أحجار شِبه كريمة!

حجم الخط
0

خيري منصور

سيرة الحجر في التاريخ البشري تنافس سيرة الانسان، لكنها في ثقافتنا العربية ذات دلالات اخرى، فالحجر كبسولة تحتشد فيها مضامين متناقضة، فهو وثن عُبد ثم حطّم، وهو ايضا مقدس يقبّله الناس تيمنا بالرسول الذي حمله عندما اشتبك الناس من حوله على من يحظى بحمله، وهو ايضا توأم الأبدية الذي يحسده على بقائه على حاله الشاعر الفاني كما فعل تميم بن مقبل عندما تمنى لو انه حجر كي تنبو الحوادث عنه. وهو ايضا أداة الرّجم، سواء لإبليس او الزّناة حسب تعاليم الدين وفقه العقاب، لكنه ايضا القنبلة البدائية التي استخدمت في المنجنيق واخيراً سلاح انتفاضة هي الأبرز في النصف الثاني من القرن العشرين، وأذكر ان فلسطينيا من احدى القرى قال لي ذات يوم: لقد أسأنا للحجارة لأننا استخدمناها في طفولاتنا في العراء لأسباب لا تليق بها، لكننا اعدنا اليها الاعتبار ليس بصفتها اوثانا بل بصفتها سلاحا رمزيا في قبضات الاطفال، الذين سماهم البعض في تلك الآونة جنرالات الحجارة!

اما الحجر التمثال سواء كان لآدمي او لحيوان او لتكوين مجرد، فله شأن آخر، لأنه يشبه ما اهتدى اليه الانسان عندما اخترع التصوير الفوتوغرافي كي يأسر اللحظة الهاربة ويجمدها، وكان الشاعر كيتس قد كتب شعرا عن مزهرية تسمر عليها غزال وهو يعدو واقفا، فالتصوير تجميد للحظة يبقى المشهد كما هو الى النهاية، تماما كذلك الموقف الذي أثار انتباه فرجينيا وولف ولعله كان من مشاهد طفولتها التي مارست نفوذا كبيرا على وعيها الروائي فيما يتعلق بالزمن التراجيدي، فقد روت انها شاهدت ذات يوم من نافذة القطار الذي يمر بإحدى القرى امرأة تنشر الغسيل على شرفة، ومكثت المرأة الى الأبد في ذاكرتها اما الغسيل فقد حكم عليه ايضا بالبقاء مبلولا بحيث تجففه الشمس في اي مكان آخر خارج ذاكرتها!* * * * * * * *ما اثار هذه التداعيات حول الحجر اعلان طريف عن نوع من المجوهرات الزائفة، وعلى عكس ما دأبت عليه الاعلانات وثقافتها المضلّلة، اعترف هذا الاعلان بأن الحجارة التي ترصّع المجوهرات الزائفة هي من النوع غير الكريم… فالاحجار الكريمة لا سبيل الى تزويرها، لأنها خلاصة كيمياء، وزواج فريد بين عناصر الطبيعة لأن منها ما لا يتجوهر ويكتمل الا اذا اخترقه البرق مرات عديدة، وحبذا لو يقتدي المعلنون بهذا الاعلان الصريح، خصوصا اذا كان المعلن عنه كتابا او منجزا معرفيا او فنيّا، فالاشباه على هذا الصعيد اكثر من أن تحصى، بحيث اصبحت الأصول أندر من الاحجار الكريمة ذاتها، واوشكت العملة الرديئة ان تطرد العملة الجيدة في هذه البورصة المشرعة الأبواب للهواة والمغامرين والأفاقين والحُواة!

الحجر غير الكريم اذن هو الشبيه المصنّع والذي لا تاريخ له او سيرة ذاتية، انه اشبه بالعسل المغشوش، حتى لو كان من افراز نحل معلوف بالسكر المطحون بدلا من الرحيق، ولكي يكون هذا الحجر كريما عليه ان يبدأ من ذلك الجذر الطبيعي والعضوي ثم يتعذّب ويكابد كي يتحول من عارض الى جوهر، تماما كما هي سيرة الناس، فهو فحم تعذّب وتقلّب وتحول ملايين السنين في باطن الارض كي يتجوهر… واذا كانت نسبة الاحجار الكريمة او الماس الحقيقي بالنسبة للأشياء لا تزيد في ايامنا عن واحد في المليار، فإن هذه النسبة قابلة للهجرة من الاحجار والمجوهرات الى الثقافة، والاحجار غير الكريمة في الثقافة الان لا تحصى لكن ليس للثقافة حراس او سدنة كهؤلاء الذين يملكون شركات كبرى لتصنيع المجوهرات وترصيعها بالاحجار الكريمة بحيث يفعلون مثلهم دفاعا عن الاصول، وما يفعله هؤلاء هو ببساطة انهم يشترون من الاسواق كل السّلع المقلدة والتي تحمله اسماء السلع الحقيقية ثم يحتفلون في ساحات عامة بأن تسحق حافلات كبرى بعجلاتها هذه الاشباه! ان كرم الحجر من فيض عذابه وبالتالي فهو تاريخ مكابداته مع الطبيعة لهذا يتعذر تقليده، فيخجل حتى من يتاجر به من ان يخفي حقيقة كونه مجرد شبيه، كذلك الاعلان الذي استوقفنا عن الاحجار شبه الكريمة… لكن ما لم يخطر ببال صاحب الاعلان هو ان كلمة شبه عندما ترد في سياق كهذا تعني النقيض وليس الشبيه، لأن ما يذكرنا بغياب الاصل هو ما يشبهه او يحاول ان يتماهى معه، سواء كان هذا الاصل انسانا او نصّا ادبيا او حتى نظاما سياسيا، فأشباه شكسبير او دانتي أو السهروردي او الحلاج هم نقائض هؤلاء تماما، لأنهم يثيرون فضولنا وشهوتنا لما ينتجه هؤلاء، ثم نكتشف بأن ما حدث هو ضرب من الاستمناء وان الاشباع كان كاذبا، وحين يقال ان فلانا من الكتّاب هو شكسبير العرب او مولييرهم او بودليرهم او فولكنرهم، فإن هذا بحدّ ذاته يثير السخرية، فالصورة هي نقيض الأصل رغم الشبه التام احيانا بينهما، فالفارق لا يدركه الناظر او المتلقي على الفور، وعليه ان يتذوق شيئا ولو قليلا من هذا ليجد انه نقيض ذاك… لكن كيف يمكن لملايين البشر ممن تربوا في حاضنات متخصصة في الخلط بين الاصل والشبيه ان يدركوا الفروق وان يكونوا في منجى من التضليل؟

لندع الحجارة وكرمها جانبا، ونأخذ امثلة سياسية، منها نظم حكم وكيانات تمتلك كل عناصر الدولة ومؤسساتها وأجهزة اعلامها وصحفها وسفاراتها.. لكن حاصل جمع هذه العناصر لا يفضي الى دولة، فالدولة هي الفائض غير المرئي الذي ينتج عن حاصل جمع كل هذه المظاهر الاستعراضية وينطبق هذا بقدر او بآخر على المثقف، فهو ليس ذاكرة معرفية او خزانة معلومات متراكمة، لأن الحواسيب تنوب عنه في هذه الحالة… انه ايضا الفائض الناجم عن معارفه ومعلوماته ومجمل خبراته وهذا الفائض هو اخلاقي وتاريخي في آن، ومنه يتشكل موقفه ازاء العالم بدءا من الواقع الذي يخضع لشروطه، وقد عرف عالمنا العربي بالتحديد سلالة من الاكاديميين والكتاب يفاجأ القارىء بعدد مؤلفاتهم على الغلاف الدعائي لما يصدر لهم او مقدمة الناشر، هؤلاء لهم آراء في الصواعق والزلازل والمائيات والبرمائيات والزواحف، لكن لا نجد لهم موقفا واضحا من الاستبداد او التخلف كما يتجسد في بيئاتهم.* * * * * * * *اذا كان هناك اخصائيون وخبراء لفرز الحجر الكريم عن شبه الكريم، فإن النقد كان منوطا بهذا الفرز، لكنه للأسف كان من اوائل ضحايا الارتهان للسياسة وسطوة المال والوظيفة اضافة الى مكاسب صغرى لا تتجاوز أغراضا سياحية، واذا كانت العملة الرديئة تهدد العملة الجيدة في أزمنة التضخّم والتعويم وسهولة تزوير العملات، فإن الأحجار شبه الكريمة تمارس مثل هذا التهديد لكل ما هو كريم من الاحجار والنصوص والمواقف، وقد لا يعرف الا الله وحده كم يعاني هؤلاء الذين شقّق الظمأ شفاههم وأصروا على عدم الشرب من نهر الرقيق وهو أسوأ وأكثر استنقاعا من نهر الجنون حسب الحكاية المعروفة.. لقد خدعتنا الاحجار غير الكريمة لبعض الوقت ومنا من جازف بشراء حاضنات ذهبية لها، لكن لحظة الكشف أزفت وأصبحت هذه الاحجار عصا لا تخدع حتى الاطفال!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية