مطاع صفدي
العنف والوعي لا يلتقيان نظرياً منطقياً. لكنهما تاريخياً هما توأمان. أحدهما يأتي بالآخر أو بالعكس. فالحضارات الكبرى تعيش مرات عديدة آلام الولادات الصعبة. ليس من إنتاجات سياسية حاسمة من دون العنف ببعض أنواعه المادية والنارية، أو بيقظات الوعي الاجتماعي وحده، وهذه الأخيرة حالات قليلة بل نادرة. نهضتنا العربية المعاصرة تتنازعها العلاقة المتناقضة مع كل من الوعي والثورة. مسيرتها السياسية كانت عبارة عن مراحل إنتقالية بين ثورة وأخرى؛ متعرجة بين الكثير من أغاليط الفكر والعمل معاً. وهناك من يزعم، ربما عن حق، أن هذه المسيرة (النهضوية) لم تعرف الثورة الحقيقية الكاملة، رغم مسلسلات من أسماء الثورة مصحوبة أو ملغاة غالباً بالانقلابات الفوقية، والعسكرية في أكثرها.
إنها تسميات كثيرة للثورة، تفترض خصائص مختلفة لنماذجها المتعددة في ظواهرها العامة، لكنها المؤدية إلى الحصائل المتشابهة أو المكرورة في مجملها. بكلمة مختصرة: ما أقل الثورة، وما أكثر أشباهها. لكن هذا التوصيف يحتاج إلى بعض الدقة أو المراجعة، وذلك أن الثورة الحقيقية لا تأتي كل يوم، لا تنفجر عند أول شرارة. فمن طبيعتها أن التاريخ بخيلٌ جداً في إنتاجها، ليست معطاة للشعوب والمجتمعات هكذا بالصدفة، وحتى بأية إرادة فئوية أو جماعية. إن لها جاهزيتها العقلانية والحدثية الشديدة التراكب والتعقيد؛ وإن لها توقيتها السري الذي لا تؤشّر عليه الساعات العمومية بسهولة، مهما جاءت بإنذارات الحدث المرتقب.. فمن المعروف عن طبائع التاريخ الميتافيزيقية أنه يتمتع بالمكر والدهاء، يفاجئ غالباً المستهينين به. خاصة هذه الفئة من عباد السلطة والمال، إذ يحسبون أن أيّام العز المسروق الراهنة ستبقى هي عينها أيّام مستقبلهم الأبدي.
ليس من السهل أن تُلقى على أية انتفاضات شارعية صفة الثورة. ومع ذلك لا يعترف التاريخ بالثورة إن لم تتمتع بأوسع قاعدة شعبية، وتكون قادرة على قلب بُنى أساسية في كل من هيكل الدولة والمجتمع معاً، بحيث تغدو حياة الناس بعد الثورة هي غيرها عما كانت عليه قبلَها. على أنه ليس محتوماً أن يأتي الاختلاف بين غد الثورة وأَمْسها، محققاً للآمال الإيجابية وحدها، بل كثيراً ما أصيبت ثورات تاريخية عظمى بالردات والانتكاسات، وصولاً أحياناً إلى ماهو أسوأ من أسبابها التي أثارتها. وفي تجارب النهضة العربية المعاصرة شواهد محزنة ورهيبة عن هذا القانون الارتكاسي المصاحب لقانون الأفعال الثورية الفاصلة. لذلك لم تعد فلسفات التاريخ تُعْنَى بأية نظريات تعتمد منطقاً صارماً في تفسير الحدث العام، وتوقّع حصائله القريبة والبعيدة، المتصوَّرة ما قبل إنجازاتها الفعلية. ذلك أن فلسفة الثورة لا تزال ترتبط بمفهوم أشمل هو التقدم. فهي حالة متفوقة بين حالاته العادية. يحتاج التقدم إلى الثورة كلما أخفقت عوامل التغيير الطبيعية في اختراق نوع من العقبات الكأداء، المعطلة لمسيرة المجتمع ككل. هكذا يعتقد الفكر الاجتماعي التقليدي. هو لا يرى في الثورة إلا كونها حالة شاذة لاعقلانية ينبغي تجنّبها ما أمكن… وبشتى الوسائل. حتى بطريقة العنف المادي المضاد؛ لأن الثورة هي تهديد للمصالح والمؤسسات القائمة، الخاصة كما العامة لبعض الفئات، الموصوفة غالباً كأقليات، تستولي على ماهو أكثر بكثير مما تستحق من المنافع الاقتصادية ومن امتيازات السياسة والحكم.
الثورات قليلة معدودة التي يعترف لها التاريخ بالتحولات الكبرى، المعرفية والبنيوية. أما تاريخ النهضة العربية المعاصرة فإنه لا يعترف واقعياً إلا بثورتين أو ثلاث تنطبق عليها خصائص البعض من نوع هذه التحولات الكبرى في العمق البنيوي والشمول الوطني أو القومي؛ لهذا السبب، ولصعوبة الاتفاق حول تسمية هذه الثورات بعناوينها الأصلية، ينبغي إعادة النظر في العشرات من مسميات الانقلابات والانتفاضات والحركات التصحيحية، وأشباهها، عند ما كانت تدَّعي هذه أنها ثورات شعبية، وطنية، تقدمية، دينية، مذهبية، إلخ.. فالثورة المعادلة لاسمها ومضمونها، لا تحتاج إلى مثل هذه الإضافات من الأوصاف والتحديدات اللفظية للمزايدة على دلالتها المباشرة. ما يمكن قوله ان النهضة العربية افتقرت إلى رفيقة دربها، الثورة. لم تلتقيا إلا نادراً عبْر مسيرتهما المشتركة افتراضياً. واللقاءات العابرة هذه لم تكن لتخلّف وراءها متغيرات، يُبنى عليها ما يؤسس لتراث حضاري جديد حقاً. فالنهضة، من طبعها أنها تبشّر مجتمعاتها بولادات منتظرة لإمكانيات حضارة موعودة لكن هذه الولادات ليست أفعالاً غيبية. إنها كامنة في صلب المجتمع المتحرك عينه، ونابعة عن حراكه الذاتي؛ فأوّل شرط في الفعل النهضوي كونه تعبيراً عن أعم إرادة لغالبية الجماعة. لذلك تفشل الحركات (الثورية) الساقطة من فوق هذه الغالبية.
فالقول ان النهضة هي بالضرورة إجتماعية حضارية يستدعي القول فورياً أن الثورة هي بالضرورة شعبية كيانية، ليس بينهما ثمّة تلازم فكري أو صدفوي عن عبث؛ فقد يُبيّن مختبر التاريخ أن النهضة سابقة للثورة، حاملة لبذورها، باعثة على أفعالها الشعبية المأمولة. لكن هذا المختبر عينه يشهد أن الثورة المتحققة تاريخياً لا تخلّف النهضة وراءها، بل هي التي تعمل على إزالة عوائق الطريق أمامها. أما مصطلح: انحراف الثورة، فهو ناجم عن عجز النهضة عن استيعاب الثورة، كما هو ناجم كذلك وفي الآن عينه، عن تمرد الثورة على مقدماتها النهضوية، عن تنكّر مسيرة الثورة لبوصلة العقل النهضوي. هكذا قد تسقط أعظم ثورات الإنسانية في مهالك أخطائها؛ ثم تغوص في مستنقعات الجدل العقيم ما بين نظرياتها وممارساتها المضطربة. فلا يتبقى من تراث البراكين الثائرة ثم الخامدة، سوى سطوحِ وسفوح جبالها الصخرية السوداء. إلا تلك الحضارات الإنسانية المعدودة التي استطاعت أن تؤنسن براكينها وتجعل من نيرانها المخزّنة مناراتٍ للقوة والمعرفة والعدالة لأجيالها المتتابعة أولاً.
النهضة العربية المعاصرة مزدحمة بمحاولات الثورة، وكذلك بالثورات المجهضة المختنقة غالباً تحت آمالها المتكسرة على صخرة الواقع. هذه التجارب الفاشلة المرّة لا تقطع دابر الفكر الثوري، بل لعلّها تحفزه أكثر، تدفعه إلى المراجعة، وطرح الأسئلة الجذرية التي طالما تجنّبها تحت وطاة الحماسة الطفولية لمنطلقاته المختزلة السريعة. فالثورة في أصلها، ولدى مختلف الحضارات، هي حالة غضبية تعتري مجاميع من الناس، في لحظة هي أقرب إلى الصدفة، حتى لو سَبَقَها العزم والتخطيط. وكثيراً ما يُفاجئ إنفجار الحدث الثوري أقرب الفئات إلى تعاطي مقدماته بإنتظار ساعة الحقيقة؛ غير أن سؤال الحقيقة في هذا الموضوع هو كالتالي دائماً: لماذا تُسرق ثوراتُ العالم الثالث من أيدي أصحابها الأصليين. فالعسكري والانتهازي والمشبوه هم لصوص الثورات العربية خاصة. أما الثوري الحقيقي فهو الشعب المغدور أو المخدوع يصير هو المقموع أخيراً.
يعيش عالمنا العربي إجمالاً عصره الرديء، من تراكم سيوفه المنكسرة على سيوفه القديمة. إنه عصر الثورة المضادة الشاملة، المتمادي في إنتاج كل ما هو نقيضُ ثقافة النهضة. هذه الثورة المضادة تنشر منذ عقود شبكيات من الأفخاخ، يتساقط فيها تباعاً كل ما يسمى بمشاريع التغيير السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي.. حتى لا نقول الدفاعي العسكري كذلك، بل الكياني الكلي للأمة؛ لا عجبٌ أن تستيقظ أجيال الشباب العربي في كل مكان على كارثية البطالة المعيشية، كمحصلة مادية يومية ورمزية عن بطالة المشروع النهضوي جملة وتفصيلاً. فالجوع والتشرد واليأس لغالبية هذه الشبيبة المتضاعفة بعشرات الملايين بين سنة وأخرى، هي الشواهد الصارخة الدائمة كل لحظة، من حياة ثلث سكان المعمورة، من العرب والمسلمين، هي الشواهد على ما يعنيه عصر الثورة المضادة الشاملة، وعنوانها: تحالف الاستعمارين الغربي الخارجي، مع الأهلي الداخلي. فقد تم لهذا التحالف إسقاط النهضة في شرك الاستبداد المطلق. حُكم عليها بحرمانها من إكسير حياتها، من الحرية؛ هذا الحرمان يبطل كل رهانات التغيير الحضاري الحقيقي. يقدم نموذج التنمية الخليجية القائمة على مبدأ الحجر ضداً على البشر، كما لو كان هو البديل عن حضارة الإنسان في كل زمان ومكان.
سؤال اليوم التالي على الثورة هو مفتاح التغيير الجديد ضداً على تاريخ لئيم يائس من الثورات، المنقلبة إلى أضدادها، المسروقة الممزقة بمخالب أعدائها. متى يصبح الشعب الثائر هو وحدَه حاكم الشعب الثائر.
العسكري الذي يقف بالمرصاد للثوري أجهض عشرات الثورات العربية. فالشعوب لم تكن نائمة منذ ثورة (الاستقلال الوطني). أرادت دائماً أن تعطيه شرعيته الشعبية، وجدارته الحضارية في وقت واحد. أخرجت طلائعها إلى مقدمة الأحداث التاريخية. لكنها لم تستطع أن تحميها من عدو الداخل والخارج معاً. ما حققه شعب تونس الخضراء أنه أنتج أول ثورة عربية صاعدة من قاعدة الهرم الاجتماعي لتطيح بقمته الطاغية. قد يأتي هذا الفعل شبه العجائبي بالمنجل الأول الذي سوف يكسر صلابة الغلاف الحديدي لعصر الثورة المضادة المسيطرة منذ ستينيات القرن الماضي.
لكن سؤال اليوم التالي على الثورة سوف يظل يحوم فوق رؤوس الشباب الغاضب.. كيف له أن يجعل غضبه حارساً أميناً على وديعته الثمينة تلك، في قمة الهرم قبل أن تسرقها الأيدي القذرة.. وما أكثرها في أوقات المنعطفات التاريخية. ما تقوله فلسفة الغضب الجديدة هذه أنه ينبغي أن تحذر الثورة ممن سوف يدعون أنهم وكلاء عن الثوار. فليس للثوار من وكلاء سوى عقولهم وسواعدهم.
متى يحكم ثوار العرب شعوبهم. ذلك هو موعد إعادة التوأمة بين النهضة والثورة. وإنه موعد يلوح فجره من تونس الخضراء.. راهنياً على الأقل.’ مفكر عربي مقيم في باريس