عبد الستار العياريربما تأخرت محطات هذه المرة رغم سخونة الأحداث الجارية على عدة مسارح عربية ودولية، وهذا ربما أيضا ليس بغريب، لأن الحرائق السياسية والعسكرية تنتقل من مكان إلى آخر لكنها لم ولن تتوقف. خلال الفترة الأخيرة طفحت على ‘الحلبة’ العربية أحداث شعبية ذات طابع أمني واجتماعي لها من الخطورة على الأنظمة القائمة ما يدعو للتوقف عندها. ومباشرة إلى المحطة اليتيمة هذه المرة، وستكون من تونس بلدي وموطني وهذا أمر طبيعي وبديهي، فالأقربون أولى بالمعروف وليس كما اصبح الامر متعارفا عليه لدى الشعوب العربية من سياسة معظم أنظمتها التي لا تعرف صلة القرابة والدم والهوية في سياستها المرتبكة بين الداخل والخارج. احتراق شاب سيحرق بلدا، لن نسرد ما حدث لأنه أخذ ما يستحق من العناية الإعلامية فيها الغث والسمين، كما فيما حدث حقائق وتأويلات. فما حدث في تونس كالشرارة التي أحرقت غابة، أو غابات… وكانت عملية إقدام المرحوم محمد البوعزيزي من ولاية سيدي بوزيد على إحراق نفسه الشرارة التي كادت تودي بالبلد إلى ما لا يحمد عقباه، وربما الوضع مازال كالنار تحت الرماد وهذا هو المهم والخطير، لأن النتائج غير معلومة سلفا وهذا نتيجة عدة أخطاء ومغالطات وسوء معالجات للذي جرى ويجري. صحيح أن الأوضاع الاجتماعية، خاصة في صفوف أصحاب الشهادات العليا صعبة وأحيانا مزرية… وصحيح ان هناك تجاوزات وفسادا وسوء تصرف، كما هو منتشر في معظم دول العالم، خاصة في المحيط العربي، لكن علينا أن نعطي ما لقيصر لقيصر وكل ذي حق حقه. فالحكومة التونسية وبلا مجاملة، أو تزلف وتقرب منها، ولا أرغب في القرب من احد، ولم ولن أجامل أو أعادي أحدا وموقفي سأصدح به تحت أي ظرف… لكن ومن موقعي المتابع للشأن العام السياسي والاقتصادي، بذلت وتبذل كل ما لديها من مجهودات مكثفة من أجل توفير مواطن الشغل لكل تونسي وأقرت عدة إجراءات رئاسية مهمة في هذا الغرض، من بينها إحداث مراكز تكوين متعددة بكامل تراب الجمهورية لأجل المقاربة بين التكوين والتشغيل، في ظل تزايد عدد المتخرجين من ذوي الاختصاصات التعليمية صعبة الاندماج في سوق الشغل ونجحت في ذلك لحد ما.
كما تشجع باستمرار المؤسسات الاقتصادية في القطاع الخاص على انتداب هؤلاء العاطلين عن العمل، مع تحمل جزء مادي في شكل منحة شهرية لمدة عام وعامين للمنتدبين في القطاع الخاص، الذي منحته امتيازات كبيرة جدا من أجل دفع الاستثمار داخل البلاد وفي الجهات الفقيرة والمحرومة، عبر تحمل قرابة 60 بالمئة من حجم الاستثمار في تلك الجهات، مع إعفاء المستثمرين من الأداء لمدة 5 سنوات، وكذلك عدم دفع التغطية الاجتماعية للصناديق المختصة بنفس المدة كما أسندت مئات الآلاف من القروض لخريجي الجامعات لبعث المشاريع الصغرى، فنجحت فيها كما فشلت… والعديد من الامتيازات الأخرى، إلا أن رجال الأعمال وأصحاب المال يتحملون قسطا مما حدث بعد عزوفهم، وعدم المغامرة بالاستثمار في المناطق البعيدة وهذا دور سلبي منهم، بل تخل عن واجبهم الاجتماعي والوطني.
هذا من دون أن يعفي السلطة من أداء دورها وواجبها الذي يحتم عليها التدخل الحازم عند الضرورة ووضع قانون يمنع بعث مؤسسات صناعية بالمناطق الصناعية الكبرى الموجودة في الولايات الصناعية، وهي تحاول ذلك بطرق سلسة.
لكن يبدو ان كل هذه الخطوات غير كافية تجاه شريحة معينة من المجتمع وهم أصحاب الشهادات العليا الذين لا يزال قسم مهم منهم يؤمن بالوظيفة العمومية وبعقلية ‘شهرية مسمار في حيط’ ولا يرغب إلا في الشغل بالسلك العمومي، ولا يشغلون ولو وقتيا في مهن يرونها لا تتماشى ومستواهم التعليمي، وهذا في نظري من الأخطاء القاتلة، فالبطالة أزمة عالمية تعاني منها كل الشعوب والحكومات. لكن خلال الأحداث الأخيرة ليست المشكلة في الأزمة، لكن الأزمة في كيفية معالجتها، مما ساعد الاحتجاجات على تصاعد وتيرة الغضب الشعبي نتيجة بطء تدخلات السلطة واقترابها مباشرة بالمحتجين والاستماع لهم ولمشاغلهم وتطرح عليهم الحلول القادمة، إذ لم تتصور تطور الأحداث إلى ما آلت إليه فأرادت إخماد المظاهرات بالقوة الأمنية المبالغ فيها نتيجة اعتداء بعض المتظاهرين على أعوان الأمن، بعد ما تجاوزت مجموعة معينة الخطوط التي ترى السلطة لا مجال لتجاوزها، كحرق منشآت عمومية تابعة للنظام أو الاعتداء بالشعارات غير اللائقة وتمس بكرامة الناس وبأعراضهم. كما كان دور الإعلام التونسي سلبيا ولم يتناول الموضوع بكل حياد وموضوعيةع ومارس الجبن والتعتيم، مما جعل الناس يبحثون عن المعلومات من وسائل إعلام أجنبية، أخطأ البعض منها في تناول الأحداث وأصاب البعض الآخر في متابعته، وهــــذا ما ضاعف الاحتقان داخل صفوف المجتمع المدني ونخبه، وكفــــروا بالإعلام المحلي الذي تحرك بعد إقالة وزير الإعلام التونسي السيد أسامة رمضان وتعيين خلفه السيد سمير العبيدي، وخطاب رئيس الجمــــهورية الذي توجه به للشعب التونسي، عندها بدأت وسائل الإعلام التونسية تتحرك وفق أطر معينة في محتواها ما يستحق التنويه به، ومنها ما لا يستحق مجرد الذكر، لأنهم يغردون خارج السرب ويضر بالسلطة أكثر مما ينفعها وهم لا يدركون رغم ظــــنهم الخاطئ بالولاء لها.
لقد انتقلت هذه المطالب الشعبية إلى مطالب سياسية وركبت ‘المعارضة المفتتة’ على الأحداث نتيجة عجزها على تحريك الشارع لأغراض سياسية، فوجدت ضالتها في ما حدث من تحرك شعبي من أجل توفير لقمة العيش. وفي ظل الإقصاء الكلي من الجانبين حصلت بعض التجاوزات هنا وهناك من الطرفين (السلطة والمعارضة) وهذه الأزمة القائمة بين الطرفين تعاني منها كل البلدان العربية بدون استثناء.
صحيح أن الحكومات تضيق الخناق على المعارضة في مجالات عدة، وكان عليها عدم فعل ذلك، كحق التعبير وحقوق الإنسان وحرية الفكر والمعتقد والتعبير عن الرأي وفق معايير لا تمس بكرامات الناس. لكن في المقابل المعارضة لا تمارس سياسة الخلاف في الرأي على أصول وأعراف وقوانين منطقية وفكرية سلمية وسليمة، كعدم إقصاء النظام وتجريمه، ولا ترى فائدة تماما في سياسة القائمين على تسيير شؤون البلاد والعباد. فهناك أنظمة عربية صحيح انها لم ترتق للمستوى المطلوب من القيام بواجباتها، لكن قدمت للشعب وللأمة ما يستحق الذكر والتنويه، واعتراف المعارضة بإنجازات النظام هي من قيم المعارضة وصدقيتها أمام الشعب وأمام نفسها، وتفرض احترامها على النظام نفسه ببرامجها وأهدافها وتلاحم أحزابها أيضا، وهذا ما هو مفقود في صفوف المعارضة العربية عموما (وسبق وكتبت مقالا في هذا الشأن على هذه الصحيفة الموقرة التي تحظى باحترام معظم التونسيين والعرب). وهذا ‘التشابك’ كما التخوين، والتخوين المضاد وعدم الاعتراف الكلي بين الأنظمة والمعارضة، هو الذي دعم التشدد في المواقف وسادت النظرة السوداوية لهذا تجاه ذاك، وهذا ما انعكس على الأحداث الأخيرة في تونس التي سميت بأحداث ‘سيدي بوزيد’ التي تطورت وامتدت لأكثر من منطقة بالجغرافيا التونسية، ومازالت تتفاعل رغم التحرك غير المسبوق من طرف رئيس الدولة مباشرة من أجل إيجاد الحلول الكفيلة بحل الأزمة، في الوقت الذي تشكك فيه بعض الأطراف والجهات في جدواه. فالحلول التي بادرت بها الدولة لن تكون بين عشية وضحاها واقعا ملموسا ‘وجنة الخلد’ المنتظرة فهي تتطلب بضعة أشهر أو سنوات لتحقيق المشاريع الموعودة، فالحكومة لا تملك عصا سحرية تغير بها الوضع بين عشية وضحاها.
وهنا على المعارضة ان تفهم خطوات السلطة والقرارات المتخذة ومتابعتها عن كثب، بدون التشكيك فيها وإنكارها، ولا تمارس سياسة في مواضيع اجتماعية معقدة كهذه سياسة ‘كن فيكون’ وعلى المجتمع المدني تفهم ذلك. ‘ إعلامي تونسي