الم يحن وقت انتفاضة الشعوب العربية؟

حجم الخط
0

من المعروف أن نظم الحكم في البلاد العربية، إذا استثنينا لبنان الذي له وضع خاص، هي من أسوأ النظم الاستبدادية في العالم، حيث المناخ السياسي السيء، والحكم الشمولي وتغول السلطة التنفيذية والسلطات المطلقة للحاكمن إلى آخر تلك الصور السيئة للنظم المستبدة.

وبما أن الظواهر الاجتماعية تخضع إلى حد كبير في نموها وتحركها للعوامل الفيزيائية التي تحكم حركة الكون وكمثال، أن لكل فعل رد فعل وأن الحياة الاجتماعية أشبه بالبالون، إذا زادت نسبة الهواء المضغوط فيه عن الاحتمال فإنه سينفجر حتماً، فإن هذه النظم قد ورثت شعوبها حالة من السخط العام والكراهية للواقع، وتكاد تلمس هذا في كل البلاد العربية.

غير أن حالة الاحتجاج والرفض والتغيير تمر بمراحلها الطبيعية التي يرصدها علم الاحتماع السياسي من مرحلة التسخين والتبلور والمواجهة والنجاح الحتمي، هذا مع تآكل النظم الاستبدادية من داخلها مع مرور الوقت والاختلاف الحتمي لأصحاب المصالح.

وفي البلاد العربية وجدنا شعوباً تقدمت في طريق السير من أجل التغيير، وشعوبا أخرى مازالت في مرحلة التسخين، إلا أن ما يحدث في تونس حاليا من احتجاجات على نطاق واسع يؤكد صحة هذه النظرية. تونس التي كانت تصنف مع تركيا على أنهما الدولتان اللتان تمارسان العلمانية المتطرفة، تونس ما كان يسمع لشعبها صوت إلا مع مباريات المنتخب التونسي، ها هي الآن تقف على صفيح ساخن بسبب الفقر والبطالة التي تدفع بعض الشباب إلى الانتحار حرقا. ثمة فرق بين الوضع في تونس والوضع في تركيا: ان النظام العلماني التركي لم يقف في طريق الديمقراطية، والعقبة الوحيدة هناك كانت هي الجيش، ولذلك استطاعت تركيا استيعاب طموح شعبها للتغيير من خلال مسار ديمقراطي أفرز على سدة الحكم حزبا ذا توجه إسلامي استطاع أن يدفع بتركيا، دولة محورية في المنطقة، وجعل الاقتصاد التركي يحتل المرتبة السادسة عشرة في العالم.

أما العلمانية التونسية فقد سارت في نفس مسار الحكم الشمولي الذي تمارسه النظم العربية كافة، ولذلك تعطلت خطط التنمية ووصل الفقر والبطالة إلى معدلات وبائية ونسب مخيفة.

إن دخول الشعب التونسي على الخط ربما يدفع غيره من الشعوب العربية للانتفاضة، بحيث لم يعد الشعب المصري وحده الذي يذكر في نشرات الأخبار من ناحية الحديث عن التغيير، وإذا كانت ثورة تموز/يوليو 1952 في مصر مع ما عليها من مآخذ قد دفعت كثيرا من الشعوب العربية والافريقية للتخلص من براثن المستعمر، فربما الوضع في تونس يقود الشعوب الأخرى في المنطقة للتقليد والداء واحد. إن حالة جديدة أصبحت ترسم صورة الاحتجاجات في الشارع العربي وهي أنها لم تعد بلون واحد، ذلك اللون الذي يحمل العنوان الإسلامي. كنا ونحن بالجامعة مع بداية التسعينيات من القرن المنصرم لا ينظم الاحتجاجات إلا طلاب التيار الإسلامي، وغالبا ما كانت متركزة حول القضية الفلسطينية، أما الآن فإن الذي يحتج هو الشعب، الشعب الجائع بكل بساطة، ليبراليا، علمانيا، إسلاميا الشعب بجميع تلاوينه. إنها ثورة المعدة الجائعة والساعد العاطل عن العمل والجسد العاري الذي لا يجد المأوى، إن هذه الشعوب إن لم تنتفض لوحدتها العربية وكرامتها المسلوبة وتحرير قدسها فسوف تنتفض حتماُ للوعة أمعائها وخواء حواصلها وعندها ستجرف الطغيان وجبروته.

لكن هل يستطيع الشارع التونسي أن ينتزع شيئاً من حقوقه بهذا الحراك؟ وهل ستنقل الريح نسائم الاحتجاج من تونس إلى خارج حدودها ونرى تغييرا في أي بلد عربي، من خلال العمل السلمي الشعبي وليس من خلال الانقلاب أو الاحتلال، هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة وإن غدا لناظره قريب.

أحمد شكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية