أصنام الشمع والبدائل المرة

حجم الخط
0

عيد اسطفانوسأعفاني هذا الشاب التونسي (الذي أنعيه ورفاقه من قلبي) من الكتابة المؤلمة في الموضوع النازف في القلب، فقد تحول عدد من أبناء وطني إلى أشلاء على باب دار عبادة عقب خروجهم من صلاة، والبحث جار عن ضحية ليحاكم ويتحمل وحــــده وزر جريمة ارتكبتها أمة بأكملها، بالاضــــــافة إلى أنني عندما راجعت كل طروحاتي على هذه الصفحة طوال عام كامل، بدءا من مذبحة نجع حمادي وحتى مذبحة الاسكندرية، وجدت أنني لن أقول جديدا.

فالواقع المر الذي قتلناه بحثا باق كما هو، نفس وجوه المحرضين والممولين والرعاة، ولا يبدو في الافق أملا في تغييره، لكن هؤلاء الفتية الذين صنعوا هذه المعجزة في غرب الساحل بددوا جزءا من موجة الاكتئاب التي انتابتني، وبعثوا بصيص أمل كاد أن يتلاشى في هذا النفق الطويل المظلم، أملا في إذابة هذه الجلطات التي تكلست وسدت شرايين التغيير، وارتفع بسط الضغط ومقامه في هذه الامة المنكوبة، الأمة التي عجزت عن تغيير أصنام ثبت أنها من شمع، أذابتها حرارة هدير هتافات هؤلاء الشباب الذين فاض بهم الكيل، ودفعوا دفعا من شدة اليأس إلى السعي إلى الموت، ولا تختلف كثيرا طريقة الشاب البوزيدي في الذهاب إلى الموت بالحرق حزنا على بضاعة بسيطة حرموه من بيعها في الطريق، نقول لا تختلف كثيرا عن طريقة الموت انفجارا وحزنا على مستقبل جيل حرم من حقه في التغيير، وحتى من التطلع إلى حدوثه ولو بطريق القدر والدرامية، هذا التغيير الذي يعطي الامل في المستقبل، التغيير الذي هو سنة حياة أزلية، لكنهم أوقفوا مسارها قسرا بنصوص ودساتير عقيمة، دساتير سخروا لها مفسرين ومنظرين لتسويق وتسويغ نصوص وممارسات تجاوزها الزمن، احاطوها بهالات تقديس مزورة لأغراض خبيثة تؤصل للقهر والاذلال والعنصرية البغيضة بين الناس، حتى يظل (حماة الدستور) قابعين إلى الابد، مشغولين بالتحريض على التناحر الطبقي والطائفي والقبلي والمذهبي لضمان بقائهم الأبدي في السلطة، وشجعوا على الفرز والتمييز لضمان دغدغة مشاعر البسطاء من الاغلبية الجائعة، التي غالبا ما ابتلعت الطعم ودفعت الثمن باهظا، الاغلبية التي جسدوا لها في الداخل وهم التمايز العرقي بين البشر على خلفية الدين، كما جسدوا للخارج فوبيا البديل المجهول حكم العسكر أو حكم الملالي.

نعم أوقفوا سنة التغيير الذي يبعد شبح اليأس والاحباط والقنوط، أما هذه الوجوه البلاستيكية التي حولتها دكاكين مقاومة الزمن إلى تابوهات مللنا النظر إليها، وسئمنا سماع أصواتها القادمة من الماضي السحيق، فقد تحول شخوصها إلى أصنام يحرسها ويبخر لها كهنة مأجورون، غسلوا أمخاخ البشر وأرهبوهم بتأويلات فاسدة معلبة من قرون طويلة، عن الطاعة القاتلة للوارث القابع على كرسيه لا ينزع ملكه إلا الموت، وعلى الرعية أن تعلن ولاءها للوريث وإلا أخرجوا النصوص كالسياط يلهبون بها ظهور الناس، أما المجتمعات التي هي أدري بدنياها فتلك ضلالة مآلها بحيرة النار والكبريت. وبعد فورة الانبهار بالحدث وحتى لا يجرفنا تيار العواطف الجياش ونقع في فخ التعميم فإن بن علي لم يكن الاسوأ في هذه المنطقة بكل المقاييس، فتونس مقارنة بجاراتها الاكبر والاغنى لم تكن بهذا السوء، والظاهر أيضا أن قطار الأحداث لم يكن متوقعا له الوصول إلى هذه المحطة (البعيدة) مما سيزيد الامور تعقيدا، فالجميع سيهم بامتطاء الموجة قبل أن يركبها آخرون، ويبدأ الاعلان مبكرا عن (أصحاب الفضل) في خلع بن علي وهم كاذبون جميعا، فالذي خلع بن علي شاب فقير يائس بائس لم يخطط لأن يكون زعيما في مقبرته، وستثبت الايام أن الجيش أجبر بن علي على الرحيل، وان كان لا يظهر ذلك حفاظا على مظهر الدولة المدنية الذي استقر في تونس منذ عقود، ولا يمكن إلا القول بأنه كانت هناك نهضة في هذا البلد بكل المقاييس، أما الخلل الذي حدث فستظهره الاحداث عاجلا، ولو بادر بن علي وتخلى طوعيا عن السلطة بعد السنوات العشر الاولى من حكمه لكانت تماثيله النصفية تنتشر الان في كل تونس الخضراء، إلا أنه لم يستطع مقاومة عشق السلطة الابدي المنتشر في عالمنا العربي الذي لا يوجد فيه رئيس سابق قضى ولاية حكم أو ولايتين وسلم خلفه السلطة طبقا لمبدأ التداول السلمي، والامل في أن لا يتكرر سيناريو صدام حسين وسياد بري، ويبدأ الشعب التونسي في حصد البدائل المرة لرحيل حكام نصب عليهم اللعنات، ثم نعود ونحيل الدفة مئة وثمانين درجة ونبدأ في ضخ موجات من التباكي المشوب بالحنين، بعد أن يبدأ الصراع على الكرسي الشاغر، وتبدأ وجوه كالحة في ادعاء البطولة والزعامة وتفجير الثورة والاحقية بالإرث الملعون، وتعود دورة جديدة من الاستبداد والفساد لم يخطط لها هؤلاء الشباب، الذين كان كل أملهم وظيفة ولقمة عيش خلف جدران آمنة، وسيعود اليأس والاحباط من جديد عندما يرى الناس أصناما كانت مختبئة لحين تسنح الفرصة، ويبدأ صراع التقاسم والمحاصصة والفئوية والعرقية، وبدلا من أن تصبح الثورة التي قادها هؤلاء الشباب، بعفوية نادرة، وسيلة تغيير إلى الأفضل، تصبح وسيلة يستغلها المتطرفون والمتعصبون والموتورون فرصة لتصفية الحسابات والانتقام وتأليب الاعراق وهي حرفتهم الوحيدة، فلم يكن بن علي وحده الذي يستحق الاقتلاع، بل كل هذه الاصنام التي عفا عليها الزمن حتى تتاح الفرصة ليولد من رحم المعاناه جيل جديد ويتولى إدارة مصير هذه الامة بفكر جديد، بدلا من تلك المومياوات القابعة في التوابيت من القرون الوسطى، التي جلــــبت الفقــــر والهوان والتخلف على ربع مليار من البشر، البشر الذين أصبحوا القاسم المشترك لمشاهد الميديا الدموية التي تتلهى بها كل الكرة الارضية.

وبينما بدأت مشاهد السلب والنهب والفوضى في شوارع تونس، يبرز التساؤل الحتمي عن السيناريو القادم، ترى هل نبدأ البكاء مبكرا على أصنام الشمع التي ذابت؟ أم نؤجل إلى حين. أما الضحايا الذين سقطوا وسيسقطون في تونس وأخواتها في أفريقيا وآسيا فأرواحهم تتساءل أما حان الوقت بعد لإعادة تقييم حياة البشر في قائمة جديدة تضع حياة الانسان ودمه أولوية مطلقة؟ أولوية تسبق كل شيء، مطامع الساسة وزعامات رجال الدين ومؤامرات الاحزاب والتكتلات.

أما حان الوقت لننظر إلى أمم وضعت حياة الانسان وحريته هدفا أولا واخيرا؟ واحترمت عقيدته وارادته ومطالبه، أما حان الوقت لنضع نهاية للفساد والظلم والكراهية والتعصب، أما من نهاية لحلقات مسلسل العنف والدم الذي طالـــت حلقاته، واصبحنا المنتجين الاول له بلا منافسة، وأخيرا ألا من نهاية لهذه الوجوه الفاشلة التي جرت هذه البقعة إلى الهاوية؟ ودمرتها وقسمتها وجوعتها وعرضتها فرجة مجانية يتسلى بها البشر ويضحكون.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية