د. يوسف نور عوض
على مدى أسابيع ظلت العيون مسلطة على تونس التي انطلقت فيها انتفاضة شعبية على إثر إشعال المواطن البوعزيزي النار في نفسه عندما قامت سلطات الأمن بمصادرة عربة الخضار التي كان يعمل بها من أجل كسب رزقه، وسرعان ما تطورت هذه العملية إلى حركة احتجاج واسعة النطاق للمطالبة بالشغل ورد بعض المظالم التي تعرض لها أفراد الشعب التونسي، وتطور الأمر إلى صدامات خطيرة بين قوات الشرطة والجيش من جهة والمواطنين من جهة أخرى ليأخذ الأمر في نهايته شكل ثورة اجتماعية عارمة. وعلى إثر هذا التطور قدم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عدة مقترحات لمعالجة الموقف المعقد ولم تجد هذه المقترحات صدى عند أفراد الجمهورالغاضب وهو ما اضطره في آخر الأمر إلى الهرب خارج البلاد في عملية وصفها الكثيرون بأنها انتصار لغضبة الشعب، وعلى الفور ارتفعت الأصوات في مختلف أنحاء العالم العربي تنذر بأن ما جرى في تونس هو تحذير لمعظم الحكام العرب بأن الدور سيأتيهم جراء فساد أنظمة الحكم والقبضة الحديدية التي يسيطرون بها على شعوبهم، ولا شك أن بعض الحكام صدقوا ما سمعوه من تعليقات فرأينا الحكومة المصرية تصدر تعليمات لوزرائها بالتزام الحذر وعدم إطلاق تصريحات استفزازية لأفراد الجمهور، وأما العقيد القذافي وهو الجار المباشر لتونس والذي شعر بالقلق الشديد فقد حاول تقديم المساعدة في أول الأمر لإنقاذ نظام الرئيس بن علي لكن محاولته باءت بالفشل وعندها أبدى استغرابه مما حدث في تونس واصفا بن علي بأنه الزعيم الأنسب لتونس مطالبا بأن يكون بن علي زعيما مدى الحياة، ولم يكن حديث القذافي متسما بالدقة لأنه حتى لو كان بن علي هو الزعيم الذي لا يشق له غبار فليس ذلك وحده كافيا لأن يستمر في الحكم مدى الحياة شأن القذافي، ذلك أن هناك كثيرا من المواهب في تونس تستطيع أن تقوم بدور الرئاسة على النحو المطلوب، كما أن تداول السلطة هي السنة في النظم الديمقراطية من أجل ضخ دماء جديدة وإعطاء الفرض للآخرين، ولكن القذاقي لا يقبل ذلك لأنه يتعارض مع الفلسفة التي يقوم عليها نظام حكمه وهي البقاء في السلطة مدى الحياة. وهكذا ظل كثير من الناس يتطلعون إلى ما يجري في تونس ليروا ما اذا كانت الانتفاضة ستسفر عن واقع جديد لم يكن معهودا في العالم العربي من قبل، ولكن فوجىء الكثيرون في أول الأمر بالوزير الأول محمد الغنوشي يعلن نفسه رئيسا للجمهورية على إثر خلو منصب الرئاسة بصورة مؤقتة، وأعطى هذا القرار انطباعا بأن بن علي سيعود من جديد، ولم يقف الناس عند هذا الحد بل ذهبوا إلى أنه بحسب أحكام الدستور فإن الذي يتولى السلطة هو رئيس مجلس النواب في حال شغور منصب رئيس الجمهورية، ودار جدل كبير حول شرعية الدستور ذاته الذي هو من صنع النظم القديمة ولا يصلح لمرحلة جديدة، وفجأة صدر قرار جديد بتعيين رئيس مجلس النواب رئيسا للجمهورية وطلب إلى الوزير الأول محمد الغنوشي تشكيل حكومة جديدة، وكان ذلك غريبا لأن الرجلين هما من أركان النظام القديم وكل ما يشار إليه من فساد تم بمعرفتهما، وهما بكل تأكيد لن يفعلا شيئا من أجل إصلاح الأوضاع في عهد جديد، وبالتالي بدت الصورة وكأن ما حدث هو مجرد تغيير سياسي بإبعاد الرئيس والإبقاء على أركان حكمه، أي أن النظام ما زال موجودا، وهدأت ثائرة الناس الذين أسقط في أياديهم ولم يعودوا يعرفون ماذا يفعلون، ولا شك أن كثيرا من الدول العربية التي شعرت بالتهديد تنفست الصعداء لأنها علمت أنه ليس هناك دائما بديل للنظم القائمة.
وليست تجربة تونس هي الأولى من نوعها في هذا المجال، فقد حدثت ظروف مشابهة في السودان عام 1964 عندما أطلقت الشرطة النار على الطالب في جامعة الخرطوم أحمد القرشي طه فأردته قتيلا، فحدث غضب طلابي كبير في جامعة الخرطوم واندلعت المظاهرات في الشوارع مطالبة بإسقاط النظام العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود، وللأمانة لم يكن عبود ديكتاتورا ولم يفكر في القيام بانقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة، إذ تقول بعض الروايات أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت عبدالله خليل استدعاه وطلب منه الاستيلاء على الحكم بصفته قائدا للجيش بسبب خلافات نشأت بين عبدالله خليل وعدد من القادة السياسيين في شمال السودان، وبمجرد أن اندلعت المظاهرات انضمت إليها قوى المجتمع المدني التي أطلق عليها في ذلك الوقت جبهة الهيئات التي أعلنت العصيان المدني الذي أدى إلى استقالة الرئيس الفريق إبراهيم عبود الذي لم يهرب من البلاد ولم تكن هناك جرائم فساد تنسب إليه، ولكن على الرغم من ذلك فإن الثورة التي أطلق عليها في ذلك الوقت ثورة أكتوبر لم تستطع أن تؤسس نظاما جديدا وإنما سلمت السلطة للقوى الحزبية التقليدية وهي قوى طائفية وقبلية وهكذا أسقطت الثورة نظام الحكم ولم تؤسس نظام دولة بديلا. ومر السودان بتجربة أخرى حيث استولى جعفر نميري على السلطة في عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين ولكن تحرك نميري في هذه المرة جاء مختلفا عن نظام الفريق إبراهيم عبود لأن نميري تأثر بحركة الانقلابات التي كانت سائدة في العالم العربي في ذلك الوقت، ودون الدخول في تفاصيل حكم الرئيس نميري فقد أسقط النظام أيضا بثورة شعبية تمخضت عن نظام الفريق سوار الذهب الذي تنازل عن السلطة ليسلمها للقوى التقليدية التي لم تستطع أن تؤسس نظاما جديدا وانتهى بها الأمر بقيام ثورة الإنقاذ التي أسست نظاما إسلاميا، ولكن بما أن الاتجاهات في السودان كلها ليست إسلامية فقد أصبح من المحتم أن تكون هناك كثير من الاتجاهات خارج المسار السياسي الحالي للبلاد، ويبدو أن الشيخ راشد الغنوشي في تونس قد تنبه لمثل هذا الواقع عندما أعلن أن حركته ستعمل مع القوى الديمقراطية الأخرى في البلاد. وهذا رأي يدعو للعجب لأن النظام الإسلامي نظام متكامل ولا يقبل التجزئة مع أحزاب أخرى إلا إذا كان الشيخ الغنوشي ينظر إلى حركته على أنها مكملة للاتجاهات السياسية المختلفة في تونس في هذه المرحلة. وكما يبدو فإن الثورات الشعبية في السودان لم تستطع أن تؤسس نظاما بديلا، وهذا هو الواقع في تونس حيث يتولى رئاسة الجمهورية في الوقت الحاضر فؤاد المبزع بينما يتولى رئاسة مجلس الوزراء محمد الغنوشي وهما كانا يديران النظام السابق حيث تمت كل المخالفات تحت سمعهما وبصرهما، والغريب أنهما أعلنا عن استقالتهما الآن من الحزب الذي كان حاكما من قبل وهو حزب التجمع الدستوري وهذا إجراء مثير للعجب لأنه لا يدل على شيء سوى الاستخفاف بالجماهير التي دعمت الانتفاضة لتعتقد أنها أمام قيادة جديدة مع أن هذه القيادة هي نفسها قيادة النظام السابق، ولا نقول إن السبب في استيلاء هؤلاء على السلطة هو عدم وجود قيادة شعبية للانتفاضة، ذلك أن المسألة تتعلق بقيادة الانتفاضات في العالم العربي والتي لا تفرق بين نظم الحكم ونظم الدولة، إذ المعروف أن معظم دول العالم العربي ظلت عبر عصورها تجكم بواسطة قادة قبليين وبوسائل تقليدية ثم خضعت هذه الدول بعد ذلك للحكم الاستعماري، وبعد فترة من هذا الحكم قامت ثورات كثيرة للتخلص من هذا الاستعمار وظن الكثيرون إن الحكم الجديد يجب أن يركز على السلطة شأن المستعمرين، وبالتالي ركز هؤلاء على نظرية الحكم ولم يركزوا على نظرية إنشاء نظم الدول، وهو ما أدى إلى قيام سلسلة من الانقلابات العسكرية في العالم العربي زادت الأوضاع سوءا، ما يحتم أن تظهر الآن ثقافة جديدة تفرق بين نظام الدولة ونظام الحكم، وهو ما يدعو تونس لأن تبحث في الوقت الحاضر ما إذا كان الهدف هو استبدال نظام حكم بنظام آخر أم أن الهدف هو إحداث تغيير جوهري في النظم التي تقوم عليها الدولة، لتصبح متماشية مع ما هو معروف في نظم الدولة الحديثة.’ كاتب من السودان