لم يكن الفرد منا يتصورعلى الاطلاق قبل عشرين سنة من الآن أن المعلومة سوف تصبح على طبق ذهب، وأن أجهزة الكمبيوتروالانترنيت سوف تغزو أغلب البيوت العربية، هذا الجهاز الذي لم يكن للعرب اي يد في اكتشافه وابتكاره، حيث الإشراف على تفاصيله والتحكم فيه شيء غربي محض، أما تشغيله ونفض محتوياته فقد أكد العرب أنهم أتقنوا التعامل معه بسهولة لم تكن متوقعة حتى من طرف الطفل العربي، إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بحرارة ومرارة، هو هل جهاز الإنترنت والكمبيوتر وظف عربيا بشكل جيد وإيجابي؟ أم كان هذا الجهاز حسرة علينا وعلى سلوكنا وسلوك أبنائنا، وعلى منظومتنا الأخلاقية، وتفكيك لحمة التواصل الأسري؟ والجواب لا يخفى على عاقل وحتى غيرعاقل. وإذا كنا نعترف نحن العرب بأننا مستهلكون للتكنولوجيا بشكل مطلق وبغباء مطلق أيضا، فإن الطامة الكبرى أن هذا الاستهلاك في الغالب ما يكون هجينا ماجنا مطوقا بالتبعية والركون في الغالب إلى مزبلة الآخر،والالتفاف عليها كالذباب.. فموقفنا من فكر غيرنا إما أن يكون بين الاستسلام له وإعلان عبوديته (حتى وإن دخلوا جحر ضب لدخلوه) أو اتخاد موقف مخاصمته ومهاجمته جملة وتفصيلا، وبهذا تجدنا دائما نركن إلى التطرف بشقيه إما إلى أقصى اليسار، أو إلى أقصى اليمين. وفي إطار صراع الحضارات وتحقيق مبدأ المغالبة وفرض السيطرة على الضعيف، فإن الآخرعندما أدرك جيدا ما نحن عليه من الضعف والوهن، إذ ذاك مكننا من الولوج بسهولة فائقة من عالم الإنترنت، وإن هناك دراسة ميدانية توضح أن أكثر من 95 ‘ من العرب يترددون في تعاملهم مع الانترنت بين الشات، والمواقع الإباحية، والترفيهية فقط. فإذا كان العقل في الغالب ينقسم إلى ثلاثة أنواع، حسب قول المتخصصين في هذا المجال، العقل الإنساني، والعقل الجمعي، والعقل الآلي، فيبدو أن العقل الجمعي العربي مثخن بالاعطاب، ومنشأ هذه الاعطاب غياب التفكير السليم. وعلى حد قول د. نبيل علي (ان بالتفكير يتنفس العقل، وإذا توقف اختنق العقل، كما أن التفكير هو ما يهب المعلومات معنى ويجعل للمعرفة مغزى، والتفكيرالجاد عمل شاق ما أندر ما يمارس) ولتجنب هذه المشاق اختار العقل المستبد أن يفكر نيابة عن الآخرين، فهو يفهم في كل شيء، وله قدرات خارقة، وحيثما ووقتما فكر وقدر، فالصواب حليفه، وقد بلغ الأمر في وطننا العربي أن يتم الاستهزاء بكل ما يتصل بالفكر والمفكر بصلة، وغالبا ما يقال له بلاش فلسفة، بلاش وجع الرأس، وعليه فقد استبدل العرب العقل المعرفي بالعقل الشهواني، فبعد أن أيقظ العرب المسلمون شعلة الفكر وأسسوا أصول المعرفة والعلم، وبعد أن أشرقت شمس العرب على العالم قاطبة، وأوروبا بشكل خاص، فمند أمد طويل أخذ إنتاجنا العربي يتقلص وينكمش، وفي حالة تحنيط وانحطاط، ويخشى ذوو الأريحية إن استمروا على ماهو عليه أن يستبعد العرب تماما من ساحة إنتاج المعرفة الفكرية والعلمية، ولقد تفشى مرض انفلونزا العقول، والسيلان الفكري.. الذي أصاب غير قليل من صفوة النخب لدينا، حتى جامعاتنا وأنظمة التعليم عندنا أصبحت تعتمد منهج التلقين والإملاء الحرفي، وأخذت تعمل على تخريج أجيال لا يتمتعون بأنماط التفكير النقدي المبدع، وتنمية المهارات، وهناك حكمة تقول (تعليم بلا تفكير جهد ضائع، وتفكير بلا تعليم أمر محفوف بالمخاطر). ويبقى غياب الإرادة والإدارة هو لب المشكل الذي يتعمق يوما بعد يوم، كما أن غياب توحيد الأمة وجمعها على مشروع تنموي موحد يجعلنا كالأنعام، إذا لم يكن الأمر أضل سبيلا، فماذا تصنع أمة لا تعتمد على استراتيجيات قصيرة أو بعيدة المدى، ولا تقوم على دراسات مستقبلية، هذا العلم الذي أصبح ضرورة حتمية للدولة والمجتمع، بل كان لزاما على كل وزارة أن يكون بها قسم يعنى بالدراسات المستقبلية، هذا الكلام الذي نادى به الدكتور المهدي المنجرة العالم الكبيرالذي يحتضر هو ونظرياته العظيمة في صمت وقح، في حين نجد الأغبياء المتطفلين والمتسلطين على جميع المجالات يحتلون أهم المواقع، ويكرمون في المنتديات والمهرجانات.. وإن علم التخطيط أصبح فنا وعلما قائما بذاته وضرورة للفرد، بالأحرى الدولة، وتقول الدراسات الإستراتيجية أن الضرورة تفرض إما أن تكون لديك خطة أو تكون أنت من ضمن خطة الآخر؟ إن هذه الأمة الوحيدة التي لا تستغل ما لديها من مقومات، حيث تتوفرعلى عقول جبارة، التي للأسف مهمشة، كما تتوفرعلى أروع معطى جغرافي في الكرة الأرضية على الإطلاق، وثروات باطنية متنوعة وغزيرة، بالإضافة إلى وحدة الدين واللغة.. وكلها مقومات نادرة الوجود، وقد استطاع العديد من الأعراق والأجناس، مع أنها منغلقة وضعيفة العدد والمقومات، أن تجعل لنفسها مكانا مرموقا في الخريطة العالمية كاليهود والفرس. لقد استفحل عندنا في هذه الآونة الحرجة تحكم النظرة الجزئية الآنية، والعجز عن الاستقراء الشامل الدقيق، وعدم ربط الجزء بالكل، وعدم اعتماد الزمن المطلوب لإنضاج الفعل الإصلاحي، وتأسيس ذلك على قناعة قوية، وقد حان الوقت لتنحية الزبد البشري الطافح فوق السطح من المسؤولية، والاعتماد على ما يمكث في عمق المجتمع من الأصفياء المخلصين، ومما يلفت النظر أيضا أن الفعل البشري هو المختبر الحقيقي لفكر الإنسان وصدقية إيمانه، فالإنسان في المحصلة النهائية هو الفعل والإنجاز، وهما المحك الحقيقي لصناعة التاريخ الذي يعتبر ثمرة فكر الأمة.التخلص من آفة الانشغال بما هو شخصي عما هو عام، واستيعاب أن الجميع يسكن في مركب واحد يضم الجميع، وأن أي ثقب يصيبه سوف يكون مصير الجميع الغرق والهلاك المبين. مذكر مولاي عبد الله