وئام مسرحي عربي لم يتحقق على صعد أخرى

حجم الخط
0

افتتاح مهرجان للمسرح العربي في بيروت قبل يومين من سقوط الحكومة اللبنانية:

بيروت ـ ‘ القدس العربي’ ـ من مازن معروف: قبل يومين من سقوط الحكومة اللبنانية، افتتحت الدورة الثالثة لمهرجان المسرح العربي في بيروت. وتحت سقف قاعة الأونسكو في بيروت، اجتمع لبنانيون وعرب، ليناقشوا في كلماتهم الافتتاحية، حال المسرح العربي، وإن من باب الإصرار على إيجاد سبل لضخ الأمصال المغذية في عروق هذا الفن وحمايته، وليس لمجرد الامل. ربما كانت بيروت في حاجة منذ وقت طويل لهذا التمثيل العربي المسرحي، برمزيته، كي تتنفس هواء نظيفا، خارج فقاعة السياسة التي تتقلص وتخنقها يوما بعد يوم وخارج التقاعس الواضح لوزارة الثقافة اللبنانية حيال الفن، عموما وغياب التخطيط والدعم المالي والمعنوي. حفل الافتتاح، أوحى بثقة المنظمين، وعنادهم في متابعة المسيرة بتعزيز ركائز المسرح العربي، وقد شددت الكلمات على ضرورة الالتزام بهذا الفن، وتطويره، وعدم الوقوف عند تعاريف محددة له، واستقدام التقنيات اللازمة للارتقاء به، وعصرنته. وجاءت كلمة اسماعيل عبدالله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، مضيئة الرغبة الدامغة ‘ بأن يكون هناك وئام مسرحي حقيقي لم يتحقق للعرب في مجالات أخرى’. أما رسالة اليوم العالمي للمسرح، فقد كتبها وألقاها المسرحي العراقي المخضرم يوسف العاني، صاحب التجربة التي يتجاوز عمرها الستين عاما. والعاني لم يُخف ِ في خطابه شعوره بالفرح لتوحد العرب تحت شعار، اعتبره العاني مبارَكا: ‘ المسرح العربي’. وقال العاني في رسالته: ‘ إننا ورغم ما أشرت إليه علينا أن نعيد النظر في تجاربنا نحو الإيجاب والسلب.. وأن نؤكد على أهمية تعاون وتبادل الخبرة في البلد العربي الواحد أولاً بين المسرحيين المبدعين أنفسهم لا أن تقف كل مجموعة ضد أخرى من أجل إلغاء عطاء الآخر وحتى المبدع فيه! بل أن يكون في منافسة شريفة نحو الأفضل وأن تتم الاستفادة من الرعيل الأول بما اغنوا وبما أبدعوا، وأن نتبنى الشباب بصدق حماستهم المثقفة، بما يقدمون من محاولات إبداعية مطورة لما كان، وألا نقف موقف المتعالي على الكفاءات الجديدة، فهي مفتاح المسرح الآتي. لا بد أن نكون أمناء في اختيار ما نعرض في كل مهرجان عربي أو دولي. وأن تكون هناك تجربة جديدة مضافة إلى تجارب أخرى لنتوحد فيها ونسير معها على درب المسرح الذي نريد. لقد صار العالم صغيراً لكن الأمل الذي كان يحكم فنان المسرح قد اتسع واتسع حتى صار حلماً يحكم الشباب والشيوخ’. والجدير ذكره هنا أن هيئة المسرح العربي أنشئت بتاريخ 28 تشرين الاول ( أكتوبر) 2007 بمبادرة من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة وعضو المجلس الأعلى للاتحاد في دولة الإمارات العربية المتحدة، واتخذت مقرا لها في القاهرة أما مقر أمانتها العامة فهو في مدينة الشارقة. وهي تعمل بمنأى عن أي توجيه حكومي، وتعنى بشؤون المسرح العربي وترتبط بصلة وثيقة مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( الإلكسو). إلا أن هذه الخيمة العربية، والمُحكمة، التي سعى المنظمون فيها إلى تظليل المسرح، لم تحل دون بعض الاعتبارات التنظيمية، التي غيبت عن عمد، العديد من المسرحيين عن حفل الافتتاح، فلم توجه لهم دعوات رسمية، فيما تم التركيز في المقابل على نجوم التلفزيون، وبعض ‘ ممثلي’ المسلسلات القادرين على اجتذاب الكاميرات، والذين لم يطأ واحد منهم خشبة المسرح مرة واحدة في حياته. كان واضحا الغياب النسبي للصحافة الثقافية في بيروت، كما وغياب وجوه مسرحية رائدة في لبنان، وقد افصح بعض المغيّبين عن هذا المهرجان، لـ ‘ القدس العربي’، عن استيائهم الشديد، معتبرين أن تجاهلهم بهذه الطريقة، يُعَدُّ صفعة في وجه المسرح اللبناني، ويعكس الاعتبارات الشخصية لمن قام بتوجيه الدعوة لبنانيا. غير أن المهرجان في المقابل، سعى إلى تكريم أنطوان ولطيفة ملتقى كشخصيتين مسرحيتين بارزتين، رائدتين، ومؤثرتين في تاريخ المسرح العربي المعاصر. رغم أنه، كان بالإمكان، استغلال تواجده في بيروت، لإلقاء الضوء على المزيد من المسرحيين الرواد كذلك، والذين باتوا يقبعون اليوم في منازلهم، بعد أن استحالوا إلى مجرد أرشيف في الذاكرة، أو الجوارير. وتأتي في ‘ الندوات الفكرية’ التي تنظم على هامش المهرجان، أسئلة تبحث في تربة المسرح العربي بين الجماهيرية والنخبوية، والمقاربة بين الفهم الخاطئ للمسرح الجماهيري وتدهور هذا الفن، وأهمية توظيف التقنيات الحديثة والتكنولوجية في الفكر والفرجة معا، كما يُضاء على تجربة الفنان انتصار عبد الفتاح، والمخرج جواد الأسدي، وروجيه عساف ومسرح الحكواتي ومتتالياته الإبداعية، بالإضافة إلى تجربة الكتابة العربية المغايرة، التي تزاوج ما بين التراث والحاضر، وتبحث في صياغات عربية جديدة من خلال تجربة الكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني. افتتح المهرجان بعرض المسرحية التونسية ‘ حقائب’ ( تأليف: يوسف البحري، إخراج: جعفر القاسمي)، التي تناولت رحلة الممثل، باعتباره حقيبة تجر وتحمل وتدفع فحقيبة الممثل هي هذه الحقيبة العجيبة والمبهمة. إحساسه حقيبة، صمته حقيبة، حركته حقيبة، آلامه حقيبة، أحلامه حقيبة، قيافته حقيبة، موسيقاه حقيبة وفضاؤه حقيبة، أما الخشبة فهي المفتاح لكل هذه الحقائب. دولة الإمارات تشارك في مسرحية بعنوان ‘ السلوقي’ ( إخراج حسن رجب) يطرح فيها الكاتب اسماعيل عبدالله سؤالا وهو ‘ هل يمكن أن يتحول الانسان إلى كلب؟’ وهو نص مسرحي مأخوذ عن رواية الكاتب الروسي ميخائيل بوليغاكوف، والتي يطرح فيها إشكالية تأثر الانسان بمن حوله، وكيفية تحوله إلى نموذج مختلف بحسب ما تريده السلطة. أما ‘ طائر الصدى المفقود’ ( إخراج عادل حربي)، التي تقدمها الفرقة القومية للتمثيل ( السودان)، فيطرح فيها المؤلف عثمان جمال الدين، بأسلوب فلسفي، ما يدور في العالم من قتل ودمار وحروب وتيه وصراعات وضياع يؤدي بالإنسان إلى فقدان آدميته، فيصير العالم أكثر ظلاما. الأردن يشارك بدوره بمسرحية ‘ سكان الكهف’ ( إخراج خليل أنصيرات)، يحكي فيها المؤلف ( وليام سارويان) عن حال أسرة تعمل في المسرح طوال تاريخها، وتعيش الجوع والتشرد، فتلجأ لبناء مهجور، يتضح بعد ذلك أنه خشبة مسرح سيد البيت. لكن هدم الأبنية القديمة متواصل وسيطأ قريبا هذا البناء المهجور، مؤذنا بدفن الجمال الممثل بالمسرح. غير أن الحب والطيبة والأصالة والأمل تجتمع في نفوس أهل المسرح، في إشارة إلى الولادة والمستقبل والأمل في إيجاد مسرح جديد ودائم. ومن العراق، يستقدم المهرجان مسرحية ‘ Camp’ ( تأليف وإخراج مهند هادي)، التي تعالج وضع العراقيين الهاربين أو الساعين إلى الهروب من وطنهم خوفا من الموت والحرب والخيبة. فتلتقي شخصيتان عراقيتان امام مكتب للأمم المتحدة في إحدى الدول المجاورة، ورغم انهما لا يعرفان بعضهما بعـضاً، إلا أن المشكلات المشتركة تجعلهما شريكين في الحياة والموت والهروب، فهناك من اختار الرحيل وهناك من فضّل البقاء وآخر يأمل بالعودة، وتمثل بغداد في النهاية كمريض في غرفة الإنعاش، فيما الكل يراقبها من بعيد على أمل استفاقتها. وبعيدا عن بغداد، فإن قرية ‘ تاتانيا’ الفرنسية التي يقدمها المسرح الكويتي ( كتابة: بدر محارب و إخراج: عبد العزيز صفر)، تقبع في وسط الجبال، وتعاني العزلة التامة عن أي مظهر حضاري أو مديني، يتحكم فيها قس، وتطاول سلطته قرارات العمدة والشرطة أيضا، ما يبشر بحتمية الصدام مع الاستاذ الآتي إلى هذه القرية لتعليم أبنائها ومحو اميتهم. أما الليبيون، فيشاركون في الدورة الثالثة للمهرجان بمسرحية ‘ الإطار’ ( تأليف: وليد إخلاصي، وإخراج: عبد السيد آدم عبد السيد). وهي حكاية مواطن ‘ شريف’ يفجع في القيم التي تربى عليها، فيجد نفسه في دوامة اجتماعية كبيرة من الكذب والغش والزيف والقهر، مما يفقده اتزانه، لكنه يعود ليعلن حبه لوطنه في نهاية الأمر، الحب الذي قد يأخذه إلى حافة الموت. وفي ‘ حمار الليل’ ( تأليف عبد الكريم برشيد، إخراج: محمد بلخضير)، المسرحية المغربية، تقرر عائلة أن تهجر المدينة وترحل نحو مكان آخر، بعيد. لكن، ومع تأخر السفينة التي سوف تقلهم بسبب عاصفة، تتغير كل مصائر شخصوص المسرحية. أما مصر، فتقدم ‘ عجايب’ ( تأليف: عاطف النمر، إخراج: سامح بسيوني)، التي تتناول انهزام المثقف أمام السلطة، وجبروتها. فهو يجبر على أن يتبع نفسه بنسق عام في خدمة النظام. وتراه كذلك، مواجها لقمع فكري، وإيذاء بدني، على يد التيارات الرجعية. يحمل النص تصورا رمزيا لعلاقة العقل والعاطفة بعلاقة إيزيس وأوزوريس، وانتظار ميلاد حورس الجديد كأمل بالخلاص. أما السوريون، فقدموا في تجربة إخراجية لأيمن زيدان، مسرحية ‘ راجعين’ المأخوذة عن قصة ‘ الشهداء يعودون هذا الاسبوع’ لطاهر وطار، وهي تطرح إشكالية قيمة الشهداء، وحقهم المعنوي، من خلال أب يحلم بأن ابنه الشهيد قد بعث له برسالة يخبره بها بأن الشهداء سوف يعودون، فيتوجه إلى مركز البريد باحثا عن رسالته وسط دهشة واستغراب كل من يلتقيه. أما مسرحية ‘ سيليكون’ ( تأليف وإخراج عبد المنعم عمايري) السورية أيضا، فتتناول النفاق الاجتماعي والأسلبة والرياء بكل أنماطه ومستوياته وأوجهه عبر شخوص منافقين. اللبنانيون، لهم الحصة الاكبر من المسرح، عبر المشاركة بخمسة أعمال. ففي ‘ مدينة المرايا’ ( تأليف وإخراج وتمثيل: روجيه عساف)، سيحاول عساف أن يطرح أسئلة على نفسه تتعلق بصديقه الفنان التشكيلي الراحل بول غيراغوسيان. فهو يرى في هذا الصديق جسرا للعبور بين القدس وبيروت، ويدخل في إشكاليات القيم الإنسانية، والتهجير والمأساة الأرمنية والفلسطينيين واللبنانيين، والحرب، وتهويد القدس، مستعينا ( عساف) في ذلك بما يعرف بالفيديو دراما التي سيعرض عبرها لوحات لغيراغوسيان، بالإضافة إلى الفيديو والصوت اللذين يتدخلان ليتمما حركة الزمن والسؤال في مونولوغ المسرحية. أما ‘ ينعاد عليك’ ( كتابة يارا أبو حيدر ووحيد عجمي، إخراج: وحيد عجمي) فهي المسرحية التي قد تكون افضل الأعمال المعروضة من حيث المعالجة الدرامية، والإخراج والتمثيل والبناء، والتجديد، فإنها تشمل حوارا ما بين زوجين، في إحدى العواصم الأوروبية حيث تطرح إشكالات الهجرة والحرب والعائلة. وفي هذه المسرحية، يتم التركيز على علاقة الممثل بالفضاء المسرحي وتمازجه مع عناصر السينوغرافيا، من اكسسوارات وأشرطة صوتية لخدمة فكرة النص الأساسية، ولوضع أسس فنية تصوغ الأحداث والشخصيات في ابتعادها واقترابها ضمن الفضاء، حيث ينفصل الجسد. وبدورها، تقدم جنى الحسن، تأليفا وإخراجا مسرحية ‘ مساحات’ التي تبيَّن فيها فتاة يعشقها رجلان، فتميل إلى واحد وتنفر من الآخر وذلك عن طريق الإيماءات والحركة الجسمانية. وعن نص للروائية هدى بركات، وإخراج نبيل الأظن، تمثل رندة الأسمر دور المرأة التي تستنفر التاريخ والحرب وعلاقتها بأبيها، في مسرحية ‘ فيفا لا ديفا’، وهو نص باللهجة المحكية اللبنانية، إلا أن قوته الأدبية، والمعالجات التي يطرحها ظلت أقوى من إمكانية لعبها على المسرح بالطريقة التي اعتمدها الأظن، أي أن النص غالب الإخراج، ومع ذلك، فإنها تعد عملا فريدا يعكس طبقات درامية عديدة، وتقلبات لكائن أنثوي يعاين الحرب اللبنانية من منظور شخصي. ولعله من المفيد أن تدرج مسرحية ‘ ألف وردة ووردة’ ( تأليف: نعمة نعمة، إخراج: كريم دكروب) ضمن المهرجان، لأنها العمل الدرامي الوحيد المخصص للاطفال، وهي مسرحية عرضت في أوروبا، والعديد من الدول العربية، كما أن مشاركتها في هذا المهرجان، حفظ ماء وجه المنظمين الذين اغفلوا على ما يبدو مسرح الطفل، إذ حتى الندوات لم تتضمن أي إشارة لتنشيط وتفعيل هذا الحيز الضروري وأهميته في تحفيز مساحة الوعي لدى جيل عربي، مما يؤهله لأن يكون قادرا على تجاوز أمراض المجتمع. في هذه المسرحية، يعاد للأذهان الجانب الإبداعي لمسرح الدمى، وحضوره عربيا، فالبذرة ستطير وتمضي في رحلتها الطويلة لتتحول إلى وردة مكتملة في النهاية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية