بالأحزاب الوطنية التي ضعفت أو اليسارية التي انقرضت تقريبا، وكذا الأحزاب الأمازيغية التي ضعفت كثيرا، وهذا ما أفرغ الشارع من أي طرف سياسي قوي.

ويرى جابي أن المسؤولية مشتركة بين السلطة والأحزاب والنخب بشكل عام، لأنه حتى وإن كانت السلطة ضيقت مساحات التعبير، فإن النخب استسهلت الأمر، وتوقفت عن النشاط بدعوى أن السلطة لا تريد، في حين أن السياسة هي عبارة عن ميزان قوى، والحريات تنتزع ولا تمنح، ولا يمكن أن ننتظر من السلطة أن تدق باب الأحزاب لتطلب منهم ممارسة السياسة بكل حرية، مؤكدا أن الحزب لا يجب أن يتحول إلى كشافة، عندما يسمح له بالعمل يفعل، وعندما يمنع يبقى مكتوف الأيدي.

وأوضح أن الأحزاب تلوم السلطة على الانغلاق ورفضها الحوار معهم، في حين أن الأحزاب نفسها ترفض الحوار فيما بينها، فنجد الخلافات والعداء الموجود بينها أكبر بكثير مما هو موجود بينها وبين السلطة، مؤكدا أن التشتت والتشرذم الموجود في الساحة السياسة، جعل أن المعارضة لم تعد بديلا للسلطة، وهذا ما أدى بنا إلى حالة انسداد. وأعرب الباحث في علم الاجتماع عن أمله في أن تكون السلطات قد أدركت الخلفية الحقيقية لهذه الاحتجاجات، وأن تعجل باتخاذ إجراءات انفتاح في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية، وعليها إعادة النظر في بعض النخب الذين تتعاطى معهم، والذين لا يساوون شيئا لدى المواطن الجزائري، بل إن هناك بعض الوجوه التي يمثل تقديمها في التلفزيون الرسمي إهانة واستفزازا لمشاعر الجزائر، وهو ما يفرض على السلطة الحاكمة الاعتماد على نخب جديدة ذات مصداقية ولها مستوى تعليمي وثقافي يجعلها تلعب دور الوسيط بين السلطة والشارع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية