تونس: من الواجب عدم شتم المستقبل

حجم الخط
0

مالك التريكي

في المونولوغات الإذاعية الشهيرة التي كان يقدمها الفنان زياد الرحباني في الثمانينيات في إذاعة ‘صوت الشعب’ اللبنانية، بعنوان ‘العقل زينة’، مونولوغ يقول فيه بأسلوبه الساخر المحبب ما معناه: يلقي المسؤول خطابا فيقول ‘أنا لن أستقيل فأنا غير مستعد للمخاطرة بمصير البلد وتركه عرضة للمجهول، الخ الخ’. ويعلق زياد أن هذه جملة مفيدة معقولة ليس للمواطن أي مشكلة معها. يسمعها المواطن فيفهمها. بل إنه يصدّق الجزء الأول منها. يصدّق قول المسؤول ‘لن أستقيل’ لكنه عندما يصل إلى الجزء الأخير، جزء ‘فأنا غير مستعد للمخاطرة بمصير البلد وتركه عرضة للمجهول…’، لا أدري، يقول زياد، لماذا يعجز المواطن عن إكمال المشوار والاستمرار في ممارسة قواه التصديقية رغم أنه يحاول ولا يدخر جهدا في المحاولة. بتطبيق هذا المنهج الرحباني يتبين أنه كان هنالك في الخطاب الرئاسي الاستثنائي في تونس أول أمس ثلاثة أنواع من التعهدات. تعهد أول قابل للتصديق التام هو: لن أستقيل. صحيح أنه تعهد لم يتم النطق به بصريح العبارة، لكنه كان جوهر الخطاب الذي يفهم على ضوئه كل شىء آخر. تعهد ثان قابل للتصديق المشوب بتحفظ، هو: لا رئاسة مدى الحياة. وسبب التحفظ أن التعهد أعلن في صيغة التفافية حول جملة أوضح لم يتم النطق بها أيضا، أي جملة ‘لن أترشح لانتخابات 2014′. أما بقية الجمل والتعهدات… فلكلّ، مثلما يقول الشعار الماركسي، حسب حاجته وعلى كل حسب طاقته. لكل مواطن حسب حاجته التفاؤلية، وعلى كل مواطن حسب طاقته التصديقية في مسألة التعامل مع وعود الحريات العامة والديمقراطية السياسية والتحقيق المستقل في الفساد. لكن أيا كان الأمر، فإن من الواجب الالتزام بـ’عدم شتم المستقبل’ (مثلما يقول التعبير السياسي الفرنسي الشهير). فلا أقل من الانتظار أياما، بل أسابيع، ريثما يتضح بادىء الأمر مقدار الجدية في التعهد باحترام حرية التعبير. لماذا حرية التعبير بالتحديد؟ لسببين. السبب المبدئي هو أن حرية التعبير (التي ليست حرية الصحافة سوى وجه واحد من أوجهها العديدة) هي أمّ الحريات. هي الحرية الشارطة لجميع الحريات الأخرى. أما السبب العملي فهو أن محك حرية التعبير، التي لا بد أن تطال كل مناحي الحياة العامة وجميع الشخصيات العامة، هو محك فوري سرعان ما تتكشف حقائقه. كما أنه محك يومي: كل يوم هو امتحان جديد.

ما تقاسيه البلاد منذ أربعة أسابيع من كرب عظيم ومن أرزاء تدمي القلب يستدعي إلى الذاكرة نصين من نصوص الأديب التونسي عز الدين المدني. الأول هو مسرحية ‘ديوان الزنج’ التي تعود إلى مطلع السبعينيات والتي تستلهم وقائع ثورة العبيد والفقراء والمستضعفين ضد الفساد والاستبداد في الدولة العباسية في منتصف القرن الثالث الهجري. تتضمن المسرحية حوارا حول السؤال التأسيسي في الاجتماع السياسي: الخبز قبل الكرامة أم الكرامة قبل الخبز؟ إلا أن ما فعله بعد حوالي أربعين عاما من ذلك الشاب التونسي محمد البوعزيزي هو أنه أثبت بأصدق آية إنسانية، آية التضحية بالروح، أن هنالك سؤالا أسبق وأوكد من سؤال الاجتماع السياسي. إنه السؤال الوجودي الناجم عن عدمية التلازم بين انعدام الكرامة وانعدام الخبز. عدم يؤسس لعدم. سؤال أجيال كاملة ولدت في متاهة خصخصة الدولة وتسخيرها للمصالح الفئوية (تماما كما كان قد ولد آباؤها في معسكر تأميم المجتمع وتسخيره لمنطق الدولة) فظلت محرومة من مجرد القدرة على الخيار بين الحد الأدنى من العيش وما هو أدنى من العيش.

النص الثاني هو مجموعة قصصية بعنوان ‘من حكايات هذا الزمان’ تعود إلى مطلع الثمانينيات تتضمن حكاية عن سجين يخبره السجان أنه لن يعترض سبيله إذا هو حاول فاهتدى إلى طريقة للفرار من الزنزانة والخروج إلى دنيا الحرية. فماذا يفعل السجين؟ يمضي عشرات من السنين مستميتا في محاولة دفع بوابة الزنزانة بكل قواه عساها تنفتح أو تتزعزع. وبعد عشرات السنين ينبئه السجان النبأ العظيم: كان يمكن للسجين الفرار بسهولة من أول يوم، بل من أول لحظة، لو أنه جرب شيئا آخر غير الدفع: كان يمكنه أن ينعم بالحرية منذ زمان لو أنه اكتفى بسحب البوابة…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية