لو قُيِّضِ لهذا المقال أن ينشر على منبر ‘القدس العربي’ في يوم 15 كانون الثاني/ يناير الجاري، يكون جمال عبد الناصر، الذي ولد يوم 15 يناير من عام 1918، يكون قد أكمل عامه الثالث والتسعين، وبعد سنة سوف يبلغ عامه الرابع والتسعين، وهكذا في كل عام سوف يكبر جمال عبد الناصر عاماً آخر، إذ يخطئ من يظن أن زعيماً عظيماً بحجم عبد الناصر يمكن أن يموت سوى بالجسد، وهذا شأن العظماء على مر الزمان: تموت أجسادهم وتوارى الثرى، أما أرواحهم ومبادئهم وأفكارهم، فتستمر زاداً للأجيال إلى ما شاء الله لها أن تستمر. فرغم جميع المحاولات البائسة لتشويه، بل ولطمس سيرة الرجل بعد وفاته مباشرة، إلا أن صوره ما زالت ترفع على أيدي شباب لم يعيشوا زمنه، وشعاراته ما زالت النبراس الذي يهدي كل من يريد لهذه الأمة العزة والرفعة التي عاشتها خلال الستة عشر عاماً من حكم عبد الناصر، تلك الفترة الزاهية من حياة الأمة، التي يصفها بعض الجهلة بأنها كانت ‘فترة شعارات’، فأجمل بها من شعارات، تلك التي أسقطت الملكية الفاسدة، وأجلت البريطانيين عن أرض الكنانة، وأممت قناة السويس، ودحرت العدوان الثلاثي الآثم، وبنت السد العالي، وحققت الوحدة مع سورية، وحررت الجزائر وعدن، ورسخت الثورة اليمنية، وأسقطت حلف بغداد، وساندت جميع حركات التحرير في آسيا وأفريقيا، وتزعمت حركة عدم الانحياز، وعملت على تحقيق عدالة التوزيع، وبنت الألف مصنع لعمال مصر، وحررت فلاحيها من سطوة الإقطاع، والأهم من كل ذلك: بثت روح العزة والكرامة في نفوس العرب من المحيط إلى الخليج. نعم هذه جميعها وأكثر لم تكن شعارات عبد الناصر، بل كانت إنجازاته. عبد الناصر لم يقل: ‘سيذكرني قومي إذا جدَّ جدهم’، ولكنهم الآن يفعلون ذلك صباح مساء.
واليوم، في ذكرى ميلاد هذا الزعيم الخالد، لا بد لنا أن نحتفل بميلاده اليوم، وفي مثل هذا اليوم في القادم من السنين، وسيبقى هذا اليوم، الخامس عشر من يناير من كل سنة، ذكرى جميلة في قلوب جميع الأحرار والشرفاء، ولسوف يستمر القوميون العرب ثابتين على مبادئه، متمسكين بثوابته، أما أعداؤه، والذين ما زالت روحه تطاردهم وتلعنهم، فكما لم يستطيعوا النيل من سمعته وكرامته على مدى السنين الأربعين التي مضت على وفاة جسده، فإنهم لن يستطيعوا ذلك في ما تبقى لهم من حياة استمرأوها ذليلة مهانة على أيدي أعداء الأمة.
في هذا اليوم، أحسب أن روح عبد الناصر تطوف أرض مصر: تعود المرضى في مستشفياتهم، وتطمئن على التلاميذ في مدارسهم وجامعاتهم، تجفف عرق الفلاحين في حقولهم، وتشد على أيدي العمال في مصانعهم، وتزور الجنود في ثكناتهم، هؤلاء الذين نذر عبد الناصر حياته من أجلهم. وعلى عادتي عند الكتابة كل عامٍ في ذكرى ميلاد الزعيم وذكرى وفاته، أكرر ندائي لكل الذين يحترمون أنفسهم وأمتهم أن يرفعوا صور عبد الناصر على الطرقات والسيارات والشرفات والصدور، فهذا أقل ما يمكن أن نقوم به تقديراً منا لتضحياته في سبيل قضايانا العادلة. كان عبد الناصر أمة في رجل، ورجل بأمة. في يوم ميلاد الزعيم: كل سنة وأنت زعيم يا ريّس.
وليد الحلبي – الولايات المتحدة الأمريكية [email protected]